وفعلًا اجتمع وفد دار الندوة بعميد الأُسرة الهاشمية بمقره في نادى بني هاشم.
وعلي مسمع من أقطاب أسرة بنى عبد مناف تكلم رئيس الوفد وقال:
يا أبا طالب .. إن لك سنًّا وشرقًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين"، أو كما قال له.
ولقد أثَّرت كلمات هذا الإنذار الشديد على أبي طالب تأثيرًا كبيرًا، ودب عند سماعها ضعف الشيخوخة في نفسه فكاد يرضخ للإنذار.
فقد بعث إلى رسول الله - ﷺ -، ولما حضر أبلغة خبر الوفد الذي جاء إليه بشأنه، وحدّثه عن الإنذار الشديد الذي تبلغه من قبائل قريش على لسان ذلك الوفد، ثم قال له طالبًا منه الكف عن عيب آلهتهم: "فأبْقِ علي وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أُطيق".
[ ١ / ٣٢ ]
وكان هذا كافيًا لأن يفهم النبي - ﷺ - أن عمه قد ضعف عن نصرته وفكر في التخلي عنه.
إلَّا أن النبي - ﷺ - أَمام هذا الحدث العظيم أعلن - دونما أي تردد أو تلجلج - بأنه غير مستعد للدخول في آية مساومة على حساب الإخلال بالأمانة العظمى التي كلفه الله بأدائها، حتى وإن تخلى عمه أبو طالب عن نصرته.
فقد قال لعمه (وفي عزم يدكُّ الجبال): "ويا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأَمر ما تركته"، ثم غادر المجلس.