وهنا اتسع نطاق دائرة الخطر بالنسبة لمركز قريش الروحي الممتاز بين العرب، فقد خافت قريش مغبَّة تزايد هذا النشاط النبوي بين وفود الحجيج، ولذلك سارع زعماءُ مكة إِلي الاجتماع في برلمان قريش (دار الندوة) للتشاور فيما يجب اتخاذه من وسائل فعالة يضعون بها حدًّا للنشاط المتزايد الذي يقوم به صاحب الدعوة الجديدة النبي محمد - ﷺ - مما اعتبروه خطرًا علي دينهم وشتمًا لآلهتهم.
وقد استعرض المجتمعون الموقف من جميع نواحيه وناقشوه مناقشة طويلة واستمعوا إِلي مختلف الحلول والاقتراحات التي تقدم بها بعض الرؤساءِ والقادة.
وكان أَول الخطباءِ في (برلمان مكة) الوليد بن المغيرة المخزومي الذي تحدث إلي المجتمعين قائلًا:
يا معشر قريش إِنه قد حضر هذا الموسم (يعني الحج) وإِن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأَمر صاحبكم هذا (يعني النبي - ﷺ -)، فأجمِعوا فيه رأْيًا واحدًا ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم
[ ١ / ٢٩ ]
بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا: فأَنت يا أَبا عبد شمس، فقال وأَقم لنا رأْيًا نقول به، قال .. بل أَنتم فقولوا أَسمع، وهنا تعاقب الخطباءُ للإِدلاء بآرائهم، فقال أحدهم .. نقول كاهن .. فقال الوليد .. لا والله ما هو بكاهن. لقد رأَينا الكهّان فما هو بزمزمة الكهان (١) ولا سجعه، فقالوا .. نقول مجنون .. قال: ما هو بمجنون، لقد رأَينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه، ولا تخالجه، ولا وسوسته، قالوا .. فنقول شاعر، قال ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر، قالوا .. فنقول ساحر، قال .. ما هو بساحر، لقد رأَينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم، قالوا، فما نقول يا أبا عبد شمس؟؟ فقال لهم (في صراحة): والله إن لقوله لحلاوة، وإِن أَصله لعذق (٢)، وإِن فرعه لجناة، وما أَنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أَنه باطل، ثم قال لهم الوليد:
وإِن أقرب القول فيه لأَن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق بين المرءِ وأَبيه، وبين المرءِ وأخيه، وبين المرءِ وزوجته، وبين المرءِ وعشيرته، وقد وافق المجتمعون علي هذا الاقتراح الذي قدمه الوليد بن المغيرة بالإِجماع.