وبعد أَن وثق النبي - ﷺ - من رسوخ قواعد المجتمع الإسلامي الجديد بإقامة الموحدة العقائدية والسياسية والنظامية في المدينة بين المسلمين، شرع في تنظيم علاقاته بغير المسلمين من اليهود المقيمين في المدينة.
لم يكن النبي - ﷺ - طالب ملك أَو باحث عن جاه أَو ساع وراء مال (وهي الأُمور التي تدفع بطالبها في طريق التسلط والتعسف، والعدوان) وإنما كان "- ﷺ -" نبيًّا مرسلًا همه توفير السعادة والخير للبشرية جمعاء.
ولذلك اتجه في محادثاته مع اليهود اتجاهًا كله سماحة وتسامحًا،
[ ١ / ٩٧ ]
فلم يشأْ (وقد أصبح زعيم أَقوى قوة حربية في يثرب) أَن يصادر حريتهم في دينهم أو مالهم، بل ترك لهم مطلق الحرية في كل ذلك، ولم يلجأْ إلى إبعادهم عن المدينة لاختلافهم معه في الدين، بل قبل وجودهم كأُمة من أَهل الكتاب، لهم دينهم وللمسلمين دينهم.
بل لقد ذهب إلى أَبعد من ذلك حيث عقد مع هؤلاء اليهود معاهدة تضمنت التعايش السلمي وحسن الجوار بين المسلمين واليهود بالإضافة إِلى تضمنها الدفاع المشترك عن يثرب، وقد ضمن النبي - ﷺ - في هذه المعاهدة لليهود حرية الرأْى وحرية العقيدة، والتصرف المطلق فيما يملكون من أَموال (١).