فمن ذلك أن شاس بن قيس وهو يهودي عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين مر يومًا بنفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون في إخوانًا متحابين فغاظهم ما رأى من أُلفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية، فقال:
قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم (إذا اجتمع ملؤها بها) من قرار، وهنا (وعلى طريقة اليهود في الدس والكيد) طلب من أحد الشباب اليهود، وكان جالسًا مع أُولئك النفر من المسلمين، وقال له. . أعهد إلى هؤلاء فاجلس معهم، ثم اذكر لهم يوم (بُعاث) (١) وما كان قبله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.
وكان يوم بعاث يومًا تاريخيًا في الحروب الأهلية الطاحنة التي كانت تدور في (الجاهلية) بين الأوس والخزرج، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.
ففعل الشاب اليهودي ما أمره به زعيمه، وقد كاد هؤلاء اليهود ينجحون في مهمتهم الخبيثة، إذ ما كاد الشاب يذكر يوم بعاث،
_________________
(١) يوم بعاث يوم معركة طاحنة شهيرة دارت بين الأوس والخزرج في الجاهلية.
[ ١ / ١٠٤ ]
حتى أخذ رأس الفتنة يظهر بين الفريقين، فقد تفاخر القوم وتنازعوا حتى توترت الحالة بينهم إلى درجة أن أحد زعماء الخزرج قال لأحد زعماء الأوس متحديًا. . إن شئتم رددناها جذعة (يعني الإستعداد لإحياء الحرب الأهلية التي كانت بينهم)، فغضب الفريقان، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة (والظاهرة الحرة) ثم تنادوا، السلاح السلاح، وأخذوا في التسابق للحرب إلى المكان المحدد، وكادت تنشب الحرب الأهلية بينهم، وهذا أعز أُمنيات اليهود والمنافقين.
إلا أَن الأمر بلغ النبي - ﷺ - قبل أن تنشب الحرب بينهم، فسارع بالخروج إليهم فيمن معه من المهاجرين. وعمل بسرعة على إخماد نيران هذه الفتنة التي هي من صنع دسائس اليهود.
فبمجرد وصول النبي - ﷺ - إلى مكان تجمعهم للحرب، وقف فيهم خطيبًا قائلًا:
"يا معشر المسلمين. الله الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم"؟؟ .
وهنا عاد إلى الفريقين (الأوس والخزرج) رشدهم وأدركوا أنها نزعة من الشيطان ودس وكيد من اليهود، فاسترجعوا وبكوا، ثم عانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، وعادوا راجعين إلى المدينة مع رسولهم الحبيب صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إخوانًا متحابين، وبهذا حبطت مساعي اليهود الخبيثة ورد الله كيدهم في نحورهم، بعد أن كادوا ينجحوا في تفتيت وحدة المسلمين الوليدة
[ ١ / ١٠٥ ]
ولم ينقطع اليهود (يساندهم المنافقون) عن التشويش على الدعوة الإسلامية وخلق المتاعب لصاحبها، فقد ظل كل فريق، بل كل فرد منهم يعمل في هذا السبيل التخريبي.
فبينما ظل اليهود في التشويش على النبي ودعوته ينشرون ظلالًا من الشكوك حولها وحول حاملها بما يثيرونه من جدل عقيم، وأسئلة متعنتة لا تمتُّ إلى البحث العلمي بشيء، كان المنافقون الذين يخالطون المسلمين (بحكم تظاهرهم بالإسلام) يثيرون المتاعب للعهد الجديد بإقامة العراقيل ونشر الأَرجاف، وتدبير المؤامرات، للتفريق بين المسلمين.