لم يظهر اليهود للنبي - ﷺ - عند قدومه يثرب، أَية مقاومة أَو خصومة، بالرغم من تخوفهم من وصوله، على نفوذهم الاقتصادي وسيطرتهم السياسية ونفوذهم الروحي.
كما أَنه - ﷺ - سارع إِلى تطمينهم على عقائدهم وأَرواحهم وأَموالهم، فعقد معهم تلك المعاهدة التي كان القصد منها إحلال السلام،
[ ١ / ٩٩ ]
وتوفير الأَمن والطمأْنينة لجميع سكان المنطقة على اختلاف عناصرهم ومعتقداتهم وقد وقع اليهود هذه المعاهدة والتزموا تنفيذ نصوصها كما النزم المسلمون.
وقد كان بوسع اليهود أَن يعيشوا سعداء في ظل العهد الإسلامي الجديد، آمنين على عقائدهم وأرواحهم وأَموالهم. وكان هذا خيرًا لهم لو فعلوه.
ولكن طبيعة الدس والتآمر المتآصلة في نفوسهم، والتي صارت جزءًا من كيانهم (طيلة عهودهم). لم تتركهم يفعلون ذلك، بل دفعت بهم إِلى ما أَلفوه من إِثارة القلاقل وخلق المشاكل وبعث الفتن.
لقد تمسك المسلمون بنصوص المعاهدة المعقودة بينهم وبين اليهود، وكان حسن النية والرغبة الأكيدة في التعايش معهم بسلام ظاهرة بجلاء في تصرفات المسلمين.
ولكن التحرش والشغب والإِعنات جاء من جانب اليهود أَنفسهم .. فقد هالهم وأَقضّ مضاجعهم أَن رأَوا سلطان الإسلام ينشر ظله على يثرب في سرعة مذهلة لم يكونوا يتوقعونها.
وزادهم غمًّا وشحن نفوسهم بالحسد للرسول - ﷺ - أَن تأَكد لديهم أَن محمد بن عبد الله القرشي الوافد إِلى يثرب هو النبي الموعود ذاته كما يجدون ذلك مكتوبًا عندهم في كتبهم .. وبدلًا من أَن يسارعوا إِلى الإِيمان به ويغتبطوا بظهور رسالته، فاضت نفوسهم بالحسد وأَترعت قلوبهم بالبغض له.
فهذان حبران من أَحبارهم قد أَثقل قلوبهما الهم وأَمرض نفوسهما
[ ١ / ١٠٠ ]
الغم نتيجة تأكدهما، من نبوة محمد - ﷺ - وهما حيى بن أخطب والد أم المؤمنين صفية ﵂ (١) وأخوه ياسر.
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال .. حدثت عن صفية بنت حيى بن أخطب أنها قالت. . كنت أَحب ولد أبي إليه، وإلى عمي ياسر، لم ألقها قط مع ولد لهما إلا
_________________
(١) هي أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب بن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب، من بني النضير، وهم من سبط لاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى - ﵇ -، كانت تحت سلام بن مشكم، (أحد زعماء اليهود) ثم تزوجها كنانة بين أبي الحقيق، أحد قادة اليهود في خيبر، وقد قتل هذا في معركة خيبر، فوقعت زوجته صفية هذه سبية في يد أحد جنود الإسلام، فاستعادها النبي ﷺ - ثم أعتقها فتزوجها كما في صحيح البخاري ومسلم. وكان أحد جنود الإسلام قد سبى صفية من ابنه عم لها، فمر بهما على قتلى اليهود، فلما رأنهم ابنة عم صفية صكت وجهها وصاحت وحثت التراب على وجهها، فقال النبي - ﷺ - للرجل الذي مر بهما على القتلى (أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟) وذكر ابن حجر في الإصابة أن صفية - ﵁ - رأت في المنام (قبل معركة خيبر) أن القمر وقع في حجرها فذكرت ذلك لأمها فلطمت وجهها وقالت لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب (تعني النبي - ﷺ -، كانت أم المؤمنين صفية أمراة عاقلة، حليمة، فاضلة، فقد ذكر ابن عبد البر أن جارية لما أتت أمير المؤمنين عمر فقالت له: . . .إن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فبعث إليها عمر. فسألها عن ذلك، فقالت. . أما السبت فإني لم أحبه منذ أن أبدلنى الله به الجمعة، أما اليهود فإن لي فيهم رحمًا فأنا أصلها، فلم ينكر عليها عمر صلتها للرحم في اليهود، ثم قالت لجارتّهها ما الذي حملك على هذا؟؟ فقالت. . الشيطان، قالت. . اذهبي فأنت حرة:: أخرج أصحاب الحديث لأم المؤمنين صفية عشرة أحاديث عن رسول الله ﷺ: . كانت صفية أيام فتنة الدار التي حاصر فيها المشاغبون الخليفة عثمان في داره، تنقل إليه الطعام والماء سرًّا. . ومرة ذهبت لترد عن عثمان (بصفتها أم المؤمنين) وكانت راكبة على بغلتها. فلقيها الأشتر النخعي وهو من كبار قادة المشاغبين على عثمان فاعترض أم المؤمنين صفية وضرب وجه البغلة بعنف، ولم يسمح لها، فقالت. . ردني لا تفضحني: توفيت صفية سنة خمسين هـ.
[ ١ / ١٠١ ]
أخذانى دونه، قالت. . فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، ونزل قباء، في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أَبي حييّ بن أخطب وعمي ياسر بن أخطب مغلسين، قالت. . فلم يرجعا حتى كأنا مع غروب الشمس، قالت. . فأَتيا كالئين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت. . وسمعت عمي ياسر يقول لأَبي حيى بن أخطب:
أَهو هو؟؟ (يعني النبي - ﷺ -).
قال: . . نعم والله.
قال: . . أتعرفه وتثبته؟؟ . .
قال: . . نعم.
قال .. فما في نفسك منه؟؟ .
قال: . . عداوته والله ما بقيت.
وروى ابن إسحاق كذلك عن عبد الله بن سلام (١) (وكأن يهوديًّا ثم أسلم) قال: جئت رسول الله - ﷺ - فقلت له:
_________________
(١) هو عبد الله بن سلام بن الحارث، أبو يوسف، من ذرية يوسف النبي ﷺ حليف النوافل من الخزرج. الإِسرائيلي، ثم الأنصاري، كان يهوديًّا من بني قينقاع كأن عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، وذكر أصحاب السنن أن عبد الله بن سلام قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كنت ممن انجفل (أي انزعج) فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ﷺ ليس بوجه كذاب، شهد له النبي ﷺ بأنه عاشر عشرة في الجنة، فقد روي البخاري عن زيد بن عمير قال حضرت الوفاة معاذ بن جبل، فقيل له. . أوصنا فقال: . التمسوا العلم عند أي الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديًّا فأسلم، سمعت رسول الله ﷺ يقول إنه عاشر في الجنة:: اعتزل عبد الله بن سلام=
[ ١ / ١٠٢ ]
يا رسول الله إن يهود قوم بهت، وإني أُحب أن تدخلنى في بعض بيوتك، وتغيبنى عنهم، ثم تسألهم عني، حتى يخبروك، كيف أنا فيهم، قبل أن يعلموا إسلانى فإنهم إن علموا به بهتونى وعابوني، قال .. فأدخلني رسول الله - ﷺ - في بعض بيوته، ودخلوا عليه فكلموه وسأَلهم ثم قال له .. أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟؟ قالوا. . سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، قال: . فلما فرغوا من قولهم خرجت عليهم فقلت لهم:
يا معشر يهود، اتقوا الله واقبلوا ما جاء كم به، فوالله إنكم لتعلمون إنه لرسول، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأُؤمن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا:
كذبت ثم وقعوا بي، قال: . فقلت لرسول الله - ﷺ - ألم أُخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، أهل غدر وكذب وفجور؟؟