فقد قابل الأَنصار إخوانهم من المهاجرين بكل حفاوة وتكريم، وبذلوا لهم (وخاصة بعد المؤاخاة) من العون والمساعدة ما بلغ بها البعض من الأنصار إلى أن عرضوا على إخوانهم من المهاجرين أن يقتسموا وإياهم كل ما يملكون مناصفة.
ولكن المهاجرين - أمام هذا الكرم العظيم الذي فاضت به تلك الأنفس الزكية الطيبة - لم يسعهم إلا أَن يقدّروا هذا البذل والكرم حق قدره، فيقابلونه بكرم مثله، حيث لم يستغلوا كرم إخوانهم الأَنصار الفيَّاض ولم ينالوا منه إلا بقدر ما يقيم أَودهم، ويعينهم على الوصول إلى العمل الشريف من تجارة أَو زراعة أَو ما شابه هذا من الأَعمال الحرة التي يجنى منها النشط الصبور، الكسب الحلال.
_________________
(١) انظر ترجمة قبيلتي الأوس والخزرج في كتابنا (غزوة أحد).
[ ١ / ٩٥ ]
روى البخاري أَن سعد بن الربيع) (١) عرض على عبد الرحمن بن عوف (٢) أن يأْخذ نصف ماله (وكانا قد آخى بينهما الرسول - ﷺ - فقد قال سعد لعبد الرحمن .. إني أكثر الأَنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أَعجبهما إليك، فسمها لي أُطلقها فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال عبد الرحمن .. بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أَقط وسمن ثم تابع الغدو .. ثم جاء يومًا، وبه أَثر صفرة، فقال النبي مهيم (سؤال عن حاله) قال: تزوجت، قال كم سقت إليها؟ قال نواة من ذهب.