وقد أمر رئيس البرلمان الحرس أن يمنعوا أهل تهامة (إلى منها يثرب) من حضور هذه الجلسة، لأَن هواهم (كما تقول قريش) مع النبي - ﷺ - وأمرهم بأَن يسمحوا بالدخول لغيرهم، وخاصة أهل
_________________
(١) أمية بن خلف هذا هو أحد زعماء مكة الذين قتلهم المسلمون في معركة بدر.
[ ١ / ٧١ ]
نجد، ويظهر أنه كان من عادة القرشيين أن يسمحوا لغير النواب بشهود جلسات المناقشة في برلمان مكة.
وبعد أَن تكامل نواب القبائل، دار النقاش بينهم طويلًا. وتقدم النواب بمختلف الإقتراحات والحلول، إلا أَن أكثر هذه الاقتراحات، رفضت من قبل النواب بأَكثرية ساحقة.
فقد تقدم أبو الأسود ربيعة بن عمرو (أحد نواب قبيلة بنى عامر بن لؤى) باقتراح يقضى بنفى النبي - ﷺ - وإخراجه من مكة، غير أَن هذا الاقتراح رفض في الحال، بعد أن انتقده أحد النواب وشرح ما في تنفيذه من خطر على مستقبل قريش قائلًا:
ما هذا لكم برأْي. أَلم تروا حسن حديثه (يعني النبي - ﷺ -) وحلاوة أَن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأَكم بهم في بلادكم، فيأْخذ أَمركم من أيدكم، ثم يفعل بكم ما أَراد، ثم اختتم ذلك النائب انتقاده لذلك الإقتراح قائلًا .. أَديروا فيه رأيًا غير هذا.
وهنا تقدم نائب آخر وهو أَبو البخترى بن هشام (أَحد نواب قبيلة بني أسد بن عبد العزي) باقتراح يقضي باعتقال النبي - ﷺ - وإيداعه الحبس قائلا:
أَحبسوه في الحديد، وأَغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أَشباهه من الشعراءِ الذين كانوا قبله، - زهيرًا والنابغة - ومن مضى منهم، من هذا الموت، حتى يصيبه ما أصابهم.
ولكن هذا الاقتراح (أيضًا) رفضه برلمان مكة بعد أَن شجبه أَحد النواب قائلًا:
[ ١ / ٧٢ ]
لا والله ما هذا لكم برأْي. والله لئن حبستموه -كما تقولون- ليخرجن أَمره من وراء الباب الذي أَغلقتم دونه إلى أَصحابه، فلأَوشكوا أَن يثبوا عليكم، فينزعوه من أَيديكم، ثم يكاثروكم به، حتى يغلبوكم على أَمركم، ما هذا لكم برأْي، فانظروا في غيره.