بعد أَن سمع النبي بدخول قافلة العدو إلى التراب الحجازي تحرك من المدينة بجيشه للاستيلاء عليها ..
ومن الواضح جدًّا .. أن استنفار عساكر الإِسلام بالمدينة من أَجل الاستيلاء على هذه القافلة، لم يكن تجنيدًا إجباريًا (كما هي العادة في المعارك الكبرى التي يستعد الرسول لخوضها كمعركة أُحد) بل كان نداءُ الرسول للجيش هنا بمثابة ترغيب فقط.
فقد جاء في ندائه قوله هذه عير قريش فيها أَموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.
ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة عن الاشتراك في معركة بدر التي لم يكن أحد من المسلمين يتوقع حدوثها عند خروجه من المدينة.
ولم ينكر الرسول على أَحد من المتخلفين، بل ولم يستحثه على الخروج مع الحملة، بل ترك الأَمر للرغبة الخاصة، والاختيار المحض.
ومن المؤكد أَن الذين لم ينخرطوا في سلك الجيش الذي خرج لملاقاة العير، لو كانوا يعلمون أَن الرسول سيصطدم بجيش مكة ذلك الاصطدام العنيف في بدر، لما تخلف منهم قادر على حمل السلاح. ولكنهم اعتقدوا (جازمين) أَن الصدام لن يكون عنيفًا عند التصدي للقافلة، بل قد لا يكون هناك صدام إذ من المتوقع أَن يفر حرس العير - وهم
[ ١ / ١٢١ ]
لا يزيدون عن أربعين راكبًا - مجرد رؤية محمد وجنوده الذين لا يقلون عن ثلاثمائة مقاتل.
لذلك تخلف من تخلف عن الحملة في المدينة، وقد أَفصح عن هذه الحقيقة أُسيد بن الحضير (١) وهو سيد من سادات الأَنصار - فقد قال للرسول معتذرًا - عندما لقيه مهنئًا بالنصر في الروحاء - والله يا رسول الله ما كان تخلفى عن بدر وأَنا أَظن أَنك تلقى عدوًا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أَنه عدو ما تخلفت، فقال له الرسول صدقت.
وكان خروج النبي بجيشه من المدينة يوم الأَربعاء لثمان خلون من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة.