وهكذا وقف الكفر على باب الإيمان ليطفئ شعلته إلى الأبد وليحرم العالم من موجات نوره الساطعة التي أخذت تتدفق لتضئ جنبات العالم المتوحلة في ظلمات الجهل والكفر والظلم والانحراف.
ووقف قادة الشرك مع جندهم الذين أحاطوا بمنزل الرسول - ﷺ -، ليشهدوا تنفيذ أبشع مؤامره دنيئة عرفها التاريخ من لدن آدم.
ووقف أبو جهل بالذات وقفة الزهو والخيلاء، وكأنه قد ضمن نجاح المؤامرة .. وقف مخاطبًا عصابته المحاصره للمنزل النبوي قائلا (في سخرية واستهزاء):
"إن محمدًا يزعم إنكم إن تابعتموه على أَمره، كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان (الأردن)، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبيح، ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها".
وقد كان ميعاد تنفيذ تلك المؤامرة بعد منتصف الليل، وظل قادة مكة وجنودهم متيقظين في انتظار ساعة الصفر، ليفتكوا بالرسول الأعظم - ﷺ -، ولكن الله غالب على أَمره.
[ ١ / ٧٤ ]
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (١).
فقد فشلت تلك المؤامرة الرهيبة، حيث نجَّى الله من شرها رسوله - ﷺ - الذي خرج على المتآمرين وهم ينظرون إليه ولا يبصرون. خرج عليهم واخترق صفوفهم وفي يده حفنة من التراب ذرها على رؤوسهم المشحونة بالكفر والطغيان، ذرها وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٢).
وقبل حلول ساعة الصفر بقليل: تجلت للكفر خيبة أمله، وظهرت للطغيان انهيار خططه، وعصفت رياح الحسرة بنفوس المتآمرين حينما آتاهم رجل ممن لم يكن معهم، وهم واقفون بباب منزل الرسول - ﷺ - ينتظرون دنو ساعة الصفر، فقال لهم: ما تنتظرون؟؟ .
قالوا .. محمدًا .. قال .. خيبكم الله قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأْسه ترابًا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ .. فوضع كل رجل منهم يده على رأْسه فإذا عليه تراب.
ولكنهم كانوا على يقين بأن النبي - ﷺ - داخل المنزل، ولهذا فقد تزاحموا على باب منزل الرسول يتطلعون من شقوقه، فيرون عليا ﵁ (٣) علي الفراش متسجيا ببرد رسول الله - ﷺ -، فيظنونه
_________________
(١) الأنفال: ٣٠.
(٢) يس: ٩.
(٣) روى ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما علم بعزم قريش على ألفتك به قال لعلي بن أبي طالب .. نم على فراشي وتسج ببردى هذا الحضرمي الأخضر، =
[ ١ / ٧٥ ]
رسول الله، فيقولون والله أن هذا لمحمد نائمًا عليه برده، فيظلون نهبًا للشك والتردد لا يقدمون على عمل حاسم (١)، حتى طلع عليهم الصباح، وإذا بعلي بن أبي طالب ﵁ ينهض من فراش الرسول - ﷺ -، وبهذا تبين لهم صدق ما قاله لهم ذلك الرجل الذي أخبرهم بخروج النبي عليهم من منزله.
وهنا تأَكد لكفار مكة أن النبي - ﷺ - قد أفلت (فعلًا) من قبضتهم فجن جنون الشرك لهذا الفشل الذريع الذي انتهت إليه مؤامراتهم الخبيثة.