وبعد أَن أَقام النبي - ﷺ - للمسلمين (ببناء المسجد) مركز التجمع والتهذيب والتعارف والتآلف والارتباط، (عن طريق الصلوات) برب العالمين دونما وسيط أو شفيع، شرع - ﷺ - بحكمته الفذة وسياسته الصائبة الحكيمة في محو مخلفات الجاهلية ومترسبات العصبية.
فقد كانت يثرب (كما قلنا) نهبا (طيلة مئات السنين) لحروب أهلية قبلية طاحنة أفنت زهرة شبابها ومزقت وحدتها شر ممزق، مما أعطى اليهود الدخلاء الفرصة للتمركز في تلك البقعة الطيبة من الجزيرة العربية.
فكان العمل الحاسم الحكيم الذي اجتث به النبي - ﷺ - جذور البغضاء الجاهلية القديمة والحزازات العنصرية المزمنة المستحكمة بين قبيلتي الأَوس والخزرج، هو أَن آخى بين المسلمين جميعًا (المهاجرين والأَنصار) في مؤتمر أَقامه لهم في المدينة، آخى فيه بينهم، اثنين اثنين.
قال ابن إسحاق: وآخى رسول الله - ﷺ - بين أصحابه من المهاجرين والأَنصار، فقال - فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - تآخوا في الله أَخوين أَخوين (١). فتآخوا جميعًا.
وقد كانت رابطة هذا التآخى أقوى وأكثر فعالية، في إقامة الموحدة السياسية والنظامية والمصيرية بين عناصر المجتمع الجديد من رابطة التحالف إلى عهدها العرب.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ١ ص ٥٠٥.
[ ١ / ٩٤ ]
ولقد اغتبط الأَنصار - وخاصة زعماءهم - بهذا التآخى الذي رأَوا فيه أَملهم المنشود يتحقق، وهو السلام والأَمن والاستقرار الذي حرمت منه يثرب مئات السنين، نتيجة الحروب الأَهلية المدمرة التي كانت تصطلى بنارها عشيرتا الأَوس والخزرج اللتين هما قبيلة واحدة (١).
كما أَن المهاجرين قد وجدوا (نتيجة هذا التآخي) في كنف إِخوانهم الأَنصار، من العون والمساعدة ما خفف عليهم من وطأَة الفقر الشديد الذي منوا به نتيجة هجرتهم من وطنهم الأَصلي مكة، وتركهم فيها كل أَموالهم التي صادرها مشركوقريش.