اتصل الشيخ عبد الله اللّحجي بالوالد في أول سنة جاء فيها إلى مكّة؛ وهي سنة: ١٣٧٤ هـ، فقرأ عليه في المسجد الحرام، وأخذ عنه مدّة أقامته الأولى؛ وهي سنة كاملة. ثم رجع إلى بلاده، ثم جاء إلى مكة المكرمة مرّة ثانية عام: ١٣٧٧ هـ، واستقرّ بها إلى وفاته؛ ملازما لسيّدي الوالد السيد علوي المالكي ملازمة تامّة. وقرأ عليه في المسجد الحرام بباب السلام، وفي بيته، وبالقرارة ثم بالحلقة، ثم بالعتيبية كتبا عديدة؛ في التفسير والحديث والأصول والمنطق والتاريخ وتاريخ التشريع والقواعد والتصوف.
وممّا قرأه عليه: «موطأ الإمام مالك»، و«صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و«سنن أبي داود»، و«سنن الترمذي» .
وكان الشيخ عبد الله هو القارىء أمام الوالد في الدرس في المسجد الحرام.
وكذلك قرأ عليه كتاب «بلوغ المرام» و«رياض الصالحين» و«الشفا» و«الشمائل» للترمذي بالمسجد النبوي في الروضة الشريفة جوار الحجرة
[ ١ / ١٠ ]
المشرّفة؛ في الدروس الخاصّة.
و«ألفية السيوطي»، و«طلعة الأنوار»؛ وشرحها: «رفع الأستار»، و«نيل المرام في تفسير آيات الأحكام»؛ في الدروس العامّة بالمسجد الحرام. وكان الشيخ عبد الله هو القارىء فيها.
و«رسالة» جدّي السيّد عبّاس المالكي في الاستعارات، و«رسالة في علم المناظرة» و«رسالة في علم الوضع» وطائفة من «الإتقان»، وطائفة من «الموافقات» للشاطبي وكتبا كثيرة، ولازمه ملازمة تامّة، وخدمة في كثير من شؤونه العلمية، وكتب له كثيرا من فوائده، وأملى عليه كثيرا من رواياته.
وكنت لا أرى مجلسا من مجالس والدي إلّا وأرى الشيخ عبد الله اللحجي في ذلك المجلس؛ سواء كان مجلس علم، أو مذاكرة، أو ضيافة، أو ذكر، أو دعوة. ونسخ بيده كثيرا من المخطوطات المفيدة، والمجاميع العديدة، والرسائل النادرة باسم سيّدي الوالد. أي: هديّة له.
وكان كلّ منهما يحبّ الآخر وينظر إليه بعين الفضل. وكان الشيخ عبد الله المذكور يقول: أنا لا أشبع من مجالسة شيخنا السيد علوي. وإني إذا أصبحت أفكر في الذهاب إليه وأهيّىء نفسي لذلك، وكان يقول أيضا عنه: هو شيخنا الذي فتح قلوبنا وزكّى نفوسنا، وأمدّنا بما لا ننساه، وعرّفنا بالناس، وأخذنا إلى الأفاضل من أهل الحرمين الشريفين، واجتمعنا عنده وفي رحابه بكبار علماء المسلمين من الوافدين في الحج والعمرة والزيارة. واتّصلنا بهم وأخذنا عنهم واستجزناهم ببركته وإشارته، فعنه أخذنا، وبه تخرّجنا، ولولاه ما كنّا ولا أصبحنا ولا أمسينا. هكذا سمعته منه بلفظه ﵀.
وقد كان لسيّدي الوالد الحبيب علوي المالكي عناية خاصّة وتامّة بالشيخ عبد الله اللحجي؛ فقد كان يأخذه معه في أكثر مجالسه واجتماعاته ورحلاته خارج مكّة المكرّمة للوعظ والإرشاد، أو للإصلاح بين الناس، أو لزيارة العلماء والصالحين، أو لحضور مجالس الذكر وقراءة القرآن. فقد حجّ معه
[ ١ / ١١ ]
مرّات، وزار معه المدينة المنورة مرّات، وسافر معه إلى الطائف وجدّة مرّات. وكان سيّدي الوالد الحبيب علوي المالكي قد أعطاه غرفته الخاصّة التي تسمّى ب (الخلوة) في رباط السليمانية. ثم الخلوة الثانية المطلّة على الحرم من جهة باب السليمانية، والتي كانت تسمّى ب «المدرسة» . ثم خلوة أخرى في مشاريع توسعة الحرم الأولى.
وكان الشيخ عبد الله متفرّغا للعلم والتعليم؛ يعيش مع طلبة العلم ويسكن معهم وينام، فكانت أوقاته كلّها مصروفة للعلم والدرس والتدريس والطلاب.
وكان سيّدي الوالد يقضي أكثر أوقاته التي لا ارتباط فيها بمدرسة أو موعد في هذه الخلوة مع الشيخ عبد الله ومن معه من الطلاب في دروس خاصّة عالية، ومذاكرات وفوائد سامية.
وعناية الوالد السيّد علوي المالكي بالوافدين معلومة وظاهرة للجميع ويعتبرها من وظائفه المهمة التي أوجبها هو على نفسه. يقول فضيلة الأخ الشيخ أحمد جمهوري البنجري- فيما كتب إليّ بخطه-:
قال شيخنا العلّامة المحقق الشيخ إسماعيل «١»: إنه (أي السيد علوي المالكي) علّامة زمانه، فخر أوانه والمقدّم بين أقرانه المتفننين بشتّى فنون المنقول والمعقول، والقائم على هدي جدّه المصطفى الرسول ﷺ- إلى أن قال- وله عليّ وعلى غيري من أهل العلم الوافدين إلى بلد الله الأمين للإقامة به منّة عظمى ونعمة كبرى؛ حيث إنّه يقوم برعاية الغرباء من الطلاب، ويسدي إليهم كلّ جميل، وساعدهم بكلّ ما في وسعه مما يحتاجونه مما يسهّل لهم سبيل الإقامة. فجزاه الله عنا أحسن الجزاء.