ك ان النبي - ﷺ - قد اتصل بصاحبه الأكبر (أَبى بكر الصديق) ليتفقا على خطة يغادران بموجبها مكة إلى المدينة، وذلك بعد أن تبلغ النبي - ﷺ - ذلك القرار الغاشم الذي اتخذه برلمان مكة ضده.
فقد ذهب - ﷺ - إلى بيت الصديق لهذا الغرض، ولما كانت عملية الهجرة (بالنسبة للنبي - ﷺ -) تعد مغامرة خطيرة فقد أحيطت بالكتمان الشديد، حتى إِن النبي - ﷺ - لما وصل إِلى منزل صاحبه الصديق للتشاور معه في وضع الخطة، طلب مسند أن يأْمر كل من عنده بالخروج لئلا يتسرب شيء مما يدور بينهما حول هذا الموضوع الخطير.
_________________
(١) = فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام.
(٢) لقد حاول المحاصرون لمنزل الرسول التسور لقتله داخل المنزل فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض، والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا، فذاك الذي جعلهم يؤجلون تنفيذ قتل الرسول حتى أصبحوا ينتظرون خروجه، ثم طمست أبصارهم فلم يروه حين خرج. هكذا جاء في الروض الأنف للسهيلي.
[ ١ / ٧٦ ]
قال ابن إسحاق فيما رواه عن عائشة ﵂ أَنها قالت .. كان لا يخطيء رسہول الله - ﷺ - أَن يأْتي بيت أَبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإِما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أَذن فيه لرسول الله - ﷺ - في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهرى قومه، أَتانا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة، في ساعة كان لا يأَتى فيها، قالت .. فلما رآه أَبو بكر قال .. ما جاءَ رسول الله - ﷺ - هذه الساعة إلا لأَمر حدث، قالت .. فلما دخل، تأْخر له أَبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله - ﷺ -، وليس عند أبي بكر إلا أَنا وأُختي اسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -:
أخرج عني من عندك، فقال يا رسول الله، إنما هما ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أَبي وأُمي.
فقال - ﷺ - .. إن الله قد أَذن لي في الخروج والهجرة، قالت .. فقال أَبو بكر:
الصحبة يا رسول الله، قال - ﷺ - .. الصحبة.
قالت عائشة .. فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم إن أَحدًا يبكى من الفرح، حتى رأَيت أَبا بكر يبكي يومئذ ثم قال يا نبي الله، أَن هاتين راحلتان قد كنت أَعددتهما لهذا، فاستأَجرا عبد الله بن أَرقط - رجلا من بنى الدؤل بن بكر وكان مشركًا - يدلهما علي الطريق فدفعًا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما (١).