وبينما كان المشركون المكيون من جانبهم يوالون الاجتماعات في برلمانهم لبحث الموقف الطارئ، وكان النبي - ﷺ - من جانبه غير غافل عما تفكر فيه قريش وترسمه من مخططات آثمة للقضاء عليه وعلى دعوته.
فبعد أَن تمركزت دعوة الإِسلام في يثرب ووجدت لها حماة أَقوياء عاهدوا الله على بذل الدم في سبيل الذود عنها والدفاع عن حاملها، سارع وأَصدر أَوامره إِلى أَصحابه المكيين بأَن يلتحقوا بيثرب ليدعموا الجبهة الجديدة التي أَراد الله أَن تكون (فيما بعد) القاعدة العسكرية الكبري التي استند عليها النبي - ﷺ - في كل حربه التي خاضها مع أَعداء الإِسلام.
فشرع أَصحاب النبي (من أَهل مكة) في مغادرة هذه المدينة المكرمة في اتجاه يثرب، وكانت هجرتهم، متفرقين فرادى، أَو في جماعات قليلة، وقد فعلوا ذلك (بموجب خطة سياسية حكيمة) القصد من
[ ١ / ٦٨ ]
اتباعها التعمية علي قريش ليلا تكتشف الهدف الذي يكمن وراء هذه الهجرة.
غير أَن قريشًا التي تنم عين استخباراتها عن مراقبة المسلمين
اكتشفت الأَمر، واتضح لها أن هجرة المسلمين إِلى يثرب تتم باستمرار وبانتظام وحسب خطة مرسومة ومن أَجل تحقيق غاية عسكرية تستهدف القضاءِ على الكيان الوثني في الدرجة الأُولى.
فقامت بعدة محاولات لمنع المسلمين من الهجرة إِلى المدينة، ولكن هذه المحاولات باءَت بالفشل إِذ لم تستطع أَن تمنع من الهجرة إِلا المستضعفين (وهم قلة) حبست البعض منهم وعذبت البعض الآخر، أَما بقية المسلمين فقد هاجر أَكثرهم دون أَن يقدر أَحد على منعه، ومن هؤلاءِ: عمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير العبدري، وعثمان بن عفان، وغيرهم.