الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه عن كعب بن عجرة (الفصل الثاني) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد في (صفة أكله ﷺ) من الأخبار.
والأكل- بفتح الهمزة-: إدخال الطعام الجامد من الفم إلى البطن؛ سواء كان بقصد التغذّي، أو غيره؛ كالتفكّه، وقد تقدّم الكلام على ذلك.
(و) في بيان ما ورد في (إدامه) ﷺ.
والإدام- بكسر الهمزة-: ما يساغ به الخبز، ويصلح به الطعام.
فيشمل الجامد؛ كاللحم. وفي «النهاية»: الإدام- بالكسر-؛ والأدام- بالضم-: ما يؤكل مع الخبز أيّ شيء كان مائعا أو غيره. انتهى.
وكون اللحم إداما!! إنما هو بحسب اللغة، أما بحسب العرف؛ فلا يسمى «إداما»، ولهذا لو حلف (لا يأكل إداما)؛ لم يحنث بأكل اللحم.
أخرج الطبراني في «الأوسط»؛ (عن) أبي محمد- وقيل: أبي عبد الله، وقيل: أبي إسحاق- (كعب بن عجرة) - بضم العين المهملة، وإسكان الجيم، ثم راء مهملة مفتوحة- ابن أميّة بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد- بالتخفيف- البلوي المدني؛ الصحابي الجليل المشهور.
حليف الأنصار- وقال الواقدي: ليس حليفا لهم، وإنما هو من أنفسهم.
وتعقّبه ابن سعد كاتبه؛ بأنّ المشهور أنّه بلوي حالف الأنصاري. ولم نجده في نسب الأنصار-.
[ ٢ / ٨٨ ]
رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى
تأخّر إسلامه، وكان له صنم في بيته، فجاءه صديقه عبادة بن الصامت يوما؛ فلم يجده، فدخل البيت فكسر الصنم بالقدوم، فلما جاء كعب ورآه؛ خرج مغضبا يريد الانتقام من عبادة، ثم فكّر في نفسه؛ فقال: لو كان هذا الصنم ينفع لنفع نفسه. فأسلم. وشهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، وفيه نزل قوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [١٩٦/ البقرة] .
روي له عن النّبيّ ﷺ فيما قيل: سبعة وأربعون حديثا، في «الكتب الستة» وغيرها، منها؛ في «الصحيحين» أربعة؛ اتّفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم باخرين.
روى عنه ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وغيرهم.
سكن الكوفة مدّة، ومات بها. وقيل: مات بالمدينة بعد الخمسين من الهجرة، وله سبع وسبعون سنة. وقيل: خمس وسبعون سنة (رضي الله تعالى عنه.
قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، بالإبهام والّتي تليها) السّبابة (والوسطى) . وهذا بيان للأصابع التي كان يأكل بها، فتفسّر به الروايات المطلقة، التي منها ما رواه الترمذيّ في «الشمائل» من حديث كعب بن مالك:
كان ﵊ يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهنّ.
وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود عنه؛ قال: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. ولذا تورّع بعض السّلف عن الأكل بالملاعق؛ لأن الوارد إنّما هو الأكل بالأصابع.
وفي «الكشاف»: أحضر الرّشيد طعاما فدعا بالملاعق، وعنده أبو يوسف
[ ٢ / ٨٩ ]
ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الإبهام.
فقال: جاء في تفسير جدّك ابن عباس في قوله تعالى. وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [٧٠/ الإسراء]: جعلنا لهم أصابع يأكلون بها. فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه.
وكذلك وقع من بعض الصالحين القريبين من عصرنا؛ فإنّه لمّا عرضت عليه الملاعق حين دخوله مصر؛ وكان أهل مصر إذ ذاك قد دخلت عندهم الحضارة الغربية ردّها؛ ولم يأكل بها، وأنشد قول ابن مالك في «الألفيّة»:
فما لنا إلّا اتّباع أحمدا
وبعضهم أنشد قوله:
وفي اختيار لا يجيء المنفصل إذا تأتّى أن يجيء المتّصل
وهو ظريف جدا.
فيستحب الأكل بالثّلاث فقط؛ إن كفت، وإلّا زاد بقدر الحاجة، لقول عامر بن ربيعة: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويستعين بالرابعة. أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» .
قال ابن العربي: إن شاء أحد أن يأكل بخمس فليأكل، فقد كان ﷺ يتعرّق العظم، وينهش اللحم، ولا يمكن عادة إلّا بالخمس.
قال الحافظ العراقيّ: وفيه نظر، لأنّه يمكن بالثلاث، سلّمنا، لكنه ممسك بكلّها، لا آكل بها، فسلمنا، لكنّ المحلّ محلّ ضرورة لا يدل على عموم الأحوال، فهو كمن لا يمين له؛ يأكل بشماله.
(ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث) المذكورة (قبل أن يمسحها؛) محافظة على بركة الطّعام، فيستحبّ ذلك، كما يستحبّ الاقتصار على الأكل بالثلاث.
ثم بيّن كيفية لعقه؛ فقال: (الوسطى) أي: يلعق أصبعه الوسطى، (ثمّ) يلعق الأصبع (الّتي تليها) وهي: السّبابة، (ثمّ) يلعق (الإبهام) .
[ ٢ / ٩٠ ]
قال الحافظ زين الدّين العراقيّ في «شرح الترمذي»: كأنّ السرّ فيه أنّ الوسطى أكثر تلويثا؛ لأنّها أطول، فيبقى فيها الطّعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما ينزل فيها الطّعام، وهي أقرب إلى الفم حين يرتفع، فزعم أنّ نسبة الأصابع إلى الفم على السواء ساقط.
ووقع في مرسل ابن شهاب الزهريّ؛ عن سعيد بن منصور الخراساني: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدّم من أكله بثلاث، باختلاف الحال، فأكثر الأحوال بالثلاث؛ وبعضها بالخمس. وحمل على ما إذا كان الطّعام مائعا.
وقد جاءت علّة اللّعق مبيّنة في بعض روايات مسلم: بأنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة، هل في الباقي في الإناء؛ أو على الأصابع؟
قال ابن دقيق العيد: وقد يعلّل بأنّ مسحها قبل لعقها فيه زيادة تلويث لما يمسح به، مع الاستغناء عنه بالرّيق!! لكن إذا صحّ الحديث بالتّعليل لم يتعدّ عنه.
قال الحافظ ابن حجر: العلّة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ، فقد يكون للحكم علّتان؛ أو أكثر، والنّصّ على واحدة لا ينفي الزيادة.
قال: وأبدى القاضي عياض علّة أخرى: وهي أنّه لا يتهاون بقليل الطعام.
انتهى.
وفي الحديث ردّ على من كره لعق الأصابع استقذارا؛ ممّن ينسب إلى الرّياسة والإمرة في الدنيا. نعم يحصل ذلك الاستقذار لو فعل اللّعق في أثناء الأكل، لأنّه يعيد أصابعه في الطّعام وعليها أثر ريقه، والمصطفى إنّما كان يلعق بعد الفراغ من الأكل، وبذلك أمر.
وقال الخطّابي: عاب قوم- أفسد عقولهم الترفّه- لعق الأصابع، وزعموا أنّه مستقبح، كأنّهم لم يعلموا أنّ الطعام الذي علق بالأصابع والصّحفة جزء من أجزاء
[ ٢ / ٩١ ]
وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه. وكان ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة، فأبردوه؛ فإنّ الله لم يطعمنا نارا» .
ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا!! وليس في ذلك أكثر من مصّه أصابعه ببطن شفتيه، ولا يشكّ عاقل أنّه لا بأس بذلك، فكيف يزعمون قبحه؟! فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصابعه في فيه؛ فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد: إنّ ذلك قذارة وسوء أدب!!. انتهى.
ولا ريب أنّ من استقذر ما نسب إلى النّبيّ ﷺ سيّىء الأدب يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله تعالى بوجاهة وجهه الكريم: ألايسلك [بنا] غير سبيل سنّته، وأن يديم لنا حلاوة محبّته، بمنّه وكرمه. آمين.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد- قال الهيثمي: فيه راو لم يسمّ، وبقيّة إسناده حسن- عن جويرية رضي الله تعالى عنه- وهو أحد وفد عبد القيس رضي الله تعالى عنهم- قال:
(كان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه) أي:
حدّته وغليانه، لأنّ الحارّ لا بركة فيه، كما جاء مصرّحا به في عدّة أخبار.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة فأبردوه، فإنّ الله لم يطعمنا نارا!») .
روى الطبرانيّ في «الصغير»، و«الأوسط»؛ من حديث بلال بن أبي هريرة عن أبيه: أنّ النّبيّ ﷺ أتي بصحفة تفور، فرفع يده منها- وفي لفظ: فأشرع يده فيها، ثمّ رفع يده عنها- فقال: «إنّ الله لم يطعمنا نارا» . وفي إسناده عبد الله بن يزيد البكري؛ ضعّفه أبو حاتم.
وللطبرانيّ في «الأوسط»؛ من حديث أبي هريرة: «أبردوا الطّعام، فإنّ الطّعام الحارّ غير ذي بركة» وكلاهما ضعيف.
[ ٢ / ٩٢ ]
وكان ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث،
وعند أبي نعيم في «الحلية»؛ من حديث أنس مرفوعا: كان النّبيّ ﷺ يكره الكيّ، والطعام الحارّ، ويقول: عليكم بالبارد؛ فإنّه ذو بركة، ألا وإنّ الحارّ لا بركة فيه»، وكان له مكحلة يكتحل بها عند النّوم ثلاثا ثلاثا.
وروى الدّيلميّ؛ عن ابن عمر مرفوعا: «أبردوا بالطّعام؛ فإنّ الحارّ لا بركة فيه» .
ولأحمد، وأبي نعيم؛ من حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزّبير؛ عن أسماء بنت الصّدّيق؛ أنّها كانت إذا ثرّدت غطّته بشيء حتى يذهب فوره، ثمّ تقول: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو أعظم بركة» - يعني: الطّعام البارد أعظم بركة-.
وقد علمت أنّ في إسناده ابن لهيعة؛ وفيه ضعف، وكذا في أسانيد الأحاديث التي ذكرناها مقال؛ فلا تصلح للحجّية في أنّه لم يأكل طعاما حارّا؛ لضعف مفرداتها.
نعم؛ روى البيهقيّ بسند صحيح؛ عن أبي هريرة قال: أتي النّبيّ ﷺ يوما بطعام سخن؛ فقال: «ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» .
وهو عند ابن ماجه من وجه آخر؛ عن أبي هريرة بلفظ: أتي يوما بطعام سخن فأكل منه، فلمّا فرغ قال: «الحمد لله؛ ما دخل » . وذكره.
ولأحمد بإسناد جيّد، والطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب»؛ من حديث خولة بنت قيس، وقدّمت له حريرة، فوضع يده فيها؛ فوجد حرّها فقبضها. هذا لفظ الطّبراني، والبيهقي، وقال أحمد: فأحرقت أصابعه.
ورواه ابن منده في «معرفة الصحابة»؛ وفيه بعد قوله «فقبضها»: وقال:
«يا خولة لا نصبر على حرّ ولا برد » الحديث.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث):
[ ٢ / ٩٣ ]
وربّما استعان بالرّابعة، ولم يكن يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان.
الإبهام والسّبّابة والوسطى. قال العراقيّ: رواه مسلم؛ من حديث كعب بن مالك. انتهى.
قلت: وكذلك رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل» ولفظهم جميعا: كان يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها. ذكره في «شرح الإحياء»، وقد تقدّم.
(وربّما استعان بالرّابعة) قال العراقيّ: رويناه في «الغيلانيّات»؛ من حديث عامر بن ربيعة، وفيه القاسم بن عبد الله العمري: هالك. وفي «مصنّف ابن أبي شيبة»؛ من رواية الزّهري مرسلا: كان النبيّ ﷺ يأكل بالخمس» . انتهى.
قلت: حديث عامر بن ربيعة رواه أيضا الطبرانيّ في «الكبير»؛ ولفظه: كان يأكل بثلاث أصابع ويستعين بالرّابعة. وأمّا مرسل الزهري! فمحمول على المائع، وذلك لأنّ الاقتصار على الثلاث محلّه إن كفت، وإلّا! فكما في المائع؛ زاد بحسب الحاجة. انتهى شرح «الإحياء» . وقد سبق قريبا الكلام على ذلك بأوسع ممّا هنا.
(ولم يكن) النبي ﷺ (يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان) .
روى الدارقطنيّ في «الأفراد»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ لم يأكل بأصبعين، وقال: «إنّه أكل الشّياطين» . وأخرج أيضا عنه بسند ضعيف:
«لا تأكل بأصبع فإنّه أكل الملوك، ولا تأكل بأصبعين، فإنّه أكل الشّياطين» .
ورواه الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» بلفظ: «لا تأكلوا بهاتين» - وأشار بالإبهام والمشيرة- كلوا بثلاث فإنّها سنّة، ولا تأكلوا بالخمس فإنّها أكلة الأعراب» .
[ ٢ / ٩٤ ]
وكان ﷺ يلعق الصّحفة بأصابعه، ويقول:
«آخر الطّعام أكثر بركة» .
وكان يلعق أصابعه من الطّعام
وروى الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسن الغطريف، وابن النّجار؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الأكل بأصبع أكل الشيطان، وبالأصبعين أكل الجبابرة، وبالثلاث أكل الأنبياء.
وفي «الإحياء»: الأكل بالأصبع من المقت، وبأصبعين من الكبر، وبثلاث من السنّة، وبأربع أو خمس من الشّره.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يلعق) - بفتح العين المهملة- أي: يلحس (الصّحفة) الّتي فيها الطعام (بأصابعه) إذا فرغ من الأكل؛ لا في أثنائه، لأنّه يقذر الطّعام، (ويقول: «آخر الطّعام أكثر بركة») .
قال العراقيّ: روى البيهقيّ في «الشعب»؛ من حديث جابر في حديث قال فيه: ولا يرفع القصعة حتى يلعقها، أو يلعقها؛ فإنّ آخر الطّعام فيه البركة.
ولمسلم؛ من حديث أنس: أمرنا أن نسلت الصّحفة؛ قال: إنّ أحدكم لا يدري في أيّ طعامه يبارك له فيه؟. انتهى.
قلت: وفي بعض روايات مسلم من حديث جابر: فإنّكم لا تدرون في أيّ طعامكم البركة. وأمّا حديث جابر الذي رواه البيهقيّ! فقد رواه أيضا ابن حبّان بلفظ: ولا ترفع الصحفة حتى تلعقها، فإنّ في آخر الطعام البركة.
وروى الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والبغويّ، والدارميّ، وابن أبي خيثمة، وابن السّكن، وابن شاهين، وابن قانع، والدارقطني؛ من حديث نبيشة الخير الهذلي مرفوعا:
«من أكل في قصعة ولحسها استغفرت له» . قال الترمذيّ، والدارقطنيّ:
غريب. وأورده بعضهم: «تستغفر القصعة للاحسها» . انتهى (شرح «الإحياء») .
(وكان يلعق أصابعه من الطّعام) أي: ثلاثا إذا فرغ من الأكل؛ لا في أثنائه،
[ ٢ / ٩٥ ]
حتّى تحمّر. وكان لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» .
لأنّه يقذر الطعام، وتعاف منه نفس الآكلين (حتّى تحمرّ) .
قال العراقيّ: رواه مسلم من حديث كعب بن مالك دون قوله «حتى تحمرّ»؛ فلم أقف له على أصل.
قلت: والمعنى: يبالغ في لعقها، وكأنّه أخذ ذلك من رواية الترمذيّ في «الشمائل»: كان يلعق أصابعه ثلاثا، أي: يلعق كلّ أصبع ثلاث مرات. انتهى شرح «الإحياء» .
(وكان) ﷺ (لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة») .
قال العراقيّ: روى مسلم من حديث كعب بن مالك: أن النّبيّ ﷺ كان لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها. وله من حديث جابر:
فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه تكون البركة!!.
وللبيهقي في «الشعب» من حديثه: «لا يمسح أحدكم يده بالمنديل حتّى يلعق يده، فإنّ الرّجل لا يدري في أيّ طعامه يبارك له» . انتهى.
قلت: روي في هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وأنس بلفظ حديث ابن عباس: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها، أو يلعقها» . رواه كذلك أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه.
وحديث جابر مثله؛ بزيادة: «فإنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة» . رواه كذلك أحمد، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه.
وأمّا حديث أبي هريرة! فلفظه: إذا أكل أحدكم طعاما فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه تكون البركة. رواه كذلك أحمد، ومسلم، والترمذيّ.
ورواه كذلك الطبرانيّ في «الكبير»؛ عن زيد بن ثابت. ورواه كذلك الطبرانيّ في
[ ٢ / ٩٦ ]
وكان ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة.. غسل يديه غسلا جيّدا،
«الأوسط»؛ عن أنس.
قال ابن حجر في «شرح الشمائل»: الأكمل أن يلعق كلّ أصبع ثلاثا متوالية، لاستقلال كلّ؛ فناسب كمال تنظيفها قبل الانتقال إلى البقية، فيبدأ بالوسطى لكونها أكثر تلوّثا، إذ هي أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما ينزل الطّعام، ثمّ بالسّبابة، ثم بالإبهام، لما روى الطبرانيّ في «الأوسط»:
رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى ثمّ التي تليها، ثم الإبهام.
وعند مسلم من حديث جابر، وأنس مرفوعا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، وليمط ما كان بها من أذى، ولا يدعها للشّيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه، لأنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة» .
وفي هذه الأخبار الردّ على من كره اللّعق استقذارا، وقد مرّ كلام الخطّابي المشتمل على تقريع المستقذرين للعق الأصابع، والكلام فيمن استقذر ذلك من حيث هو؛ لا مع نسبته للنّبي ﷺ، وإلّا! خشي عليه الكفر، إذ من استقذر شيئا من أحواله ﷺ مع علمه بنسبته إليه كفر. انتهى شرح «الإحياء» مع حذف منه.
(و) في «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة؛ غسل يديه غسلا جيّدا) . قال العراقيّ: روى أبو يعلى من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف: «من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه» . انتهى.
قلت: ورواه ابن عديّ في «الكامل»؛ بلفظ: «إذا أكل أحدكم طعاما فليغسل يده من وضر اللّحم» وإسناده ضعيف أيضا، وعليه يحمل ما رواه أحمد، والطحاوي، والطبرانيّ، وابن عساكر من حديث سهل بن الحنظليّة رفعه:
«من أكل لحما فليتوضّأ» . أي: فليغسل يده من وضره، أي: زهومته ودسمه.
[ ٢ / ٩٧ ]
ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه اللّحوم شيئا.. فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه» .
وكان أكثر جلوسه ﷺ
وروى النّسائيّ، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما» «١» - وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
دعانا رجل من الأنصار من أهل قباء- يعني النّبيّ ﷺ- فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يده- أو يديه-؛ قال: «الحمد لله الّذي يطعم؛ ولا يطعم» الحديث.
انتهى شرح «الإحياء» .
(ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه) . لم يتكلّم على هذه الجملة في شرح «الإحياء» !!
(و) أخرج أبو يعلى بإسناد ضعيف؛ (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن عمر) بن الخطّاب- وقد تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه اللّحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره) - بفتح الواو والضّاد المعجمة-: وسخ الدّسم واللّبن، يعني: يزيل ذلك بالغسل بالماء أو بغيره؛ لكن بعد لعق أصابعه؛ حيازة لبركة الطعام، كما تقدّم.
(ولا يؤذي من حذاءه) - بكسر الحاء المهملة، وذال معجمة ممدودة- أي:
عنده، من آدمي، أو ملك. فترك غسل اليد من الطّعام الدّسم مكروه، لتأذّي الحافظين به وغيرهم.
(و) في «كشف الغمّة» - ونحوه في «الإحياء» -: (كان أكثر جلوسه ﷺ
_________________
(١) غلّب اسم الصحيحين على صحيح ابن حبّان علما، و«مستدرك» الحاكم إلحاقا.
[ ٢ / ٩٨ ]
للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي، إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم.
وكان ﷺ يقول:
للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي) في حال صلاته، (إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم) .
قال العراقيّ: رواه عبد الرزاق في «المصنف»؛ من رواية أيوب معضلا: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل احتفز؛ وقال: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وروى ابن الضّحّاك في «الشمائل»؛ من حديث أنس- بسند ضعيف-:
كان إذا قعد على الطّعام استوفز على ركبته اليسرى، وأقام اليمنى؛ ثمّ قال:
«إنّما أنا عبد؛ أجلس كما يجلس العبد، وأفعل كما يفعل العبد» .
وروى أبو الشّيخ في «الأخلاق» - بسند جيد-؛ من حديث أبيّ بن كعب: أنّ النّبيّ ﷺ كان يجثو على ركبتيه، وكان لا يتّكئ.
أورده في صفة أكل رسول الله ﷺ، وإنّما فعل ذلك رسول الله ﷺ تواضعا لله تعالى، فالسنّة أن يجلس جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى.
قال ابن القيّم: ويذكر عنه ﷺ: أنّه كان يجلس للأكل متورّكا على ركبتيه، ويضع ظهر اليمنى على بطن قدمه اليسرى؛ تواضعا لله ﷿، وأدبا بين يديه.
قال: وهذه الهيئة أنفع الهيئات للأكل وأفضلها، لأنّ الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه. انتهى شرح «الإحياء» بتصرّف.
(و) في «كشف الغمة» - ونحوه في «الإحياء» -: (كان) رسول الله (ﷺ يقول)؛ كما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال:
خرج علينا رسول الله ﷺ متوكّئا على عصا؛ فقمنا له. فقال: «لا تقوموا كما تقوم
[ ٢ / ٩٩ ]
«إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وعن أبي جحيفة
الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا! (إنّما أنا عبد)، حصر إضافيّ؛ أي: لست بملك، فإن أريد به الرّقيق فهو استعارة، شبّه نفسه تواضعا لله تعالى بالرّقيق؛ فقوله: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد») بيان لوجه الشبه، وإن أريد عبد الله، وكلّ الخلق عبيده؛ الملوك وغيرهم!! فالمراد أنّه متمحّض لهذه العبودية؛ لا يشوبها بشيء من أمور الدنيا، ولا يتخلّق بشيء من أخلاق أهلها؛ في جلوس وأكل وغيرهما، بل كان يجلس على الأرض، ولا يأكل على خوان، ولا يغلق عليه باب، وليس له بوّاب، ويأكل مستوفزا.
وأخرج البزّار من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» . ولأبي يعلى؛ من حديث عائشة: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وإسنادهما ضعيف.
(و) أخرج البخاريّ والترمذيّ (عن أبي جحيفة) - بجيم مضمومة ثمّ حاء مهملة مفتوحة؛ مصغّرا- وهب بن عبد الله، ويقال: وهب بن وهب السّوائي- بضمّ السّين المهملة، وتخفيف الواو، وبالمد- منسوب إلى سواة بن عامر بن صعصعة:
صحابيّ كوفيّ، توفي النّبيّ ﷺ؛ وهو صبي لم يبلغ.
وكان عليّ بن أبي طالب يكرم أبا جحيفة ويسمّيه «وهب الخير»، و«وهب الله»، وكان يحبّه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلّها، ونزل الكوفة؛ وابتنى بها دارا.
روي له عن النّبيّ ﷺ خمسة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّا أنا فلا آكل متّكئا» .
روى عنه ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السّبيعي، وعليّ بن الأقمر، والحكم بن عتيبة- بالمثناة فوقا-.
وكانت وفاته سنة: اثنتين وسبعين؛ (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «أمّا) - هي لتفصيل ما أجمل، ولتأكيد الحكم غالبا، نحو جاء القوم؛ أمّا زيد فراكب، وأمّا عمرو فماش، وقد تجيء لمجرّد التّأكيد.
ذكره الرّضيّ. والثاني هو المراد هنا.
(أنا) قال ابن حجر: خصّص نفسه الشريفة بذلك!! لأنّ من خصائصه كراهته له دون أمّته؛ على ما زعمه ابن القاصّ من أئمّتنا، والأصحّ: كراهته لهم أيضا، فوجه ذلك أنّ قضية كماله ﷺ عدم الاتّكاء في الأكل؛ إذ مقامه الشريف يأباه من كلّ وجه، فامتاز عليهم بذلك. انتهى.
قال في «جمع الوسائل»: والأظهر أن يراد به تعريض غيره من أهل الجاهلية والأعجام؛ بأنّهم يفعلون ذلك إظهارا للعظمة والكبرياء، والافتخار والخيلاء، وأمّا أنا فلا أفعل ذلك، وكذلك من تبعني، قال تعالى قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [١٠٨/ يوسف] . وفيه إشارة خفيّة إلى أنّ امتناعه إنّما هو بالوحي الخفيّ؛ لا الجليّ. انتهى كلام ملّا علي قاري رحمه الله تعالى.
(فلا آكل) - بالمدّ؛ على أنّه متكلم- (متّكئا») - بالهمز- ومعنى المتّكئ:
المائل إلى أحد الشّقين؛ معتمدا عليه وحده.
وحكمة كراهة الأكل متّكئا: أنّه فعل المتكبّرين، المكثرين من الأكل نهمة وشرها، المشغوفين من الاستكثار من الطعام. والكراهة مع الاضطجاع أشدّ منها مع الاتّكاء.
نعم؛ لا بأس بأكل ما يتنقّل به مضطجعا، لما ورد عن عليّ كرم الله وجهه أنّه
[ ٢ / ١٠١ ]
وروى ابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل وهو منبطح على وجهه.
أكل كعكا على برش، وهو منبطح على بطنه.
قال حجّة الإسلام: والعرب قد تفعله. والأكل قاعدا أفضل، ولا يكره قائما بلا حاجة.
واعلم أنّ الاتّكاء أربعة أنواع:
الأوّل: أن يضع جنبه على الأرض مثلا.
الثّاني: أن يتربّع على وطاء ويستوي عليه.
الثالث: أن يضع إحدى يديه على الأرض ويعتمدها.
الرّابع: أن يسند ظهره على وسادة ونحوها.
وكلّها مذمومة حالة الأكل، لكن الثاني لا ينتهي إلى الكراهة، وكذا الرّابع فيما يظهر، بل هما خلاف الأولى، وما صار إليه بعضهم «من أنّ الاستناد من مندوبات الأكل؛ تمسّكا بأنّ المصطفى ﷺ كان يأكل وهو مقع من الجوع، أي: مستند لما وراءه من الضّعف الحاصل له بسبب الجوع» !! عليه منع ظاهر لأنّه لم يفعله إلّا لتلك الضرورة، والكلام في حالة الاختيار.
وما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد: أنّه أكل مرة متّكئا!! فلعلّه لبيان الجواز، أو كان قبل النهي. ويؤيد الثاني ما رواه ابن شاهين عن عطاء: أنّ جبريل رأى المصطفى ﷺ يأكل متّكئا فنهاه.
ومن حكم كراهة الأكل متّكئا: أنّه لا ينحدر الطعام سهلا، ولا يسيغه هيّنا، وربّما تأذّى به. والله أعلم.
(وروى) الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد (ابن ماجه) - بالهاء وصلا ووقفا- لقب يزيد والد أبي عبد الله- وقد مرّت ترجمته؛ رحمه الله تعالى-.
(أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل) - وصف أغلبي- (وهو منبطح)؛ أي: ملقى (على وجهه)، لأنّه مضرّ.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وأخرج ابن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ زجر أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل.
وأمّا إدام رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله،
(وأخرج) الحافظ أبو أحمد عبد الله (بن عديّ) بن عبد الله بن محمّد بن مبارك بن القطان الجرجاني، أحد أئمة الحديث ورجاله.
ولد سنة: - ٢٧٧- سبع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة: - ٣٦٥- خمس وستين وثلثمائة، وعمره: ثمان وثمانون سنة تقريبا.
أخذ عن أكثر من ألف شيخ، وكان يعرف في بلده ب «ابن القطّان»، واشتهر بين علماء الحديث ب «ابن عديّ»، وهو من الأئمة الثقات في الحديث.
له من التّصانيف: «الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة»، وكتاب «علل الحديث»، و«معجم في أسماء شيوخه»، وله «كتاب الانتصار على مختصر المزني» في الفروع الشافعية. رحمه الله تعالى. آمين
(أنّ رسول الله ﷺ زجر) أي: منع (أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل)، وسنده ضعيف.
(وأمّا إدام رسول الله ﷺ؛ فقد كان ﷺ) - كما في «كشف الغمّة» و«الإحياء» - (لا يتورّع عن مطعم حلال)؛ ففي الترمذيّ؛ من حديث أمّ هانىء قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ؛ فقال: «أعندك شيء؟» قلت: لا، إلّا خبز يابس وخلّ، فقال: «هاتي » الحديث.
ولمسلم؛ من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ سأل أهله الأدم!! فقالوا: ما عندنا إلّا خلّ، فدعا به الحديث.
(إن وجد تمرا دون خبز أكله) . روى مسلم، والترمذيّ، من حديث أنس
[ ٢ / ١٠٣ ]
وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ.. أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله،
قال: رأيته مقعيا يأكل تمرا. وروى أبو داود؛ من حديث أنس قال: كان يؤتى بالتمر فيه دود فيفتّشه يخرج السّوس منه.
(وإن وجد لحما مشويّا أكله) روى الترمذيّ في «السنن»؛ وصحّحه، وكذا في «الشمائل»؛ من حديث أمّ سلمة أنّها أخرجت إليه جنبا مشويا؛ فأكل منه
الحديث. وسيأتي في المتن.
(وإن وجد خبز برّ): حنطة (أكله، أو) خبزا (شعيرا أكله) .
روى الشّيخان؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيّام تباعا من خبز برّ، حتى مضى لسبيله. لفظ مسلم، وفي رواية له: ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين.
وللطبراني في «الكبير»؛ من حديث ابن عبّاس: كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة «١»، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وللترمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ من حديث ابن عباس: كان أكثر خبزهم الشعير.
وروى الترمذيّ في «الشمائل»: كان يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة» .
(وإن وجد حلوى) - بالمد والقصر- (أو عسلا أكله) .
روى الشيخان والأربعة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
أنّ رسول الله ﷺ كان يحبّ الحلواء والعسل.
والحلواء: كلّ ما فيه حلاوة، فالعسل تخصيص بعد تعميم.
_________________
(١) ليحلبها.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا.. أكله.
وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد.
وقال الخطابيّ: الحلواء يختصّ بما دخلته الصّنعة.
وقال ابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلو. وقد تطلق على الفاكهة.
وقال الثعالبيّ في «فقه اللغة»: إنّ حلواءه ﷺ التي كان يحبّها هي المجيع، وهي تمر يعجن بلبن.
وقال الخطابيّ: لم تكن محبّته ﷺ للحلواء على معنى كثرة التّشهّي لها، وشدّة نزوع النفس، وإنّما كان ينال منها إذا حضرت نيلا صالحا؛ فيعلم بذلك أنّها تعجبه.
(وإن وجد لبنا دون خبز؟ أكله واكتفى به) . روى الشيخان من حديث ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ شرب لبنا، فدعا بماء فمضمض.
(وإن وجد بطّيخا، أو رطبا أكله) . روى الحاكم؛ من حديث أنس قال:
كان يأكل الرّطب ويلقي النّوى في الطّبق. وروى النّسائي؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يأكل الرّطب بالبطّيخ. وإسناده صحيح.
ولفظ الترمذيّ: كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وهكذا رواه ابن ماجه؛ من حديث سهل بن سعد، والطّبرانيّ؛ من حديث عبد الله بن جعفر.
وزاد أبو داود، والبيهقيّ في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ويقول:
«يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» . وروى الطبرانيّ في «الأوسط»، والحاكم، وأبو نعيم في «الطب»؛ من حديث أنس قال: كان يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطيخ، وكانا أحبّ الفاكهة إليه.
(و) في «كشف الغمّة» و«إحياء علوم الدين»: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل ما حضر) لديه، (ولا يردّ ما وجد) . في كتاب «الشمائل» لأبي الحسن بن
[ ٢ / ١٠٥ ]
وعن زهدم الجرميّ قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟
الضّحّاك بن المقري؛ من رواية الأوزاعيّ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أبالي ما رددتّ به عنّي الجوع» !. وهذا معضل؛ قاله العراقي.
قلت: وقد رواه ابن المبارك في «الزهد»؛ عن الأوزاعيّ، كذلك. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) أخرج الشّيخان، والتّرمذيّ في «الشمائل»، واللفظ له قال: حدّثنا هنّاد، قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن أيّوب عن أبي قلابة.
(عن زهدم) - بفتح الزّاي، وسكون الهاء وفتح الدّال المهملة وآخره ميم؛ بوزن جعفر- (الجرميّ) - بالجيم المفتوحة والرّاء السّاكنة-؛ نسبة لقبيلة جرم كفلس.
أبو مسلم البصريّ، ثقة من الثالثة، خرّج له البخاريّ وغيره.
(قال:) أي: زهدم الجرميّ: (كنّا عند أبي موسى الأشعريّ)؛ نسبة إلى «أشعر» قبيلة باليمن، واسمه عبد الله بن قيس- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه) .
وهذا يدلّ على مشروعية اجتماع القوم عند صديقهم.
(فأتي) - بصيغة المجهول- أي: جيء (بلحم دجاج)، أي: فأتاه خادمه بطعام فيه لحم دجاج، وهو اسم جنس مثلّث الدّال، واحده دجاجة؛ مثلّثة الدال أيضا، سمّي به لإسراعه من دجّ يدجّ؛ إذا أسرع.
(فتنحّى)؛ أي: تباعد (رجل من القوم) عن الأكل، بمعنى أنّه لم يتقدّم له، وهذا الرّجل من بني تيم الله أحمر، كأنّه من الموالي!! أي: العجم.
(فقال) أي أبو موسى (: ما لك) تنحّيت؟! فهو استفهام متضمّن للإنكار. أي:
أيّ شيء باعث لك على ما فعلت من التنحي؟! أو أيّ شيء مانع لك من التّقدّم؟!.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت ألاآكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج.
وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطعام أن يسأل عن سبب امتناع من حضره من الأكل.
(فقال) أي الرّجل لأبي موسى (: إنّي رأيتها)، أي: أبصرت الدّجاجة حال كونها (تأكل شيئا) أي: قذرا. وأبهمه لئلّا يعاف الحاضرون أكله عند التصريح به. زاد في بعض الروايات: فقذرتها، أي: كرهتها نفسي، (فحلفت) - بفتح اللّام- أي: أقسمت (ألاآكلها)، ولعلّ حلفه لئلّا يكلّفه أحد أكله فيعذره بالحلف. (قال:) أي: أبو موسى للرّجل:
(ادن)؛ أي: اقرب؛ من الدّنوّ وهو القرب. وأمره بالقرب ليأكل من الدّجاج؛ (فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج) . بيّن له أبو موسى أنّ ظنّه ليس في محله؛ لما رأى من أكل رسول الله ﷺ لها، فينبغي أن يأكل هذا الرّجل منها؛ اقتداء بالمصطفى ﷺ ويكفّر عن يمينه، فإنّه خير له من بقائه على يمينه، لخبر: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» .
وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطّعام أن يسعى في حنث من حلف على ترك شيء لأمر غير مكروه شرعا، إلّا إذا كان الحلف بالطلاق، فلا ينبغي له أن يسعى في حنثه فيه، وكذا لو حلف بالعتق؛ وهو محتاج لقنّه، لنحو خدمة أو منصب.
ويؤخذ منه جواز أكل الدّجاج، وهو إجماع، إلا ما شذّ به بعض المتعمّقين على سبيل الورع، لكن استثنى بعضهم الجلّالة؛ فتحرم أو تكره- على الخلاف المشهور فيها-.
وما ورد من أنّه ﷺ كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أيّاما؛ ثمّ يأكلها بعد ذلك!! إنّما هو في الجلّالة، فكان يقصرها حتّى يذهب اسم الجلّالة عنها.
قال ابن القيّم: ولحم الدّجاج حارّ رطب، خفيف على المعدة، سريع
[ ٢ / ١٠٧ ]
وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جدّه سفينة مولى رسول الله ﷺ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى.
الهضم، جيد الخلط، يزيد في الدّماغ والمنيّ، ويصفّي الصّوت، ويحسّن اللّون، ويقوّي العقل.
وما قيل من أنّ المداومة عليه تورث النّقرس- بكسر النّون والرّاء بينهما قاف ساكنة، وآخره سين مهملة-؛ وهو: ورم يحدث في مفاصل القدمين!! لم يثبت.
ولحم الدّيوك أسخن مزاجا، وأقلّ رطوبة. انتهى «باجوري رحمه الله تعالى» .
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع»، واستغربه وفي «الشمائل» - واللّفظ لها- قال: حدّثنا الفضل بن سهل الأعرج البغدادي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مهدي؛ (عن إبراهيم بن عمر بن سفينة) «مولى أمّ سلمة»، صدوق من الثالثة، خرّج له أبو داود.
قال الترمذيّ في «الجامع»: هذا حديث غريب لا يعرف إلّا من هذا الوجه، وإبراهيم روى عنه ابن أبي فديك، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو الحجّاج النّضر بن طاهر البصريّ.
(عن أبيه)؛ أي: عمر بن سفينة (عن جدّه)؛ أي: (سفينة مولى رسول الله ﷺ)، يكنّى أبا عبد الرحمن، ويقال: كان اسمه «مهران» أو غيره.
ولقّب «سفينة» ! لكونه حمل شيئا كثيرا في سفر.
مات بعد السبعين، خرّج له مسلم، والأربعة.
(قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى) - بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، وفتح الرّاء، وفي آخره ألف تأنيث-: طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللون، شديد الطيران، ويسمّى عند بعض أهل اليمن «اللوام»، ولحمه بين لحم الدّجاج والبطّ.
[ ٢ / ١٠٨ ]
و(الحبارى): طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطّيران.
وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج
قال ابن القيّم: لحم الحبارى حارّ، يابس، بطيء الانهضام، نافع لأصحاب الرياضة والتعب.
وهذا الحديث يدلّ على جواز أكل الحبارى، وبه صرّح أصحابنا الشافعيّة.
وفي ذلك الحديث وغيره ردّ على من حرّم أكل اللّحم من الفرق الزائغة.
ولم يذكر المصنّف- كالتّرمذيّ- في الحبارى غير حديث سفينة هذا!!
وفيه عن أنس- رواه ابن عديّ في «الكامل» - قال: أتي رسول الله ﷺ بطير حبارى؛ فقال: «اللهمّ ائتني برجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، فإذا عليّ يقرع الباب» . فقال أنس رضي الله تعالى عنه: رسول الله مشغول. ثمّ أتى الثّانية؛ فقال: رسول الله مشغول. ثمّ أتى الثالثة؛ فقال: «يا أنس؛ أدخله فقد عنيته» . انتهى. ذكره المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقيّ رحمهم الله تعالى.
(والحبارى)؛ كسمانى ألفها للتّأنيث؛ يقال له في بعض بلدان اليمن «اللوام» وصفته أنه (طائر طويل العنق؛ في منقاره) بعض (طول)، وهو (رماديّ اللّون) أي: على لون الرّماد؛ (شديد الطّيران)، واسمه يقع على الذكر والأنثى؛ والواحد والجمع.
وهو من أكثر الطّير حيلة في تحصيل الرّزق، ومع ذلك يموت جوعا بهذا السبب!! وقيل: يوجد في بطنه حجر إذا علق على شخص لم يحتلم ما دام عليه، وقيل: يضرب به المثل في الحمق، ويقال «كلّ شيء يحبّ ولده؛ حتّى الحبارى» . وولدها يقال له «النّهار»، وفرخ الكروان «اللّيل» . قال الشاعر:
ونهارا رأيت منتصف اللّي ل وليلا رأيت نصف النّهار
(و) في «كشف الغمّة»: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل لحم الدّجاج) .
[ ٢ / ١٠٩ ]
والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله.
وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» .
رواه الشيخان والترمذيّ، وغيرهم؛ عن أبي موسى الأشعريّ في حديث طويل قد تقدّم.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: كان يأكل لحم (الطّير الّذي يصاد) .
قال العراقيّ: روى التّرمذيّ من حديث الحسن؛ قال: كان عند النّبيّ ﷺ طير، فقال: «اللهمّ؛ ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطّير» . فجاء عليّ فأكل معه. قال: حديث غريب. انتهى «شرح الإحياء» .
(وكان لا يشتريه)، وفي «الإحياء»: لا يتبعه، (ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له فيؤتى به فيأكله) .
قال العراقيّ: هذا هو الظّاهر من أحواله، فقد قال: «من اتّبع الصّيد غفل» .
رواه أبو داود، والترمذيّ، والنّسائيّ؛ من حديث ابن عباس، وقال الترمذيّ:
حسن غريب.
وأمّا حديث صفوان بن أميّة عند الطبرانيّ: «قد كانت قبلي لله رسل كلّهم يصطاد» أو: «يطلب الصّيد» !! فهو ضعيف جدا. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها): «يا عائشة؛ (إذا طبختم قدرا) أي: طعاما في قدر- بكسر القاف وسكون الدال المهملة؛ مؤنّثة-: آنية يطبخ فيها (فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها) أي: الدّبّاء (تشدّ قلب الحزين») .
[ ٢ / ١١٠ ]
وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع.
وكان يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» .
قال العراقيّ: رويناه في «فوائد» أبي بكر الشافعي من حديثها، ولا يصحّ؛ قاله في شرح «الإحياء» . قال الزرقاني على «المواهب»: ولأحمد وغيره:
أنّه ﷺ قال لعائشة: «إذا طبخت قدرا فأكثري فيها من الدّبّاء، فإنّها تشدّ قلب الحزين» . انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد) - بفتح المثلّثة وكسر الرّاء؛ فعيل، بمعنى مفعول، ويقال أيضا: مثرود- وهو:
أن يثرد؛ أي: يفتّ ثمّ يبلّ بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم، أو يفتّ ثمّ يبلّ بأي مرق كان. وهو ظاهر «القاموس»، و«المصباح» .
(باللّحم والقرع) . رواه مسلم من حديث أنس.
وروى أبو داود، والحاكم وصحّحه؛ من حديث ابن عبّاس: كان أحبّ الطّعام إليه الثّريد من الخبز، والثّريد في الحيس.
(وكان) ﷺ (يحبّ القرع) - بسكون الراء وفتحها؛ لغتان- وهو: الدّبّاء، (ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس») على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام.
قال العراقيّ: روى النّسائيّ، وابن ماجه؛ من حديث أنس: كان النبيّ ﷺ يحبّ القرع. وقال النّسائيّ: الدّباء. وهو عند مسلم بلفظ: يعجبه الدّبّاء. وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة في قصة يونس فلفظته في أصل شجرة وهي الدباء. انتهى.
قلت: وروى الترمذيّ في «الشمائل»؛ من حديث أنس: كان يتتبّع الدّبّاء من حوالي القصعة. وعند أحمد؛ كما عند مسلم: كان يعجبه القرع.
وقوله تعالى وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) [الصافات] !! قالوا: هي الدّبّاء. انتهى شرح «الإحياء» .
[ ٢ / ١١١ ]
وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟
فقال: «نكثّر به طعامنا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا
وسيأتي الكلام على حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه) صحابيّ مقلّ. روى له النّسائيّ، وابن ماجه. وعنه ابنه حكم.
قال الترمذيّ: ولا نعرف له إلّا هذا الحديث؛ (قال:
دخلت على النّبيّ ﷺ) أي: في بيته، (فرأيت عنده دبّاء يقطّع) - بكسر الطّاء المهملة؛ بصيغة المعلوم، كما هو كذلك في أكثر الأصول من «الشمائل»، وفي بعض النّسخ [يقطّع] بصيغة المجهول، فيكون بفتح الطّاء المهملة!! وعلى كلّ؛ فهو بضمّ الياء وفتح القاف مع تشديد الطّاء؛ من التّقطيع، وهو جعل الشيء قطعا-.
(فقلت: ما هذا؟!) أي: ما فائدة هذا التقطيع؟!! فليس المراد السّؤال عن حقيقته، وإن كان هو الأصل في «ما» !! لأنّه لا يجهل حقيقته،
(فقال: «نكثّر) - بنون مضمومة وكاف مفتوحة ومثلّثة مشدّدة مكسورة؛- من التّكثير، ويجوز أن يكون: بسكون الكاف وتخفيف المثلّثة؛ من الإكثار، لكن الأصول على الأوّل- (به) أي: بالتّقطيع (طعامنا») .
وهذا يدلّ على أنّ الاعتناء بأمر الطّبخ لا ينافي الزّهد والتّوكل؛ بل يلائم الاقتصاد في المعيشة، المؤدّي إلى القناعة.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما- واللّفظ ل «الشمائل» -
(عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: إنّ خيّاطا) لا يعرف له اسم، لكن في
[ ٢ / ١١٢ ]
دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه.
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد. قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة،
رواية: أنّه مولى للمصطفى ﷺ (دعا رسول الله ﷺ لطعام)؛ قيل: كان ثريدا (صنعه؛
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام)؛ تبعا له ﷺ لكونه خادما، أو بطلب مخصوص، (فقرّب) - بتشديد الرّاء المفتوحة؛ مبنيّ للفاعل- أي: فقدّم الخيّاط (إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا) - بفتحتين- (فيه دبّاء)، - بضم الدّال وتشديد الموحدة وبالمد ويقصر-: القرع، الواحدة دبّاءة، (وقديد) أي: لحم مملوح مجفّف في الشمس؛ فعيل بمعنى مفعول. وفي «السنن»؛ عن رجل: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة؛ ونحن مسافرون، فقال:
«أملح لحمها» . فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
(قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع)؛ أي يتطلّب (الدّبّاء حوالي) - بفتح اللّام وسكون التّحتيّة؛ مفرد مثنّى الصورة- أي: جوانب.
وفي «الصحيح»: من حوالي (القصعة) - بفتح القاف في الأشهر الأكثر- وهي: إناء يشبع منه عشرة، وأمّا الصّحفة: فهي الّتي تشبع الخمسة.
ومن اللّطائف: لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة.
ثمّ تتبّعه من جوانبها؛ إمّا بالنّسبة لجانب؛ دون بقية الجوانب، بدليل أنّ أنس بن مالك كان يقرّبه إلى جهته ﵊، أو مطلقا.
ولا ينافيه النّهي عن ذلك!! لأنه للتّقذر والإيذاء، وهو منتف فيه ﷺ؛ لأنّهم كانوا يودّون ذلك منه، لتبرّكهم باثاره ﷺ، حتى أنّ نحو بصاقه، ومخاطه كانوا يدلكون به وجوههم، ويشربون بوله ودمه؛ فلا تناقض بين هذا وحديث: «كل
[ ٢ / ١١٣ ]
فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.
قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ) .
ممّا يليك» .
على أنّ محلّ كراهة الأكل من غير ما يلي الآكل؛ إذا اتّحد لون ما في الإناء، لا إن اختلف كما هنا، فإنّ الإناء فيه قديد، ودبّاء، ومرق.
قال أنس رضي الله تعالى عنه: (فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ)، أي: من يوم إذ رأيت النّبيّ ﷺ يتتبّعه. وللترمذيّ من حديث طالوت الشامي: دخلت على أنس رضي الله تعالى عنه؛ وهو يأكل قرعا، وهو يقول: يا لك شجرة، ما أحبّك إليّ بحبّ رسول الله ﷺ إيّاك.
(قال) العلّامة الإمام وليّ الله تعالى محيي الدّين يحيى (النّوويّ) رحمه الله تعالى:
(فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء)، أي: يسعى في الأسباب المحصّلة إلى محبّتها، (وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ)؛ لأنّ من خالص الإيمان حبّ ما كان يحبّه، واتّباع ما كان يفعله، ألا ترى إلى قول أنس: «فلم أزل أحبّ الدّبّاء » إلى آخره!!.
ولا شكّ أنّ محبّة المصطفى ﷺ مؤدّية إلى محبّة ما كان يحبّه، حتى من مأكول ومشروب وملبوس؛ فيسنّ محبّة الدّبّاء لمحبّته ﷺ له، وقد قال: «عليكم بالقرع؛ فإنّه يزيد في الدّماغ» . رواه الطبرانيّ؛ عن واثلة.
وللبيهقي: «فإنّه يزيد في العقل ويكبّر الدّماغ» . وروى الإمام أحمد؛ عن أنس: أنّ القرع كان أحبّ الطعام إلى رسول الله ﷺ. ولعلّه لما فيه من الرّطوبة في البدن.
وفي الحديث أنّه يسنّ إجابة الدّعوة؛ وإن قلّ الطعام، أو كان المدعوّ شريفا
[ ٢ / ١١٤ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل.
والدّاعي دونه، وأنّ كسب الخيّاط ليس بخبيث، ومحبّة ما يحبّه المصطفى ومؤاكلة الخادم، وجواز أكل الشّريف طعام من دون؛ من محترف وغيره، ومزيد تواضع المصطفى ﷺ، وملاطفة أصحابه وجبر خواطرهم، وتعاهدهم بالمجيء لمنازلهم.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأصحاب «السنن الأربعة»، و«الشمائل»
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء) - بالمدّ على الأشهر فتكتب بالألف، وتقصر؛ فتكتب بالياء، وهي مؤنثة- قال الأزهري، وابن سيده: اسم طعام عولج بحلاوة، لكنّ المراد هنا- كما قال النووي-: كلّ حلو؛ وإن لم تدخله صنعة، وقد تطلق على الفاكهة.
(والعسل) النّحل، عطف خاصّ على عام لشرفه، كقوله تعالى وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [٩٨/ البقرة]، فما خلق لنا في معناه أفضل منه، ولا مثله، ولا قريبا منه، إذ هو غذاء من الأغذية، شراب من الأشربة، دواء من الأدوية، حلو من الحلواء، طلاء من الأطلية، مفرح من المفرحات؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
وحبّه ﷺ لذلك لم يكن للتّشهي، وشدّة نزوع النّفس له، وتأّنّق الصّنعة في اتّخاذها كفعل أهل التّرفّه المترفين الآن؛ بل معناه أنّه إذا قدّم له نال منه نيلا صالحا، فيعلم منه أنّه أعجبه.
وفيه حلّ اتّخاذ الحلاوات والطّيّبات من الرّزق، وأنّه لا ينافي الزهد، وردّ على من كره من الحلواء ما كان مصنوعا. كيف؛ وفي «فقه اللّغة»: أنّ حلواه التي كان يحبّها المجيع- كعظيم-: تمر يعجن بلبن.
وفيه ردّ على من زعم: «أنّ حلواه أنّه كان يشرب كلّ يوم قدح عسل بماء،
[ ٢ / ١١٥ ]
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. العسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. اللّبن.
وأنّ الحلواء المصنوعة لا يعرفها» .
ولم يصحّ أنّه رأى السّكّر. وخبر: «أنّه حضر ملاك أنصاري وفيه سكر» !!.
قال السّهيلي: غير ثابت. وشنّع على من احتجّ به؛ كالطحاوي، لعدم كراهة النّثار.
وأوّل من خبص في الإسلام عثمان؛ خلط بين دقيق وعسل وعصره على النّار حتّى نضج، أو كاد، وبعث به إلى المصطفى ﷺ فاستطابه. رواه الطبرانيّ، وغيره، وسيأتي.
(و) أخرج ابن السّنّي، وأبو نعيم: كلاهما في «الطبّ النبويّ»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان أحبّ الشّراب)؛ أي: المشروب (إلى رسول الله ﷺ العسل)؛ أي: الممزوج بالماء، كما قيّده به في رواية أخرى.
وفيه من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي لمعرفته إلّا فضلاء الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع فضلاتها، ويفتح سددها، ويسخّنها باعتدال، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة.
وإنّما يضر بالعرض؛ لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء، فربّما هيّجها!! ودفع ضرره لهم بالخل.
(و) أخرج أبو نعيم في «الطب»، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وهو حديث حسن لغيره؛ كما في العزيزي- قال:
(كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ اللّبن)؛ لكثرة منافعه، ولكونه لا يقوم مقام الطّعام غيره، لتركّبه من الجبنيّة والسّمنيّة والمائيّة، فالجبنيّة باردة رطبة؛ مغذّية للبدن. والسّمنيّة معتدلة الحرارة والرطوبة؛ ملائمة للبدن الإنسانيّ الصحيح، كثيرة المنافع. والمائيّة حارّة رطبة؛ مطلقة للطبيعة، مرطّبة للبدن،
[ ٢ / ١١٦ ]
وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» . وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد.
وليس شيء من المائعات كذلك، كما قال ﵊: «ليس شيء يجزىء من الطّعام والشّراب إلّا اللّبن» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
لكن ينبغي ألايفرط في استعماله، لأنّه رديء للمحموم والمصروع، وإدامته تؤذي الدّماغ، وتحدث ظلمة البصر، والغشي، ووجع المفاصل، وسدد الكبد، ونفخ المعدة، ويدفع ضرره إضافة العسل أو السّكر إليه.
قال في «العارضة»: العسل واللّبن مشروبان عظيمان، سيما لبن الإبل «١»، فإنّه أجود الألبان، فإنّها تأكل من كلّ الشجر، وكذا النّحل لا تبقي نورا إلّا أكلت منه، فهما مركّبان من أشجار مختلفة، وأنواع من النّبات متباينة، فكأنّهما شرابان مطبوخان مصعّدان؛ لو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يركّبوا شيئين منهما ما أمكن؛ فسبحان جامعهما!!.
واللّبن أفضل من العسل؛ على ما قاله السبكيّ، وقال غيره: العسل أفضل، وجمع بأنّ اللّبن أفضل من جهة التّغذّي والرّي، والعسل أفضل من حيث عموم المنافع؛ كالشفاء للناس والحلاوة.
ثمّ قضيّة حديث ابن عباس: «ليس يجزىء من الطّعام والشّراب إلّا اللّبن»: أنّ اللّبن أفضل من اللّحم!! ويعارضه ما ورد: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» .
وهذه الثلاثة- أعني الحلواء والعسل واللّحم- من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلّا من به علّة وآفة.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا شرب اللّبن؛ قال: «إنّ له دسما» .
و) في «المواهب»: (كان) رسول الله (ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة) أخرى (مشوبا) مخلوطا (بالماء البارد) .
_________________
(١) لعلها: البقر والله أعلم.
[ ٢ / ١١٧ ]
وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» .
وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن، ويسمّيهما:
«الأطيبين» .
ولا يرد أنّ اللّبن بارد؛ لأنّ اللّبن عند الحلب فيه حرارة بالنّسبة لما بعد الحلب بمدة، وتلك البلاد الحجازيّة في الغالب حارّة، فكان يكسر حرّ اللّبن النّسبيّ بالماء البارد على عادته في التعديل، وكان إذا شرب منه؛ قال: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه»، بخلاف غيره؛ فيقول: «وأبدلنا خيرا منه» .
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- قال العزيزيّ: وهو حديث صحيح- (كان) رسول الله (ﷺ إذا أتي بلبن؛ قال «بركة»)، أي: هو بركة، يعني شربه زيادة في الخير.
(و) أخرج الإمام أحمد- بإسناد قويّ- عن بعض الصّحابة قال:
(كان) رسول الله (ﷺ [يتمجّع] التّمر باللّبن، ويسمّيهما: «الأطيبين»)؛ لأنّهما أطيب ما يؤكل. وفي رواية الإمام أحمد عن أبي خالد: دخلت على رجل وهو يتمجّع لبنا بتمر، فقال: ادن فإنّ رسول الله ﷺ سمّاهما «الأطيبين» . ورجاله ثقات، وإبهام الصحابيّ لا يضرّ «١» .
قال في «شرح الإحياء»: المجيع- كأمير-: تمر يعجن بلبن. وقد جاء ذكره في «فقه اللّغة» للثّعالبيّ، وأنّه ﷺ كان يحبّه، وتقدم.
قال المجد: تمجّع: أكل التّمر اليابس باللّبن معا، أو أكل التّمر وشرب عليه اللّبن.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يسمّي التّمر واللّبن: «الأطيبين» . رواه الحاكم وصحّحه، وردّه الذهبيّ بأن طلحة بن زيد
_________________
(١) لأن جميعهم ثقات عدول ﵃ أجمعين.
[ ٢ / ١١٨ ]
وأكل ﷺ التّمر بالزّبد، وكان يحبّه.
وفي «الإحياء»: أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» .
- روايه عن هشام عن عروة عنها- ضعيف. انتهى «زرقاني» .
(و) في «المواهب»: (أكل ﷺ التّمر بالزّبد) - بالضم فسكون-:
ما يستخرج بالخضّ؛ من لبن البقر والغنم، أمّا المستخرج من لبن الإبل! فلا يسمى زبدا، بل يقال «حباب»؛ «حبابي» .
(وكان يحبّه)، يعني الجمع بينهما في الأكل، لأنّ الزّبد حارّ رطب، والتّمر يابس، ففيه إصلاح كلّ بالآخر.
أخرج أبو داود، وابن ماجه- بإسناد حسن؛ كما قال بعض الحفّاظ- عن عبد الله، وعطيّة «ابني بسر المازنيّ»؛ قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ، فقدّمنا له زبدا وتمرا، وكان يحبّ الزّبد والتمر. وفيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها معا، وجواز أكل طعامين معا، والتوسّع في المطاعم.
وما روي عن السّلف من خلافه!! محمول على الكراهة في التّوسّع، والترفّه، والإكثار؛ لغير مصلحة دينيّة.
قال القرطبيّ: ويؤخذ منه مراعاة صفة الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللّائق على قاعدة الطبّ. انتهى «زرقاني» .
(وفي «الإحياء»): يروى (أنّه) ﷺ (جاء) هـ (عثمان بن عفّان)، ذو النّورين؛ أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وثالث الخلفاء الراشدين. وتقدّمت ترجمته.
(رضي الله تعالى عنه؛ بفالوذج): وهو اسم أعجميّ لنوع من الحلوى، (فأكل منه؛ وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟») . قال ابن عبد البرّ: يكنى أبا عبد الله، وأبا عمرو؛ كنيتان مشهورتان، وأبو عمرو أشهرهما؛
[ ٢ / ١١٩ ]
قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب» .
قيل: إنّه ولدت له رقيّة بنت النبيّ ﷺ ابنا؛ فسماه عبد الله، واكتنى به ومات.
ثمّ ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات. قال: وقد قيل: إنّه كان يكنى أبا ليلى.
(قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة) - بالضمّ-: قدر من فخّار، والجمع برم، كغرفة وغرف. (ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة)؛ أي: لبابها (إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه) أي: نحرّكه بالسّوط (حتّى ينضج)؛ أي: يستوي، (فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب») .
قال العراقيّ: المعروف أنّ الّذي صنعه عثمان: الخبيص.
رواه البيهقيّ في «الشّعب» من حديث ليث بن أبي سليم؛ قال: أوّل من خبص الخبيص عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدّقيق والعسل، فخلط بينها، وبعث إلى رسول الله ﷺ، فأكل فاستطابه. وقال العراقيّ: هذا منقطع.
وروى الطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب» من حديث عبد الله بن سلام: أقبل عثمان ومعه راحلة، وعليها غرارتان. وفيه: فإذا دقيق وسمن وعسل. وفيه: ثمّ قال لأصحابه: كلوا هذا الّذي تسمّيه فارس «الخبيص» .
وأمّا خبر الفالوذج!! فرواه ابن ماجه- بإسناد ضعيف- من حديث ابن عبّاس قال: أوّل ما سمعنا بالفالوذج: أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أمّتك تفتح عليهم الأرض، ويفاض عليهم من الدنيا، حتّى أنّهم ليأكلون الفالوذج.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه آخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص.
قال النّبيّ ﷺ: «وما الفالوذج؟!» . قال: يخلطون السّمن والعسل جميعا.
قال ابن الجوزي في «الموضوعات»: هذا حديث باطل لا أصل له. انتهى كلام العراقيّ نقله في «شرح الإحياء» ثمّ قال: قلت: أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا؛ قال: حدّثني إبراهيم بن سعد الجوهري؛ قال: حدّثنا أبو اليمان عن إسماعيل بن عيّاش؛ عن محمد بن طلحة عن عثمان بن يحيى عن ابن عبّاس فذكره.
وفي رواية أخرى بزيادة: فشهق النّبيّ ﷺ شهقة. قال: وهذا حديث باطل لا أصل له. ومحمد بن طلحة: قد ضعّفه يحيى بن معين، وعثمان بن يحيى الحضرميّ. قال الأزديّ: لا يكتب حديثه عن ابن عباس. وقال النّسائيّ:
إسماعيل بن عيّاش ضعيف.
قلت: وهذا القدر الّذي ذكره لا يوجب أن يكون الحديث باطلا؛ لا أصل له.
كيف؛ وقد أخرجه ابن ماجه؟! وغاية ما يقال: إن إسماعيل بن عيّاش إذا روى عن غير الشّاميّين فلا يحتجّ بحديثه، وفرق بين أن يقال: ضعيف؛ وأن يقال:
باطل. والعجب من الحافظ العراقيّ كيف سكت عن التّعقّب عليه؟!. انتهى.
(وذكر هذه القصّة) القسطلّانيّ (في «المواهب»؛
عن عبد الله بن سلام)، بالتّخفيف- الإسرائيليّ أبي يوسف،
حليف بني الخزرج. قيل: كان اسمه الحصين، فسمّاه النّبيّ ﷺ عبد الله،
وهو صحابي جليل مشهور، مبشّر بالجنة، له أحاديث. مات بالمدينة المنوّرة سنة: - ٤٣- ثلاث وأربعين، رضي الله تعالى عنه (بوجه آخر) فيه مخالفة لما ساقه في «الإحياء»؛ (مع تسمية هذا الطّعام) المتّخذ من العسل والدقيق والسّمن (الخبيص) !! أي: الخليط، فعيل بمعنى مفعول، من الخبص بمعنى الخلط يقال: خبصت الشّيء خبصا- من باب ضرب-: خلطته.
[ ٢ / ١٢١ ]
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم،
قال في «المواهب»: وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان رضي الله تعالى عنه، عليه دقيق حوّارى وسمن وعسل، فأتى بها النّبيّ ﷺ، فدعا فيها بالبركة، ثمّ دعا ﷺ ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن، ثمّ عصد حتى نضج؛ أو كاد ينضج، ثمّ أنزل، فقال النّبيّ ﷺ: «كلوا؛ هذا شيء تسمّيه فارس: الخبيص» .
قال المحبّ الطبريّ: خرّجه تمّام في «فوائده»، والطبرانيّ في «معاجيمه»، ورجاله ثقات. وفي الشّاميّ: رجال «الأوسط» و«الصغير» ثقات، وقد أخرجه الحاكم وصحّحه، وبقيّ بن مخلد. انتهى.
ومقتضى هذا الحديث أنّ أوّل من خبص في الإسلام النّبيّ ﷺ، فيخالف ما ذكره في «شرح الإحياء» وغيره: أنّ أوّل من خبص عثمان بن عفان.
ويحتمل أنّ نسبته إلى عثمان؛ لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه.
لكن روى الحارث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسّمن والبرّ، وأتى به في قصعة إلى النّبيّ ﷺ، فقال: «ما هذا؟» . قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم، تسمّيه الخبيص. فأكل.
ويمكن الجمع أيضا بتكرّر ذلك، فيكون عثمان فعله أوّلا بنفسه، ثمّ عرضه على المصطفى فأمر بأن يصنع له منه ففعل. والله أعلم. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج أبو الشّيخ ابن حيّان؛ من رواية ابن سمعان «١» قال: سمعت علماءنا «٢» يقولون: (كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم) .
_________________
(١) هو محمد بن أبي يحيى وهو سمعان الأسلمي المدني صدوق من الخامسة. مات سنة ١٤٧؛ كما في «التقريب» . وليس هو أبا منصور السمعاني محمد بن محمد بن سمعان بكسر السين المذكور في «التبصرة» . «هامش الأصل» .
(٢) يعني التابعين. «هامش الأصل» .
[ ٢ / ١٢٢ ]
ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة،
وللتّرمذي في «الشمائل»؛ من حديث جابر: أتانا النّبيّ ﷺ في منزلنا، فذبحنا له شاة، فقال: «كأنّهم علموا أنّا نحبّ اللّحم» !. وإسناده صحيح.
وفي حديث قصة جابر في الخندق؛ وهي طويلة: (ويقول: «إنّه)؛ أي:
اللحم (يزيد في السّمع) .
قال الإمام الشافعيّ: إنّ أكله يزيد في العقل. وقال الإمام الزهريّ: أكل اللحم يزيد سبعين قوة، ولكن ينبغي ألايواظب على أكله؛ كما قال الغزاليّ، لما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه: إنّه يصفّي اللّون، ويحسّن الخلق، ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه» .
وقال ابن القيّم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللّحم؛ فإنّه يورث الأمراض الدّمويّة والامتلائيّة، والحمّيّات الحادّة.
وقال بقراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. انتهى «زرقاني» .
(وهو سيّد) أي: أفضل، إذ السّيّد الأفضل، كخبر: «قوموا إلى سيّدكم» أي: أفضلكم (الطّعام في الدّنيا والآخرة) .
ولابن ماجه؛ من حديث أبي الدرداء- بإسناد ضعيف لا موضوع؛ كما زعم ابن الجوزي! -: «سيّد طعام أهل الدّنيا وأهل الجنّة اللّحم» .
وروى أبو نعيم في «الطب»؛ من حديث عليّ: «سيّد طعام الدّنيا اللّحم، ثمّ الأرزّ. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» أيضا..
وروى الدّيلميّ؛ عن صهيب رفعه: «سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة اللّحم، ثمّ الأرزّ، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء» .
وعن بريدة مرفوعا: «سيّد الإدام في الدّنيا والآخرة اللّحم، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء، وسيّد الرّياحين في الدّنيا والآخرة الفاغية» .
[ ٢ / ١٢٣ ]
ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» .
وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة
رواه الطّبرانيّ وغيره، ورواه أبو نعيم في «الطب» بلفظ «خير» .
وعن ربيعة بن كعب رفعه: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» .
رواه العقيلي، وأبو نعيم في «الحلية» . وكلّها ضعيفة، لكن بانضمامها تقوى، كما أشار إليه السّخاوي رحمه الله تعالى.
(ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم لفعل»)، لكنّي لم أسأله، ولذا كان لا يأكل اللّحم إلّا غبّا. كما رواه الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» .
(و) أخرج الترمذيّ (عن عطاء بن يسار) الهلاليّ المدنيّ «مولى ميمونة بنت الحارث الهلاليّة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها»، أخي سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، بني يسار، وهو من كبار التابعين.
سمع ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن سلام، وأبا أيّوب، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاصي، وأبا واقد اللّيثيّ، وأبا رافع، وأبا سعيد الخدريّ، وأبا هريرة، وأبا ملك، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة رضي الله تعالى عنهم. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة؛ كثير الحديث، واتّفقوا على توثيقه، وتوفي سنة: - ١٠٣- ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى.
(أنّ أمّ سلمة)، كنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية، - واسمه: حذيفة، أو سهيل، أو هشام- ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومية كانت قبل رسول الله ﷺ عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها أبو سلمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعا، فولدت له
[ ٢ / ١٢٤ ]
رضي الله تعالى عنها أخبرته أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه.
هناك زينب بنت أبي سلمة، وولدت له بعد ذلك سلمة، وعمر، ودرّة: بني أبي سلمة؛ قاله ابن سعد.
ومات أبو سلمة سنة: أربع من الهجرة في جمادى الآخرى فاعتدّت، وحلّت في أواخر شوّال سنة: أربع، وتزوّجها رسول الله ﷺ سنة أربع في أواخر شوال، وتوفّيت في ذي القعدة سنة: - ٥٩- تسع وخمسين.
وكانت من أجلّ النّساء، واتّفقوا على أنّها دفنت بالبقيع، وهي آخر أمّهات المؤمنين وفاة، وكانت هي وزوجها أوّل من هاجر إلى الحبشة (رضي الله تعالى عنها)، وعن زوجها وأولادها. آمين.
(أخبرته أنّها قرّبت) - بتشديد الراء- أي: قدّمت (إلى رسول الله ﷺ جنبا) - بفتح الجيم وسكون النّون وموحدة-: شقّ الإنسان وغيره؛ كما في «القاموس»، ولذا أطلق على الشّق الذي قدّمته له من شاة، كما قال بعض الشّرّاح، وزعم «أنّه لا دليل عليه» !! يدفعه أنّه الظّاهر من أحوالهم.
(مشويّا) بمطلق نار؛ أو بالحجارة المحماة، كما قيل في قوله تعالى ف جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) [هود]: أي: مشويّ بالرّضف، أي: الحجارة المحماة. وقال ابن عبّاس: أي: نضيج، وهو أخصّ منه.
قال العراقيّ: وقع الاصطلاح في هذه الأعصار على أنّ المراد بالشّواء اللحم السّميط؛ وإنّما كان يطلق قبل هذا على المشويّ، ولم يكن السّميط على عهده ﷺ، ولا رأى شاة سميطا قطّ.
(فأكل منه) ثمّ قام إلى الصّلاة وما توضأ. قال الترمذيّ- بعد ما رواه-:
حديث صحيح.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وعن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة؛
(و) أخرج الترمذيّ أيضا (عن عبد الله بن الحارث؛ قال:
أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء) - بكسر الشّين المعجمة أو ضمّها؛ مع المدّ، ويقال: شوى كغنى-: هو اللّحم المشويّ بالنّار. فقول شارح «أي: لحما ذا شواء» !! ليس على ما ينبغي، لأنّ الشّواء ليس مصدرا كما يقتضيه كلامه، بل اسم اللّحم المشويّ (في المسجد) .
زاد ابن ماجه: ثمّ قام فصلّى وصلّينا معه، ولم نزد أن مسحنا أيدينا بالحصباء.
وفيه دليل لجواز أكل الطّعام في المسجد؛ جماعة وفرادى، ومحلّه إن لم يحصل ما يقذر المسجد، وإلّا! فيكره أو يحرم، ويمكن حمل أكلهم على زمن الاعتكاف، فلا يرد أنّ الأكل في المسجد خلاف الأولى عند أمن التّقذير، على أنّه يمكن أن يكون لبيان الجواز. والله أعلم.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ قال: ضفت) - بكسر أوّل- (مع رسول الله ﷺ ذات ليلة)، أي: نزلت معه ﷺ ضيفين على إنسان في ليلة من اللّيالي.
يقال: ضفت الرجل؛ إذا نزلت به في ضيافة، وأضفته إذا أنزلته، فليس المراد جعلته ضيفا لي حال كوني معه، خلافا لمن زعمه.
وقد وقعت هذه الضّيافة في بيت ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطلب، «بنت عم النّبيّ ﷺ»؛ كما أفاده القاضي إسماعيل (فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ)، أي:
النّبيّ ﷺ (الشّفرة) - بفتح الشّين المعجمة، وسكون الفاء؛ كطلحة-: وهي
[ ٢ / ١٢٦ ]
فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.
قال: فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فألقى
السّكين العريض العظيم، وجمعه شفار؛ ككلب وكلاب، وشفرات مثل سجدة وسجدات.
(فجعل) أي: شرع (يحزّ) - بضم الحاء؛ من باب ردّ- أي: يقطع من الحزّ- بحاء مهملة-: القطع (فحزّ) - بتشديد الزّاي- أي: فقطع (لي)؛ أي: لأجلي (بها)، أي: بالشّفرة (منه)، أي: من ذلك الجنب المشويّ.
وفيه حلّ قطع اللّحم بالسّكين! ولا يشكل على ذلك خبر: «لا تقطعوا اللّحم بالسّكّين؛ فإنّه من وضع الأعاجم، وانهسوه، فإنّه أهنأ وأمرأ» .
رواه أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها!! لقول أبي داود- عقب روايته- فيه: ليس بالقويّ.
وعلى التنزّل! فالنّهي وارد في غير المشويّ، أو محمول على ما إذا اتّخذه عادة. ويمكن أن يقال: النّهس محمول على النّضيج، والحزّ على غير النّضيج، وبذلك عبّر البيهقيّ؛ فقال: النّهي عن قطع اللّحم بالسّكين في لحم تكامل نضجه.
وذهب بعضهم إلى أنّ الحزّ لبيان الجواز؛ تنبيها على أنّ النّهي للتّنزيه لا للتّحريم.
وفيه أنّه ينبغي للكبير أن يحزّ للصغير؛ إظهارا لمحبّته، وتألّفا له. قاله المناوي.
(قال) أي المغيرة (: فجاء بلال) أي: المؤذّن، أبو عبد الرّحمن.
كان يعذّب في ذات الله، فاشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأعتقه. وهو أوّل من أسلم من الموالي «١»، شهد بدرا وما بعدها، ومات بدمشق سنة: - ١٨- ثمان عشرة، وله ثلاث وستون سنة؛ من غير عقب، ودفن بباب الصغير رضي الله تعالى عنه.
(يؤذنه) - بسكون الهمزة وقد تبدل واوا؛ من الإيذان- وهو: الإعلام، والتّأذين مثله إلّا أنّه خصّ بالإعلام بوقت الصّلاة، أي: يعلمه (بالصّلاة، فألقى
_________________
(١) لعل أول من أسلم من الموالي الصحابي زيد بن حارثة ﵁. والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
الشّفرة، فقال: «ما له؟! تربت يداه» .
قال: وكان شاربه قد وفا، فقال له: «أقصّه لك على سواك؟
أو: قصّه على سواك» .
الشّفرة)، أي: رماها النّبيّ ﷺ (فقال: «ما له)، أي: لبلال (تربت يداه؟!»)، أي: أيّ شيء ثبت له؛ يبعثه على الإعلام بالصلاة بحضرة الطعام، التصقت يداه بالتراب من شدة الفقر؟!. وهذا معناه بحسب الأصل.
والمقصود منه هنا: الزّجر عن ذلك؛ لا حقيقة الدّعاء عليه، فإنّه ﷺ كره منه إعلامه بالصّلاة بحضرة الطعام. والصّلاة بحضرة طعام تتوق إليه النّفس مكروهة، مع ما في ذلك من إيذاء المضيف وكسر خاطره!! هذا هو الأليق بالسّياق وقواعد الفقهاء. قاله الباجوريّ.
(قال)؛ أي المغيرة (: وكان شاربه) أي: بلال (قد وفا)، أي: طال.
أي: قال المغيرة: وكان شارب بلال قد طال وأشرف على فمه.
والشّارب: هو الشّعر النّابت على الشّفة العليا، والذي يقصّ منه هو الذي يسيل على الفم، ولا يكاد يثنّى؛ فلا يقال: شاربان، لأنّه مفرد، وبعضهم يثنّيه باعتبار الطّرفين، وجمعه: شوارب.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (له) أي: لبلال (: «أقصّه) أنا (لك على سواك!)، بوضع السّواك تحت الشّارب، ثم قصّ ما فضل عن السواك (أو:
قصّه) أنت (على سواك»)، بصيغة الفعل المضارع المسند للمتكلم وحده في الأوّل، وبصيغة الأمر في الثّاني.
وهذا شكّ من المغيرة، أو ممّن دونه من الرواة؛ في أيّ اللّفظين صدر من النّبيّ ﷺ. وسبب القصّ على السّواك ألاتتأذّى الشّفة بالقصّ.
ويؤخذ من هذا الحديث: ندب قصّ الشّارب إذا طال حتّى تظهر حمرة الشّفة، وجواز أن يقصّه لغيره، وأن يباشر القصّ بنفسه. ويندب الابتداء بقصّ الجهة اليمنى من الشارب.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وكان ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت.
وكان ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف.
وهل الأفضل قصّه؛ أو حلقه؟! والأكثرون على الأوّل، بل قال مالك:
يؤدّب الحالق، وبعضهم على الثّاني، وجمع بأنّه يقصّ البعض ويحلق البعض.
ويكره إبقاء السّبال، لخبر ابن حبّان: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس، فقال:
«إنّهم قوم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم، فخالفوهم»، وكان يجزّ سباله كما يجزّ الشاة والبعير! وفي خبر عند أحمد: «قصّوا سبالكم ووفّروا لحاكم» .
وفي «الجامع الصغير»: «وفّروا اللّحى، وخذوا من الشّوارب، وانتفوا الإبط، وقصّوا الأظافير» . رواه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ عن أبي هريرة.
وروى البيهقيّ؛ عن أبي أمامة: «وفّروا عثانينكم وقصّوا سبالكم» .
والعثنون: اللّحية.
لكن رأى الغزاليّ وغيره: أنّه لا بأس بترك السّبال؛ اتّباعا لعمر وغيره، فإنّه لا يستر الفم، ولا يصل إليه غمر الطعام. أي: دهنه.
(و) في «كشف الغمة» للشّعرانيّ: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت) . روى الدّارقطنيّ: أنّه ﷺ لم يكن يفطر يوم النّحر حتى يرجع ليأكل من كبد أضحيته.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف) . وفي رواية: «لحم الظّهر» .
والجمع: أنّه كان يحبّ ذلك كلّه، وربّما قدّم بعضها على بعض؛ في بعض الأحيان، فأخبر كلّ راو عما رآه يتعاطاه.
وروى الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذّراع، وكانت أحبّ الشاة إليه الحديث.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها.
وعن ابن مسعود
وروى أبو الشّيخ وغيره؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
كان أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ الكتف. وإسناده ضعيف.
ومن حديث أبي هريرة: لم يكن يعجبه من الشّاة إلّا الكتف.
وروى أبو داود؛ من حديث ابن مسعود بلفظ: كان يعجبه الذّراع.
ولابن السّنّي، وأبي نعيم في «الطب»؛ من حديث أبي هريرة: كان يعجبه الذّراعان والكتف.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه؛
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: أتي) بصيغة المجهول (النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع) - كحمار- هو اليد من كلّ حيوان، لكنّها من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى؛ تؤنّث وقد تذكّر، ومن البقر والغنم ما فوق الكراع- بضم الكاف- الذي هو مستدقّ السّاق.
(وكانت تعجبه) !! لأنّها أحسن نضجا، وأعظم لينا، وأسرع استمراء، وأبعد عن مواضع الأذى، مع زيادة لذّتها وحلاوة مذاقها.
(فنهس منها) - بمهملة أو بمعجمة- أي: تناوله بأطراف أسنانه، وقيل: هو بالمهملة ما ذكر، وبالمعجمة: تناوله بجميع الأسنان، وهذا أولى وأحبّ من القطع بالسّكين، حيث كان اللّحم نضيجا- كما سبق-.
ويؤخذ من هذا منع الأكل بالشّره، فإنّه ﷺ مع محبّته للذّراع نهس منها، ولم يأكلها بتمامها؛ كما يدلّ عليه حرف التّبعيض!.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» (عن ابن مسعود): عبد الله بن
[ ٢ / ١٣٠ ]
رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعجبه الذّراع، وسمّ في الذّراع، وكان يرى أنّ اليهود سمّوه.
عبد الرحمن الهذليّ، حليف بني زهرة، من السّابقين البدريّين، شهد المشاهد كلّها، ومات بالمدينة المنورة سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين، وتقدّمت ترجمته (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
كان النّبيّ ﷺ يعجبه) بالتذكير، وفي نسخة صحيحة من «الشمائل» [تعجبه] بالتّأنيث (الذّراع)، وفي رواية: الكتف؛ بدل: الذراع.
(وسمّ في الذّراع) في فتح خيبر، أي: جعل فيه سمّا قاتلا لوقته، فأكل منه لقمة، فأخبره جبريل؛ أو الذراع- على الخلاف-، وجمع بأنّ الذّراع أخبرته أوّلا، ثمّ أخبره جبريل بذلك تصديقا لها، فتركه؛ ولم يضرّه السّمّ- ففي ذلك ما أظهره الله من معجزاته ﷺ من تكليم الذّراع له، وعدم تأثير السّمّ فيه حالا.
وفي رواية: «لم تزل أكلة خيبر تعاودني حتّى قطعت أبهري» .
ومعناه: أنّ سمّ أكلة خيبر- بضم الهمزة-: وهي اللّقمة التي أكلها من الشاة.
وبعض الرواة فتح الهمزة! وهو خطأ؛ كما قاله ابن الأثير- كان يعود عليه، ويرجع إليه حتّى قطعت أبهره! وهو: عرق مستبطن بالصّلب متّصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه.
قال العلماء: فجمع الله له بين النّبوّة والشهادة. ولا يرد على ذلك قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [٦٧/ المائدة] !! لأنّ الآية نزلت عام تبوك، والسّمّ كان بخيبر قبل ذلك.
(وكان) أي: ابن مسعود (يرى) - بصيغة المجهول، أو [يرى] المعلوم- أي: يظنّ (أنّ اليهود سمّوه)، أي: أطعموه السّمّ في الذّراع.
وأسنده إلى اليهود!! لأنّه صدر على أمرهم واتّفاقهم، وإلّا! فالمباشر لذلك زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهوديّ، وقد أحضرها ﷺ، وقال:
[ ٢ / ١٣١ ]
وعن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا، وكان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال:
«ناولني الذّراع»، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من
«ما حملك على ذلك»؟ فقالت: قلت: إن كان نبيّا لا يضرّه السّمّ، وإلّا! استرحنا منه.
فاحتجم على كاهله وعفا عنها، لأنّه كان لا ينتقم لنفسه.
قال الزّهريّ وغيره: أسلمت، فلمّا مات بشر بن البراء- وكان أكل مع النّبيّ ﷺ- من الذراع دفعها لورثته فقتلوها قودا.
وبه جمع القرطبيّ وغيره بين الأخبار المتدافعة.
(و) أخرج الدارميّ، وتلميذه الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل»؛
(عن أبي عبيدة) - بالتصغير- مولى المصطفى ﷺ، صحابيّ، له هذا الحديث في هذا الكتاب، اسمه كنيدة (رضي الله تعالى عنه) . قال زين الحفّاظ العراقيّ:
هكذا وقع في سماعنا من كتاب «الشمائل»: أبي عبيدة، بزيادة تاء التّأنيث في آخره.
وهكذا ذكره المؤلّف في «الجامع»، والمعروف أنّه أبو عبيد!! وهكذا هو في بعض نسخ «الشمائل»، بلاتاء تأنيث، وهكذا ذكره المزّيّ في «أطرافه»؛ (قال:
طبخت)، أي: أنضجت (للنّبيّ ﷺ قدرا)؛ أي: شاة في قدر، يقال:
طبخت اللّحم طبخا؛ أنضجته، قاله الزّهريّ: ومن ثمّ قال بعضهم: لا يسمّى طبيخا- فعيلا بمعنى مفعول- إلّا إذا كان يمرق، ويكون الطبخ في غير اللّحم أيضا، فيقال: خبزة جيّدة الطبخ؛ كما في «الصحاح» وغيره.
(وكان يعجبه الذّراع) ذكره توطئة لقوله: (فناولته الذّراع) . ظاهره أنّه لم يطلبه منه أوّل مرّة، بل ناوله إيّاه لعلمه أنّه يعجبه، (ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من
[ ٢ / ١٣٢ ]
ذراع؟! فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو سكتّ.. لناولتني الذّراع ما دعوت» .
ذراع؟!) استفهام، لكن فيه إساءة أدب، وعدم امتثال له ﷺ، فلذلك عاد عليه شؤم عدم الامتثال، بأن حرم مشاهدة المعجزة، وهي أن يخلق الله تعالى ذراعا بعد ذراع وهكذا؛ إكراما لخلاصة خلقه ﷺ.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (: «و) الله (الّذي نفسي) أي: روحي أو جسدي أوهما (بيده): بقوّته وقدرته وإرادته، إن شاء أبقاه، وإن شاء أفناه.
وكان يقسم به كثيرا، والظاهر أنّه يريد به: أنّ ذاته منقادة له لا يفعل إلّا ما يريد (لو سكتّ) عمّا قلت، ممّا فيه إساءة أدب، وامتثلت أمري في مناولة المراد (لناولتني الذّراع) أي: واحدا بعد واحد (ما دعوت»)، أي: مدّة طلبي الذّراع؛ بأن يخلق الله تعالى فيها ذراعا بعد ذراع وهكذا؛ معجزة لي، لكنّك لم تسكت!! فمنعت تلك المعجزة التي فيها نوع تشريف لمشاهدها، لأنّه لا يليق إلّا بكامل التّسليم الذي لا يستفهم، فحملته عجلة نفسه على أن قال ما قال، فانقطع المدد.
فلو تلقّاه المناول بالأدب، وصمت مصغيا إلى ذلك العجب؛ لشرّفه الله بإجراء هذا المزيد عليه ولم ينقطع لديه، فلمّا عجل وعارض تلك المعجزة برأيه؛ منعه ذلك عن مشاهدة هذه المعجزة العظمى التي لا تناسب إلّا من كمل تسليمه.
وقد روى الحديث أيضا الإمام أحمد؛ عن أبي رافع القبطيّ «مولى رسول الله ﷺ»، واسمه: أسلم، ومات في أوّل خلافة عليّ- على الصحيح- ولفظه: أنّه أهديت له شاة؛ فجعلها في قدر.
فدخل رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا؟» . قال: شاة أهديت لنا فطبختها في القدر، قال: «ناولني الذّراع يا أبا رافع» . فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولني الذّراع الآخر» . فناولته الذّراع الآخر، فقال: «ناولني الذّراع الآخر» .
[ ٢ / ١٣٣ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا، وكان يعجل إليها؛ لأنّها أعجلها نضجا.
فقال: يا رسول الله؛ إنّما للشّاة ذراعان!!.
فقال له ﷺ: «أما إنّك لو سكتّ لناولتني ذراعا فذراعا ما سكتّ» . ثمّ دعا بماء فمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه، ثمّ قام فصلّى الحديث.
والظّاهر أنّ القضيّة متعدّدة لاختلاف مخرج الحديث.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» بإسناد فيه مقال؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ) - أي: على الإطلاق، لما سيأتي من قوله ﷺ: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» !
(ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا) - بكسر الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة- أي: وقتا دون وقت، لا يوما بعد يوم، لما ثبت في «الصحيحين»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر، ما نوقد فيه نارا؛ إنّما هو التّمر والماء، إلّا أن يؤتى باللّحم. قاله في «جمع الوسائل» .
(وكان يعجل) - بفتح الجيم- أي: يسرع (إليها)، أي: إلى الذّراع، (لأنّها)، أي: الذّراع، وتأنيثها باعتبار كونها قطعة من الشاة؛ قاله المناوي.
وقد تقدّم أنّ الذّراع تذكّر وتؤنّث، فلا معنى لهذا التأويل (أعجلها)؛ أي:
أعجل اللّحوم، أو أعجل الشّاة (نضجا) - بضمّ النّون- أي: طبخا، ومعنى الحديث: أنّ الذّراع ما كان أحبّ إليه؛ وإنّما يعجل إليه لسرعة نضجه، لكونه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا.
قال الحافظ العراقيّ: وليس فيه منافاة لبقيّة الأحاديث، أنّه كان يعجبه الذّراع،
[ ٢ / ١٣٤ ]
وكان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
إذ يجوز أن يعجبه وليست بأحبّ اللّحم إليه، ويؤيّده تصريحه في الحديث الآخر:
أنّ أطيب اللّحم لحم الظهر.
وقال ابن حجر الهيتميّ: هذا بحسب ما فهمته عائشة رضي الله تعالى عنها، وإلّا فالذي دلّت عليه الأحاديث السابقة وغيرها: أنّه كان يحبّها محبّة غريزيّة طبيعيّة، سواء فقد اللّحم أم لا!!
وكأنّها أرادت بذلك تنزيه مقامه الشريف عن أن يكون له ميل إلى شيء من الملاذّ، وإنما سبب المحبّة سرعة نضجها، فيقلّ الزّمن للأكل، ويتفرّغ لمصالح المسلمين. وعلى الأوّل!! فلا محذور في محبّة الملاذّ بالطبع، لأنّ هذا من كمال الخلقة؛ وإنما المحذور المنافي للكمال التفات النّفس وعناؤها في تحصيل ذلك وتأثّرها لفقده.
وتعقّب بأنّ نسبة قصور الفهم لعائشة رضي الله تعالى عنها لا تليق.
(و) أخرج ابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطب النبوي»، والبيهقيّ في «سننه»؛ عن مجاهد مرسلا- وهو حسن لغيره-، والطبرانيّ؛ عن ابن عمر، وابن عديّ، والبيهقيّ- بسند ضعيف؛ كما قال العراقيّ- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها)؛ لكونه أقرب إلى المرعى، وأبعد عن النجاسة، وأخفّ على المعدة، وأسرع انهضاما. وهذا لا يدركه إلّا أفاضل الأطباء؛ فإنهم شرطوا في جودة الأغذية نفعها وتأثيرها في القوى، وخفّتها على المعدة وسرعة هضمها.
وكان ﷺ أحبّ المقدم إليه الذّراع- كما سبق-.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» - واللفظ لها-، والنّسائيّ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقيّ: كلهم؛
[ ٢ / ١٣٥ ]
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» .
وعن ضباعة بنت الزّبير رضي الله تعالى عنها:
(عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد، وأبو جعفر؛ وهي أشهر.
أمّه أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة، وهو أوّل مولود من المسلمين ولد بها، توفّي بالمدينة المنوّرة سنة: ثمانين، عن سبعين سنة.
وكان عبد الله كريما، جوادا، ظريفا، حليما، عفيفا، سخيّا.
سمّي «بحر الجود»، ويقال: إنّه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعوتب في ذلك؛ فقال: إنّ الله عوّدني عادة وعوّدت النّاس عادة، وأخاف إن قطعتها قطعت عنّي، وأخباره في الجود شهيرة، وفضائله كثيرة.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا، اتّفقا منها على اثنين.
(رضي الله تعالى عنهما؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم) أي: ألذّه وأحسنه (لحم الظّهر») . والتفضيل نسبيّ إضافي، أو «من» مقدّرة، أي: من أطيب، فلا ينافي أنّ الذّراع أطيب منه؛ ومن الرقبة! ووجه مناسبة هذا الحديث للتّرجمة: أنّ أطيبيّته تقتضي أنّه ﷺ ربّما تناوله في بعض الأحيان.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنّسائيّ، والبيهقيّ (عن ضباعة) - بضاد معجمة مضمومة فموحدة فألف؛ فعين مهملة؛ فتاء تأنيث- (بنت الزّبير) بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّه ﷺ، زوج المقداد بن الأسود، وولدت له عبد الله وكريمة، وليس للزبير بن عبد المطّلب عقب إلّا منها.
روت عن النّبي ﷺ، وعن زوجها، وعنها ابن عبّاس، وعائشة، وبنتها كريمة وآخرون. (رضي الله تعالى عنها:
[ ٢ / ١٣٦ ]
أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ:
«أن أطعمينا «١» من شاتكم» . فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ، فرجع الرّسول، فأخبره بقولها. فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» .
أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ: «أن أطعمينا من شاتكم»)؛ يا أهل البيت، أو قصد تعظيمها، وإلّا! فالقياس: من شاتك!!
(فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ)؛ لحقارتها عند العرب، لكثرة عظمها. قال الشاعر:
أمّ الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه
(فرجع الرّسول؛ فأخبره بقولها، فقال: «ارجع إليها؛ فقل لها: أرسلي بها) ولا تستحي؛ إذ هي عظيمة، فيها منافع؛ (فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى»): البول، والرّجيع. ولذا قيل: إنّها أفضل الشاة، والأصحّ: أنّ الأفضل الذّراع.
قال في «المواهب»: ولا ريب أنّ أخفّ لحم الشاة لحم الرقبة، ولحم الذّراع، والعضل، وهو أخفّ على المعدة وأسرع انهضاما.
وفي هذا دليل على أنّه ينبغي مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاث خواصّ:
أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى.
ثانيها: خفّتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها.
ثالثها: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء؛ لاشتماله على النفع وعدم الضّرر.
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: أطعمونا.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم.. لم يطأطىء رأسه إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهسه انتهاسا.
وأكل رسول الله ﷺ القديد؛ كما في حديث «السّنن»
وقال الحافظ العراقيّ: وتفضيل لحم الرّقبة في الحديث السابق ونحوه لا يقتضي تفضيله على لحم الظّهر، ولا على لحم الذراع؛ وإنّما فيه مدحه بالأوصاف المتقدّمة، أي: ومدحه إنّما فيه فضيلته؛ لا أفضليّته على غيره.
قال: ويجوز أن يكون ﷺ قال ذلك جبرا لمن أخبره أنّه ليس عنده إلّا الرقبة، فمدحه بما هو صادق عليها، كما قال: «نعم الإدام الخلّ»؛ حيث طلب إداما فلم يجد عندهم إلّا الخل.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم لم يطأطىء رأسه)، أي: لم يخفضه (إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهشه) - بالشّين المعجمة، والسين المهملة- (انتهاشا)، النّهش والانتهاش؛ كلاهما بمعنى الأخذ بمقدّم الأسنان- كما مر-.
قال في «شرح الإحياء»: روى أبو داود؛ من حديث صفوان بن أميّة قال:
كنت آكل مع النّبيّ ﷺ، فاخذ اللّحم من العظم، فقال: «ادن العظم من فيك، فإنّه أهنأ وأمرأ» .
وللترمذيّ من حديثه: «انهس اللّحم نهسا، فإنّه أهنأ وأمرأ» . وهو والذي قبله منقطع. وللشيخين من حديث أبي هريرة: فتناول الذّراع؛ فنهس منها نهسة الحديث؛ قاله العراقيّ. انتهى
(وأكل رسول الله ﷺ القديد) - بفتح القاف وكسر الدّال المهملة مكبّرا-: هو اللّحم [المملوح] المقدّد؛ أي: المجفّف في الشّمس.
وفي «شرح البخاريّ» للقسطلّاني: القديد لحم مشرر مقدّد، أو ما قطع منه طوالا. انتهى، ونحوه في «القاموس»؛ (كما في حديث «السّنن) الأربعة»؛
[ ٢ / ١٣٨ ]
عن رجل قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها»، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
وأكل ﷺ لحم حمار الوحش.
(عن رجل) من الصحابة، ولا ضير في إبهامه لعدالة جميع الصّحابة رضوان الله عليهم.
(قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها)؛ أي: اجعله قديدا على حالة يبقى معها؛ بحيث لا يسرع فساده، بدليل قوله (فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة) المنوّرة. فظاهره طول المدّة، إذ هي التي يتمدّح بها في مثل هذا المقام. وفي لفظ «أملح لحمها» - بالميم- أي: اجعل عليه ملحا، ليمنعه العفونة.
وفي «الصحيح»؛ عن أنس: رأيت رسول الله ﷺ أتي بمرقة فيها دبّاء وقديد، فرأيته يتتبّع الدّبّاء يأكلها.
تنبيه: علم ممّا تقدّم أنّه ﷺ أكل القديد والحنيذ؛ الذي هو المشوي، والحنيذ أعجله وألذّه، وهو كان قرى إبراهيم الخليل للملائكة.
ومن الناس من يقدّم القديد على المشويّ، وهذا كلّه في حكم الشهوة.
أمّا في حكم المنفعة! فالقديد أنفع، وهو الذي يدوم عليه المرء، ويصلح به الجسد، وعليه أثنى الشّرع لوجهين:
أحدهما: أنّ المصطفى ﷺ في «الصحيحين» أمر بإكثار المرقة، ليقع بها عموم المنفعة في أهل البيت. الثاني: أنّه يصنع به الثّريد، وهو أفضل الطعام الذي ضرب به المصطفى المثل في التفضيل، حيث قال: «فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد» إلى آخره. والمرق من اللّحم هو لبّه. انتهى «مناوي» .
(وأكل) رسول الله (ﷺ لحم حمار الوحش) . رواه الشّيخان؛ عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه في حديث طويل.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وأكل ﷺ لحم الضّأن، وأكل ﷺ لحم الجمال سفرا وحضرا. وأكل ﷺ لحم الأرنب. وأكل ﷺ من دوابّ البحر.
(وأكل ﷺ لحم الضّأن. وأكل) رسول الله (ﷺ لحم الجمال) - جمع جمل-: وهو الذّكر من الإبل؛ كبيرا وصغيرا. وإن قالوا: لا يسمّى جملا إلّا إذا بزل، لكنّ المراد هنا ما هو أعمّ، (سفرا وحضرا)؛ أي: في السّفر والحضر.
روى النّسائيّ؛ عن جابر قال: قدم عليّ بهدي للنّبيّ ﷺ من اليمن، وقدم رسول الله ﷺ بهدي، فكان الجميع مائة بدنة، فنحر ﷺ ثلاثا وستين، ونحر عليّ سبعا وثلاثين، وأشرك عليا في بدنه، ثمّ أخذ من كلّ بدنة بضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل ﷺ وعليّ من لحمها، وشربا من مرقها.
(وأكل) رسول الله (ﷺ لحم الأرنب) . رواه الشيخان؛ عن أنس أنّه أصاب أرنبا بمرّ الظّهران، فأتى به أبا طلحة فذبحه بمروة وشواها، وبعث معي بعجزها.
وفي لفظ: بوركها. وفي لفظ: بفخذها إلى رسول الله ﷺ فقبلها، والبخاريّ في (الهبة): فأكلها. وفي رواية: أكله. قيل له: أكله!؟ قال: قبله.
(وأكل) رسول الله (ﷺ من دوابّ البحر) . رواه مسلم.
وذكر القسطلّاني في «المواهب»؛ في سرية الخبط: أنّه روى الأئمة السّتّة عن جابر:
بعثنا ﷺ ثلثمائة راكب؛ أميرنا أبو عبيدة، فأقمنا على السّاحل حتّى فني زادنا، حتّى أكلنا الخبط «١»، ثمّ إنّ البحر ألقى لنا دابّة؛ يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر حتى صحّت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، ونظرنا إلى أطول بعير فجاز تحته.
_________________
(١) الخبط: ورق يخبط بالمخابط ويجفّف ويطحن ويخلط بدقيق.. «القاموس» .
[ ٢ / ١٤٠ ]
وأكل ﷺ الثّريد؛ وهو أن يثرد الخبز بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم. ومن أمثالهم: (الثّريد أحد اللّحمين) .
وأكل ﷺ الخبز بالزّيت.
وعن عمر بن الخطّاب
زاد الشّيخان في رواية: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنّبيّ ﷺ؛ فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا؟»، فأرسلنا إليه منه فأكل.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الثّريد) - بفتح المثلّثة وكسر الراء؛ فعيل بمعنى مفعول، ويقال أيضا مثرود- (وهو أن يثرد الخبز) أي: يفتّ، ثمّ يبلّ (بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم) وقضيّته، أنّه إذا ثرد بمرق، غير اللّحم لا يسمّى «ثريدا» . وظاهر «القاموس» و«المصباح»: أيّ مرق كان. وكذا قول الزّمخشريّ: ثردت الخبز أثرده؛ وهو أن تفتّه، ثم تبلّه بمرق وتشرفه في وسط الصّحفة؛ وتجعل له وقبة «١» .
(ومن أمثالهم: «الثّريد أحد اللّحمين»)، لأّنّ المرق يطبخ باللّحم، فتنزل خاصّية اللّحم في المرق. ومحلّ اللّذّة والقوّة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في اللّحم وحده. فإن كان معه لحم فهو الثّريد الكامل، وعليه قول الشاعر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثّريد
(وأكل) رسول الله (ﷺ الخبز بالزّيت)، وأمر بأكله.
روى أبو نعيم في «الطّبّ» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّ فيه شفاء من سبعين داء؛ منها الجذام» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع»، و«الشمائل» (عن عمر [بن الخطّاب])
_________________
(١) الوقبة: منخفض ضمن القصعة يتجمع فيها المرق ليسر الاستفادة منه مع بقية الطعام. «عبد الجليل» .
[ ٢ / ١٤١ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة» .
الخليفة عشر سنين ونيّفا، وأوّل من سمّي «أمير المؤمنين»، ومات سنة: أربع وعشرين عن ثلاث وستين، روى له الجماعة (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزّيت): دهن الزّيتون، أي: مع الخبز، واجعلوه إداما.
فلا يرد أنّ الزّيت مائع؛ فلا يكون تناوله أكلا، (وادّهنوا به): أمر من الادّهان، وهو استعمال الدّهن، أي: ادهنوا به شعر رؤوسكم. كما قيّد به في رواية. وعادة العرب دهن شعر رؤوسهم.
وقال الباجوريّ: ادّهنوا به في سائر البدن. وأمثال هذا الأمر للإباحة، أو النّدب لمن وافق مزاجه وعادته، وقدر على استعماله؛ كما قاله ابن حجر.
قال الحافظ العراقيّ: لكنّ الأمر بالادهان به لا يحمل على الإكثار منه، ولا على التّقصير فيه؛ بل بحيث لا يشعث رأسه، كما يرشد إليه الأمر بالادّهان غبّا.
وقال ابن القيّم: الدّهن في البلاد الحارّة كالحجاز من أسباب حفظ الصّحة وإصلاح البدن، وهو كالضروري لهم. وأما في البلاد الباردة! فضارّ، وكثرة دهن الرّأس به خطر بالبصر، (فإنّه) أي: لأّنه يخرج (من شجرة مباركة») يعني:
زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء؛ ولو لم تمسسه نار.
ووصفها بالبركة لكثرة منافعها، ولكونها تنبت في الأرض المقدّسة التي بارك الله تعالى فيها للعالمين. قيل: بارك فيها سبعون نبيّا؛ منهم إبراهيم ﵊.
ويلزم من بركة هذه الشّجرة بركة ثمرتها؛ وهو الزّيتون، وبركة ما يخرج منها من الزّيت، وكيف لا؛ وفيه التّأدّم والتّدهّن!! وهما نعمتان عظيمتان؟! وقد
[ ٢ / ١٤٢ ]
وأكل ﷺ السّلق مطبوخا.
ورد: «عليكم بهذه الشّجرة المباركة زيت الزّيتون فتداووا به؛ فإنّه مصحّة من الباسور» رواه الطبراني، وأبو نعيم عن عقبة بن عامر.
وفي «الجامع الصغير»؛ بعد ذكر حديث الباب الذي أورده المصنّف:
رواه التّرمذيّ عن عمر. ورواه أحمد، والترمذيّ، والحاكم؛ عن أبي أسيد.
ورواه ابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة؛ ولفظه: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه طيّب مبارك» . ورواه أبو نعيم في «الطب» عنه؛ وقال:
«فإنّ فيه شفاء من سبعين داء منها الجذام» انتهى.
ومناسبة الحديث للباب: أنّ الأمر بأكله يستدعي أكله ﷺ منه. أو يقال:
المقصود من الترجمة معرفة ما أكل منه ﷺ؛ وما أحبّ الأكل منه.
قال الترمذيّ؛ بعد ذكر حديث عمر المذكور في الباب: وعبد الرزّاق كان مضطربا في هذا الحديث؛ فربّما أسنده وربما أرسله. انتهى.
والاضطراب؛ تخالف روايتين أو أكثر؛ إسنادا أو متنا بحيث لا يمكن الجمع بينهما، لكنّه بيّن المراد بالاضطراب هنا بقوله: فربما أسنده وربّما أرسله.
ففي بعض الطّرق أسنده حيث ذكر فيه عمر بن الخطّاب.
وفي بعضها أرسله؛ حيث أسقط عمر بن الخطّاب، والمضطرب ضعيف لإنبائه عن عدم إتقان ضبطه. فهذا الحديث ضعيف للاضطراب في إسناده، لكن رجّح بعضهم عدم ضعفه، لأنّ طريق الإسناد فيها زيادة علم، وخصوصا وقد وافق إسناد غيره؛ كما في بعض الروايات. والله أعلم.
(وأكل) رسول الله (ﷺ السّلق) - بكسر السّين المهملة، وإسكان اللام، وآخره قاف-: بقلة معروفة وهو نبت له ورق طوال، وأصل ذاهب في الأرض، يقال له: السّلك- بالكاف آخره بدل القاف-. (مطبوخا) بالشعير، قال التّرمذيّ
[ ٢ / ١٤٣ ]
وأكل ﷺ الخزيرة؛ وهي: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها.
وأكل ﷺ الأقط؛
بعد ما رواه: حديث حسن غريب.
وفي «الصّحيحين»؛ عن سهل بن سعد: إن كنّا لنفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ أصول السّلق فتجعله في قدرها فتجعل عليه حبّات من شعير، إذا صلّينا الجمعة زرناها؛ فقرّبته إلينا، والله ما فيه شحم؛ ولا ودك!!.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الخزيرة) كما في «الصحيح»؛ من حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه، (وهي) - بخاء معجمة مفتوحة، ثم زاي مكسورة، وبعد التّحتانية الساكنة راء- (: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها)؛ قاله الطّبري. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم.
وقال ابن قتيبة- وتبعه الجوهريّ-: أن يؤخذ اللّحم فيقطع قطعا صغارا ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.
وفي «القاموس» مع «الشرح»: الخزير والخزيرة شبه عصيدة، وهو: اللّحم الغابّ «١» يقطع صغارا في القدر، ثمّ يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخا ذرّ عليه الدّقيق، فعصد به ثمّ أدم بأيّ إدام.
ولا تكون الخزيرة إلا بلحم، وإذا كانت بلا لحم؟ فهي عصيدة. انتهى.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الأقط) - قال بعضهم عن «القاموس»: هو بتثليث الهمزة مع سكون القاف، و[الأقط] بفتح الهمزة مع فتح القاف؛ أو كسرها. أو [الأقط] ضمّها، و[الإقط] بكسرها جميعا-: شيء يتّخذ من المخيض الغنمي.
روى البخاريّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
_________________
(١) لعله الفاسد أو المنتن.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده، وهو أشبه شيء بالكشك.
وأكل ﷺ الرّطب والتّمر والبسر.
وأكل ﷺ الكباث؛
أهدت خالتي إلى النّبي ﷺ ضبابا وأقطا ولبنا، فوضع الضّبّ على مائدته، فلو كان حراما لم يوضع، وشرب اللّبن وأكل الأقط؛
(وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده) لا الحليب.
ويوافق قول الأزهري: الأقط يتّخذ من اللبن المخيض ثم يترك حتّى يمصل؛ أي: تسيل عصارته؛ وهي ماؤه الذي يخرج منه حين يطبخ، وهو كثير بالحرمين وغيرهما، ويقال له «المضير» عندهم.
(وهو أشبه شيء بالكشك) وزان فلس: ما يعمل من الحنطة، وربّما عمل من الشّعير. قال المطرّزيّ: فارسيّ معرّب؛ قاله في «المصباح» .
(وأكل) رسول الله (ﷺ الرّطب) - بضمّ الرّاء وفتح الطّاء المهملة-: هو ثمر النّخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمّر، والرّطب نوعان: نوع لا يتتمّر، وإذا تأخّر أكله أسرع إليه الفساد. ونوع يتتمّر ويصير عجوة وتمرا يابسا.
(و) أكل (التّمر والبسر) - بضمّ الباء- هو: البلح الطّريّ، أكل الثلاثة النّبيّ ﷺ في وقت واحد في حديقة الأنصاريّ. رواه مسلم، وأصحاب «السّنن الأربعة»، والتّرمذيّ في «الشمائل» كلّهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد مرّ الكلام على ذلك في حديث أبي الهيثم بن التيّهان رضي الله تعالى عنه.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الكباث) رواه مسلم، وبوّب عليه البخاريّ في؛ الأطعمة «باب الكباث» .
وروى فيه وفي أحاديث الأنبياء حديث جابر: كنّا مع النّبيّ ﷺ بمرّ الظهران
[ ٢ / ١٤٥ ]
وهو: ثمر الأراك. وأكل ﷺ الجبن.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكّين فسمّى وقطع.
نجني الكباث، فقال: «عليكم بالأسود منه فإنّه أطيب» . فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «نعم، وهل من نبيّ إلّا رعاها!!»
(وهو) أي: الكباث- بفتح الكاف، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف مثلاثة- (: ثمر الأراك) - بفتح الهمزة وخفّة الراء- أي: النّضيج من ثمر الأراك. وقيل:
ورق الأراك. وقيل: تمر الأراك- بالمثنّاة-؛ وهو البرير- بموحدة؛ بوزن الحرير- فإذا اسودّ فهو الكباث. وفي «المطالع»: الكباث تمر الأراك قبل نضجه. وقيل: بل هو حصرمه. وقيل: غضّه. وقيل: متزبّبه.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الجبن) . فيه ثلاث لغات؛ رواها أبو عبيد عن يونس ابن حبيب؛ سماعا من العرب.
أجودها: إسكان الباء؛ مع ضمّ الجيم، والثانية: ضمّ الباء للإتباع.
والثالثة؛ وهي أقلّها: التّثقيل. ومنهم من يجعل التّثقيل من ضرورة الشعر.
ففي «السّنن» لأبي داود (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: أتي) - بالبناء للمجهول- (النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك) من عمل النّصارى. فقيل: هذا طعام تصنعه المجوس! (فدعا بسكّين فسمّى وقطع) .
رواه أبو داود ومسدّد وغيرهما.
وروى أبو داود الطيالسيّ عن ابن عباس أنّ النّبيّ ﷺ لما فتح مكّة رأى جبنة فقال: «ما هذا؟» فقالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال: «ضعوا فيه السّكّين، وكلوا» .
وروى الإمام أحمد والبيهقيّ عنه: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في غزوة تبوك، فقال:
«أين صنعت هذه؟» قالوا: بفارس؛ ونحن نرى أن يجعل فيها ميتة!. فقال ﷺ:
[ ٢ / ١٤٦ ]
وأمّا البصل: فروى أبو داود في «سننه»: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها سئلت عن البصل فقالت: إنّ آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل.
والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا قولها: (إنّ آخر طعام أكله فيه بصل)، ولم تقل أكل البصل.
«اطعموا» . وفي رواية «ضعوا فيها السّكّين واذكروا اسم الله تعالى وكلوا» .
قال الخطّابيّ: أباحه ﷺ على ظاهر الحال؛ ولم يمتنع من أكله لأجل مشاركة المسلمين للكفّار في عمله.
وتعقّبه المقريزيّ بتوقّفه على نقل، إذ لم يكن بفارس والشّام حينئذ أحد من المسلمين.
قال الشّامي: وهو ظاهر لا شكّ فيه.
(وأمّا البصل) والثّوم والكرّاث!؟ (فروى أبو داود في «سننه»)، والنّسائيّ، والتّرمذيّ في «الشمائل»، وأحمد، والبيهقيّ (عن عائشة) «أمّ المؤمنين» الصّدّيقة بنت الصّديق (رضي الله تعالى عنها) وعن أبيها.
(أنّها سئلت عن البصل)، والسّائل لها أبو زياد خيار بن سلمة، قال: سألتها عن البصل، (فقالت: إنّ آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل) أي: مطبوخ، كما قال: (والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا) الاحتمال (قولها: إنّ آخر طعام أكله) ﷺ (فيه بصل، ولم تقل أكل البصل!) .
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقد صرّح البيهقيّ بذلك؛ فقال: كان مشويّا في قدر، أي: مطبوخا. كما نقله الزّرقاني في «شرح المواهب»، وكأن المصنّف لم يستحضر كلام الزّرقاني، فأبدى هذا الاحتمال.
وقد ثبت عنه ﷺ في «الصّحيحين» أنّه منع آكله نيّا من دخول المسجد، لأنه يؤذي بريحه، فروى البخاريّ ومسلم، وغيرهما عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الثّوم والبصل والكرّاث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» وأنه أتي بقدر فيها خضراوات من بقول؛ فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: «قرّبوها» إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: «كل، فإنّي أناجي من لّا تناجي» .
وكان ﵊ يترك الثوم دائما، لأنه يتوقّع مجيء الملائكة والوحي كلّ ساعة.
روى أبو نعيم في «الحلية»، والخطيب في «التاريخ» عن أنس: كان لا يأكل الثّوم ولا البصل ولا الكرّاث؛ من أجل أن الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل.
ولمسلم من حديث أبي أيوب في قصّة بعثه إليه بطعام فيه ثوم؛ فلم يأكل منه، وقال: «لكنّي أكرهه من أجل ريحه» . ويقاس على هؤلاء الفجل وكلّ بقلة كريهة.
قال النّوويّ: اختلف أصحابنا في حكم الثوم- بضمّ المثلّثة- في حقّه ﷺ وكذلك البصل والكرّاث ونحوها من كلّ ما له رائحة كريهة!!
فقال بعض أصحابنا: هي محرّمة عليه، وهو مذهب مالك. والأصحّ عندنا أنّها مكروهة في حقّه كراهة تنزيه؛ ليست محرّمة، لعموم قوله ﵊ «لا» في جواب قول السائل «أحرام هي؟» . ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام في حقّكم دوني، لأني أناجي من لا تناجون. انتهى.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وكان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» .
قال في «الفتح»: حجّة التحريم أنّ العلة في المنع ملازمة الملك له، وأنّه ما من ساعة إلا والملك يمكن أن يلقاه فيها ﷺ فينبغي لمحبّه موافقته ﵊ في ترك الثوم ونحوه وإن جاز له! وكراهة ما يكرهه، فإنّ من أوصاف المحبّ الصادق أن يحبّ ما يحبّه محبوبه، ويكره ما يكرهه لأجل الموافقة، وإن كانت الحكمة التي ترك المصطفى الأكل لأجلها ليست في غيره. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج أبو الشّيخ بإسناد ضعيف، وأبو نعيم في «الطب»: كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ) أي: هو أحبّ شيء يصبغ به الخبز، بأن تغمس اللقمة فيه وتؤكل؛ فيكون إداما للخبز، كما ورد: «نعم الإدام الخلّ» وسيأتي.
(و) أخرج مسلم، والترمذيّ؛ في «الجامع» و«الشمائل»، وابن ماجه كلّهم
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ») .
ورواه الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب «السّنن»، عن جابر رضي الله تعالى عنه.
قال العلقميّ في «شرح الجامع الصغير»: وقد ورد حديث: «نعم الإدام الخلّ» من رواية جمع من الصّحابة أفردوا بجزء. وهو حديث مشهور كاد أن يكون متواترا.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها وكان جائعا، فقال لها: «أعندكم طعام آكله؟»،
قال ابن القيّم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لتيسّره دون غيره؛ لا تفضيل له على غيره كما ظنّه بعضهم، إذ المدح إنما يقتضي فضله في نفسه؛ لا على غيره.
قال: وسبب الحديث يدلّ على ذلك، وهو أنه دخل على أهله يوما، فقدّموا له خبزا؛ فقال: «ما عندكم شيء من إدام؟» فقالوا: ما عندنا إلّا خلّ. فقال:
«نعم الإدام الخلّ» .
والمقصود أنّ أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصّحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما، فقد يتولّد منه أمراض!
وسمّي الأدم «إداما» لإصلاحه الخبز، وجعله ملائما لحفظ الصّحة.
وليس في هذا تفضيل للخلّ على اللّحم واللّبن والعسل والمرق. ولو حضر لحم أو لبن؛ لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرا لخاطر وتطييبا لقلب من قدّمه له، سواء التي سألها فقالت «إلّا خلّ»؛ أو غيرها، لا تفضيلا له على سائر أنواع الإدام، فلا ينافي أحاديث مدح اللّحم والثّريد وغيرهما.
(و) أخرج البيهقي في «الشعب» (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء) - بهمز في آخره- بنت أبي طالب، أخت عليّ. واسمها: فاختة، لها صحبة وأحاديث- وتقدمت ترجمتها- (رضي الله تعالى عنها؛ وكان جائعا؛
فقال لها: «أعندكم طعام آكله؟»
[ ٢ / ١٥٠ ]
فقالت: إنّ عندي لكسرا يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك.
فقال: «هلمّيها»، فكسّرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: «ما من إدام؟»، فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ، فقال:
«هلمّيه» . فلمّا جاءته به.. صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ، يا أمّ هانىء؛ لا يقفر بيت فيه خلّ» .
فقالت: إنّ عندي، لكسرا) - بكسر الكاف، وفتح السّين المهملة، جمع كسرة؛ مثل سدرة وسدر، وهي: القطعة من الخبز (يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك)، لحقارتها في جنب عظمة المصطفى ﷺ.
(فقال) تطييبا لخاطرها (: «هلمّيها»)؛ أي أحضريها وهو فعل أمر على لغة تميم. (فكسّرها في ماء) لإساغتها (وجاءته بملح؛
فقال): أي: النّبيّ ﷺ (ما من إدام؟» .
فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ. فقال: «هلمّيه») أي: أحضريه.
(فلمّا جاءته به صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ؛ يا أمّ هانىء لا يقفر) أي: لا يخلو (بيت فيه خلّ») صفة لبيت.
والفصل بين الصفة والموصوف بما يتعلّق بعامل الموصوف سائغ.
وفيه الحثّ على عدم النّظر للخبز والخلّ بعين الحقارة، وأنّه لا بأس بسؤال الطعام ممّن لا يستحي السائل منه؛ لصدق المحبّة، والعلم بودّ المسؤول.
وقد أخرج هذا الحديث التّرمذيّ، والطّبرانيّ، وأبو نعيم عن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ؛ فقال: «أعندك شيء؟» . فقالت:
لا، إلا خبز يابس وخلّ. فقال «هاتي؛ ما أقفر بيت من أدم فيه خلّ» .
[ ٢ / ١٥١ ]
وعن أمّ سعد رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟»، فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ، فقال: «نعم الإدام الخلّ، اللهمّ؛ بارك في الخلّ؛ فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خلّ» .
وهذا مدح للخلّ بحسب الوقت- كما قاله ابن القيّم-
(و) في الباب عند ابن ماجه بسند ضعيف (عن أمّ سعد) بنت زيد بن ثابت الأنصاريّة (رضي الله تعالى عنها)، قال ابن عبد البرّ: لها أحاديث؛ منها الأمر بذمّ الحجامة، من رواية محمّد بن زاذان عنها. وقيل: لم يسمع منها، بل بينهما واسطة هو عبد الله بن خارجة عنها؛ عن النبيّ ﷺ (قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة؛ وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟») الغداء- بفتح الغين المعجمة، والدّال المهملة والمدّ-: طعام الغداة.
(فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ. فقال: «نعم الإدام الخلّ؛ اللهمّ) أي:
يا الله (بارك)، أي: ضع البركة التي هي فيض إلهيّ (في الخلّ، فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر) أي: لم يخل (بيت) من القفر، وهو الأرض الخالية من الماء، والمفازة لا ماء فيها ولا زاد، ودار قفر خالية من أهلها. وأقفرت الدّار:
خلت. ووهم من جعله بالفاء مع القاف «١» (فيه خلّ») صفة بيت.
وفي الحديث الحثّ على عدم النّظر للخبز والخلّ بعين الاحتقار. والله أعلم.
(وهذا مدح للخلّ بحسب) بموحّدة (الوقت) الحاضر لتيسّره دون غيره؛ (كما قاله) الحافظ (ابن القيّم) الحنبليّ رحمه الله تعالى؛ يعني: أنّ المتيسّر حقيق بأن يوصف بالحسن ذلك الوقت، لا لأنه نفيس في ذاته.
_________________
(١) أي قبلها؛ يفقر!.
[ ٢ / ١٥٢ ]
لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن.. لكان أحقّ بالمدح.
وبهذا علم أنّه لا تنافي بين هذا وبين قوله: «بئس الإدام الخلّ» .
وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «فضل عائشة على النّساء
و(لا لتفضيله على غيره)؛ كما ظنّه بعضهم، إذ المدح إنّما يقتضي تفضيله في نفسه؛ لا على غيره، ألا ترى أنّ حديث «ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها» مع أنّ الوتر أفضل منهما!!
(بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه)؛ سواء التي سألها فقالت «إلّا خلّ»؛ أو غيرها (لا تفضيلا له على غيره)؛ كاللّحم واللّبن والعسل والمرق، (إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن؛ لكان أحقّ بالمدح) منه.
(وبهذا) الجواب (علم أنّه لا تنافي بين هذا) المدح المذكور في هذا الحديث.
(وبين) الذّمّ المذكور في (قوله: «بئس الإدام الخلّ») قال في «كشف الخفا»: وأمّا «بئس الإدام الخلّ» ! فلا أصل له، وفي طلبه ﷺ الإدام إشارة إلى أنّ أكل الخبز مع الإدام من أسباب حفظ الصّحّة، بخلاف الاقتصار على أحدهما.
قال الحكيم التّرمذيّ في «النوادر»: في الخلّ منافع للدّين والدّنيا. وذكر أنّه بارد يقطع حرارة السّموم ويطفيها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» (عن أبي موسى الأشعريّ): عبد الله بن قيس (رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال:
«فضل عائشة) الصّديقة بنت الصّدّيق (على النّساء) أي: نساء رسول الله ﷺ
[ ٢ / ١٥٣ ]
اللاتي في زمنها؛ فلا تكون أفضل من خديجة، بل خديجة أفضل على الأصحّ، لتصريحه ﷺ لعائشة بأنه لم يرزق خيرا من خديجة. وفاطمة أفضل منهما؛ أي من عائشة وخديجة!!
قال الباجوري: أفضل النّساء مريم بنت عمران، ثم فاطمة الزّهراء، ثمّ خديجة، ثم عائشة التي قد برّأها الله تعالى. وقد نظم بعضهم ذلك فقال:
فضلى النّسا بنت عمران ففاطمة خديجة ثمّ من قد برّأ الله
وهذا هو الذي أفتى به الرّمليّ.
وقد قال جمع من الخلف والسّلف: لا يعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحد!! وبه يعلم أنّ بقية أولاده ﷺ كفاطمة، وأنّ سبب الأفضليّة ما فيهن من البضعة الشّريفة.
ومن ثمّ حكى السّبكي عن بعض أئمة عصره أنّه فضّل الحسن والحسين على الخلفاء الأربعة، أي: من حيث البضعة؛ لا مطلقا. فهم أفضل منهما علما ومعرفة، وأكثر ثوابا وآثارا في الإسلام.
قال في «جمع الوسائل»: قلت: إذا لو حظت الحيثيّة؛ فما يوجد أفضل على الإطلاق مطلقا، ولذا قيل: إن عائشة أفضل من فاطمة، لأنّ كلا منهما تكون مع زوجها في الجنّة، ولا شكّ في تفاوت منزلتيهما!!
هذا وقد قال السيوطي: في «إتمام الدراية شرح النقاية»: ونعتقد أن أفضل النساء مريم بنت عمران، وفاطمة بنت النّبيّ ﷺ.
روى التّرمذيّ وصحّحه: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسيّة امرأة فرعون» .
وفي «الصحيحين»؛ من حديث علي: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد. وفي «الصحيح»: «فاطمة سيّدة نساء هذه الأمّة»
وروى النّسائيّ عن حذيفة أنّ رسول الله ﷺ قال: «هذا ملك من الملائكة
[ ٢ / ١٥٤ ]
استأذن ربّه ليسلّم عليّ، وبشّرني أنّ حسنا وحسينا سيّدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيّدة نساء أهل الجنّة» .
وروى الطّبرانيّ عن عليّ مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد» .
وفي هذه الأحاديث دلالة على تفضيلها على مريم؛ خصوصا إذا قلنا بالأصحّ «إنّ مريم ليست نبية»، وقد تقرّر أن هذه الأمة أفضل من غيرها!!.
وروى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» بسند صحيح لكنّه مرسل: «مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» .
ورواه التّرمذيّ موصولا من حديث عليّ بلفظ: «خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة» . قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسّر المتّصل.
قلت: يعكّر عليه ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس مرفوعا؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «سيّدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثمّ خديجة، ثم آسيّة امرأة فرعون» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «فاطمة سيّدة نساء العالمين بعد مريم بنت عمران» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول؛ قال: قال رسول الله ﷺ:
«خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أنّ مريم بنت عمران ركبت بعيرا ما فضّلت عليها أحدا» .
ثم قال: قال السّيوطي: إنّ أفضل أمّهات المؤمنين خديجة، وعائشة.
قال ﷺ: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلا مريم وآسيّة وخديجة، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
وفي التفضيل بينهما أقوال؛ ثالثها الوقف.
[ ٢ / ١٥٥ ]
كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
قلت: وقد صحّح العماد بن كثير أن خديجة أفضل، لما ثبت أنّه ﷺ قال لعائشة حين قالت: قد رزقك الله خيرا منها. فقال لها: «لا؛ والله ما رزقني الله خيرا منها؛ آمنت بي حين كذّبني الناس، وأعطتني ما لها حين حرمني النّاس» .
وسئل ابن داود؛ فقال: عائشة أقرأها النبيّ ﷺ السّلام من جبريل. وخديجة أقرأها السّلام جبريل من ربّها، فهي أفضل على لسان محمد ﷺ.
فقيل: فأيّ أفضل؛ فاطمة أم أمّها؟ قال: فاطمة بضعة النّبيّ ﷺ؛ فلا نعدل بها أحدا.
وسئل السّبكيّ، فقال: الذي نختاره وندين الله به: أنّ فاطمة بنت محمد أفضل، ثمّ أمّها خديجة، ثم عائشة.
وعن ابن العماد أنّ خديجة إنما فضّلت باعتبار الأمومة؛ لا السّيادة. انتهى.
والحاصل: أنّ الحيثيات مختلفة، والروايات متعارضة والمسألة ظنية.
والتّوقف لا ضرر فيه قطعا. فالتسليم أسلم. والله أعلم
(كفضل الثّريد) - بفتح الثاء المثلّثة؛ فعيل بمعنى مفعول-.
وهو الخبز المأدوم بالمرق، سواء كان مع اللّحم؛ أو لم يكن، لكنّ الأوّل ألذّ وأقوى، وهو الأغلب.
قال بعض الأطباء: الثّريد من كلّ طعام أفضل من المرق؛ فثريد اللّحم أفضل من مرقه، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه.
وفي «النهاية»: بل اللّذّة والقوة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في نفس اللّحم. قال الأطبّاء: الثّريد يعيد الشّيخ إلى صباه.
(على سائر الطّعام») أي: باقي الأطعمة من جنسه بلا ثريد، لما في الثّريد من النّفع، وسهولة مساغه وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذّة والقوّة وقلّة المؤنة في المضغ، فشبّهت به؛ لما أعطيت من حسن الخلق، وحسن
[ ٢ / ١٥٦ ]
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أو لم رسول الله ﷺ
الخلق، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتّحبّب إلى البعل. فهي تصلح للتّبعّل والتحدّث والاستئناس بها، والإصغاء إليها. وحسبك أنها عقلت من النّبيّ ﷺ ما لم يعقل غيرها من النّساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرّجال!!.
وفي الحديث إشارة إلى أنّ الفضائل التي اجتمعت في عائشة لا توجد في جميع النّساء؛ من كونها امرأة أفضل الأنبياء، وأحبّ النساء إليه، وأعلمهنّ وأنسبهنّ وأحسبهنّ، وإن كانت لخديجة وفاطمة وجوه أخر من الفضائل البهيّة، والشمائل العليّة. ولكنّ الهيئة الجامعيّة في الفضيلة المشبّهة بالثريد لم توجد في غيرها. والله أعلم.
وحديث أبي موسى الذي ذكره المصنّف! رواه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ، وابن ماجه، بلفظ: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلّا آسيّة امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإنّ فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
ورواه البخاريّ، ومسلم؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع»، و«الشمائل»؛
(عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: «أو لم رسول الله ﷺ) من الولم؛ وهو: الاجتماع، والوليمة: كلّ طعام يتّخذ لحادث سرور أو حزن.
ووليمة النّكاح: طعام يصنع عند عقد النّكاح أو بعده، وهي سنّة مؤكّدة.
والأفضل فعلها بعد الدّخول؛ اقتداء به ﷺ.
ونقل القاضي عياض اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس، وقال: واختلفوا فيما سواها؛ فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها.
[ ٢ / ١٥٧ ]
على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير.
وعن سلمى زوج أبي رافع
وقال أهل الظّاهر: تجب الإجابة إلى كلّ دعوة من عرس وغيره.
وبه قال بعض السّلف، لكن محلّه ما لم يكن هناك مانع شرعيّ؛ أو عرفيّ!!.
ومعنى الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ صنع وليمة (على صفيّة) بنت حييّ بن أخطب اليهوديّ من نسل هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، زوجة سلام بن أبي الحقيق- بالتصغير- شريف خيبر، قتل يوم خيبر فسبيت صفيّة؛ فاصطفاها رسول الله ﷺ لمّا ذكر له جمالها، وكانت عروسا فخرج حتى بلغ الصّهباء حلّت له؛ أي:
طهرت من الحيض فبنى بها، وصنع حيسا (بتمر وسويق.
وهو) أي: السّويق (: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير) وهو معروف عند العرب.
وفي «الصحيحين»: أولم عليها بحيس، وهو الطعام المتّخذ من التّمر والأقط والسّمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق؛ كذا في «النهاية» . وضعه في نطع، ثم قال لأنس: «آذن من حولك»؛ فكانت وليمته عليها. قال: ثم خرجنا إلى المدينة؛ فرأيت رسول الله ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعير فيضع ركبته، وتضع صفيّة رجلها على ركبته لتركب. وفي رواية: فأعتقها وتزوّجها.
وفي أخرى: قال له: «خذ جارية من السّبي غيرها»، وفي رواية: «أنّها صارت لدحية، ثم للنبيّ ﷺ اشتراها بسبعة أرؤس»، ولا تعارض، فلعلّه قال له أولا «خذ جارية» ثم أكمل له سبعة. وإنما أخذها منه! رعاية للمصلحة العامّة:
أنّها بنت ملكهم فخاف من اختصاص دحية بها تغيّر خواطر نظائره، وكانت رأت أنّ القمر سقط في حجرها. فتؤوّل بذلك، وماتت سنة: خمسين. ودفنت بالبقيع رضي الله تعالى عنها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» واللفظ لها؛
(عن) أمّ رافع (سلمى) - بفتح أوّله- (زوج أبي رافع)، واسمه أسلم
[ ٢ / ١٥٨ ]
- مولى النّبيّ ﷺ-: أنّ الحسن بن عليّ،
(مولى النّبيّ ﷺ)، يقال: إنها مولاة صفية بنت عبد المطلب، ويقال لها أيضا مولاة النّبيّ ﷺ، وكانت تخدم النّبيّ ﷺ؛ قالت: ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة إلّا أمرني أن أضع عليها الحنّاء. وهي قابلة إبراهيم ابن المصطفى، وغاسلة فاطمة بنت عميس، وقابلة فاطمة بنت النّبيّ ﷺ في ابنيها الحسنين، وغاسلتها مع عليّ رضي الله تعالى عنهم.
وزوجها أبو رافع؛ يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم. وقيل: سنان.
وقيل غير ذلك. غلبت عليه كنيته؛ وكان قبطيّا، وكان للعبّاس فوهبه للنّبيّ ﷺ، فلما بشّر النّبيّ ﷺ بإسلام العباس أعتقه. قال الحافظ ابن حجر:
والمحفوظ أنّه أسلم لما بشّر العبّاس بأن النّبيّ ﷺ انتصر على أهل خيبر؛ وذلك في قصّة جرت، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدا وما بعدها.
روى عن النّبيّ ﷺ، وعن عبد الله بن مسعود، وروى عنه خلق؛ منهم أولاده رافع، والحسن، وعبيد الله، والمغيرة، وأحفاده: الحسن وصالح وعبيد الله؛ أولاد عليّ بن أبي رافع، والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع.
ومات بالمدينة المنورة قبل قتل عثمان بيسير رضي الله تعالى عنه:
(أنّ الحسن بن عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ
أبا محمد سبط رسول الله ﷺ، وريحانته.
أمير المؤمنين، خامس الخلفاء الراشدين، ولد في نصف شهر رمضان؛ سنة: - ٣- ثلاث من الهجرة بالمدينة المنوّرة، وأمّه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأوّلهم؛
وكان عاقلا حليما؛ محبا للخير، فصيحا وسيما من أحسن الناس منطقا وبديهة.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وابن عبّاس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم.. أتوها، فقالوا:
اصنعي لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ..
حجّ عشرين حجّة ماشيا، ودخل أصبهان غازيا مجتازا إلى غزاة جرجان؛ ومعه عبد الله بن الزّبير.
وبايعه أهل العراق بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة: - ٤٠- أربعين هجرية.
وأشاروا عليه بالمسير إلى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فأطاعهم وزحف بمن معه، وبلغ معاوية خبره؛ فقصده بجيشه وتقارب الجيشان.
فهال الحسن أن يقتتل المسلمون، ولم يستشعر الثّقة بمن معه، وطلب منه معاوية الصّلح، فكتب إلى معاوية يشترط شروطا للصّلح، ورضي معاوية، فخلع الحسن نفسه من الخلافة، وسلّم الأمر لمعاوية في بيت المقدس سنة: - ٤١- إحدى وأربعين هجريّة، وسمّي هذا العام «عام الجماعة» لاجتماع كلمة المسلمين فيه.
وانصرف الحسن إلى المدينة المنوّرة راجعا، حيث أقام بها إلى أن توفّي مسموما سنة: - ٥٠- خمسين من الهجرة، ومدّة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام.
وولد له أحد عشر ابنا وبنت واحدة! روي له عن النّبيّ ﷺ أحاديث، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه.
(وابن عبّاس) عبد الله (وابن جعفر) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ تقدمت ترجمته (رضي الله تعالى عنهم؛ أتوها) زائرين، لكونها خادمة المصطفى ﷺ وطبّاخته (فقالوا: اصنعي لنا طعاما ممّا)؛ أي: من الطّعام الّذي (كان يعجب) - روي: بضمّ أوّله، وكسر ثالثه؛ من الإعجاب، وروي: بفتح الياء والجيم؛ من العجب، من باب علم- (رسول الله ﷺ) بنصبه على الأوّل، ورفعه على الثّاني. وقال في «جمع الوسائل»: يعجب- على صيغة المعلوم؛ إما من الإعجاب، ف «رسول الله» مفعوله، والضمير المستتر فيه للموصول. أو من
[ ٢ / ١٦٠ ]
ويحسن أكله. فقالت: يا بنيّ؛ لا تشتهيه اليوم. قال: بلى، اصنعيه لنا. قال: فقامت، فأخذت شيئا من شعير، فطحنته، ثمّ
العجب- بفتحتين؛ من باب علم- فهو فاعله وضمير الموصول في الصّلة محذوف، أي مما كان يعجبه ﷺ.
ويمكن أن يكون الرسول فاعلا في الوجه الأول؛ بناء على أنّ معناه يستحسنه.
وبالجملة إن كان يعجب من الإعجاب يمكن أن يكون الرسول مرفوعا ومنصوبا؛ بناء على أن معنى الإعجاب الاستحسان، وإن كان من العجب! فهو مرفوع، وكذا الحال فيما وقع ثانيا في قوله:
(ويحسن)؛ من الإحسان، أو التّحسين. فهو على الأول بسكون الحاء وتخفيف السّين، وعلى الثّاني بفتح الحاء وتشديد السّين؛ وعلى كلّ فهو بضمّ الياء. (أكله) بالنّصب؛ وهو بفتح الهمزة، وسكون الكاف مصدر.
(فقالت: يا بنيّ) - روي مصغّرا؛ للشّفقة، وأفردته مع أنّ الأحقّ الجمع؛ إمّا إيثارا لخطاب أعظمهم؛ وهو الحسن، أو لأنّهم لكمال الملاءمة والارتباط والمناسبة بينهم واتّحاد بغيتهم صاروا بمنزلة شخص واحد. وروي كما قال بعض الشّرّاح: يا بنيّ؛ مكبّرا.
وقال آخر: يدفعه (لا تشتهيه) بالإفراد، لكن حيث ثبت رواية فلا دفع.
فالمعنى: لا تشتهيه نفوسكم (اليوم) أي زمن اعتياد النّاس الأطعمة اللّذيذة التي تطبخها الأعاجم المختلطة بكم، فكلوا ما يوافق عادتكم وأبدانكم، وإن كان المختلط غير ما أكله رسول الله ﷺ، فإن ذلك أمر يتفاوت بالأزمنة وتغيّر العادات، واستعينوا به على أداء العبادة.
(قال: بلى) نشتهيه على سبيل البركة (اصنعيه لنا.
قال) أي: الرّاوي عن سلمى، أو أحد الثّلاثة: (فقامت) أي: سلمى
(فأخذت شيئا من شعير) - بالتّنكير، وروي بالتّعريف- (فطحنته، ثم
[ ٢ / ١٦١ ]
جعلته في قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل، فقرّبته إليهم. فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله. قوله (التّوابل): هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون. ويؤخذ من هذا: أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل، وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد.
جعلته)؛ أي دقيقه (في قدر) - بكسر أوّله، أي: برمة- (وصبّت عليه شيئا من زيت) زيت الزّيتون، أو غيره (ودقّت الفلفل) - بضمّ الفاءين وسكون اللّام الأولى؛ كهدهد- مصروف هذا هو الرواية، والواحدة فلفلة، وفي «القاموس»: الفلفل كهدهد وزبرج: حبّ هنديّ، والأبيض أصلح، وكلاهما نافع لأشياء ذكرها.
(والتّوابل) - بمثنّاة فوقيّة؛ بزنة المساجد-: أبزار الطّعام. وسيأتي، (فقرّبته) أي: فوضعته على الطّعام وقدّمته (إليهم.
فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ) - بالضبطين- (ويحسن أكله) بالوجهين.
(قوله: التّوابل) بالتّاء المثنّاة قبل الواو، وبالباء بعد الألف؛ جمع تابل- بفتح الباء، وقد تكسر- (: هي) أبزار الطّعام، وهي (أدوية حارّة يؤتى بها من الهند. وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة) - بضمّ الباء وفتحها-: نبات معروف (والزّنجبيل): هو عروق تسري في الأرض حرّيفة تحذي اللّسان وهو ما ينبت في بلاد العرب، له منافع كثيرة (والكمّون)؛ كتنّور: حبّ معروف أدقّ من السّمسم، واحدته كمّونة، وهو عربيّ. قال الجواليقي: وعوامّ الناس تفرق بين التوابل والأبزار، والعرب لا تفرّق بينهما!!
(ويؤخذ من هذا) الحديث؛ كما في الباجوريّ وغيره:
(أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل) من أنواع الأبازير، (وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد) في الدّنيا ولذّاتها.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال في غزوة الخندق: انكفيت- أي: انطلقت إلى امرأتي- فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ جوعا شديدا.
فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن،
(وعن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: في غزوة الخندق) وهي الأحزاب؛ قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبيّ ﷺ خمصا شديدا، ف (انكفيت) قال الحافظ ابن حجر: بفاء مفتوحة بعدها تحتيّة ساكنة، أي: انقلبت، وأصله انكفأت؛ بهمزة، وكأنه سهّلها.
وقال القسطلّانيّ: بالهمز، وقد تبدل ياء. لكن قال الحافظ أبو ذرّ: صوابه:
فانكفأت بالهمز.
وقال في «التنقيح»: أصله الهمزة؛ من كفأت الإناء، وتسهّل!
قال في «المصابيح»: لكن ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة ياء، أي: انقلبت. وقال المصنّف تبعا للباجوريّ.
(أي: انطلقت إلى امرأتي): سهيلة بنت مسعود بن أوس بن مالك بن سوّاد الأنصارية الظفريّة، زوجة جابر، وأمّ ولده عبد الله، ذكرها ابن حبيب في المبايعات؛ كما في «الإصابة» رضي الله تعالى عنها.
(فقلت) لها (: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ) خمصا أي:
(جوعا شديدا!.
فأخرجت جرابا) - بكسر الجيم- (فيه صاع من شعير.
ولنا بهيمة) - بضمّ الموحّدة وفتح الهاء؛ مصغّر بهمة-: وهي الصّغيرة من أولاد الغنم. وفي رواية: عناق، وهي الأنثى من المعز، (داجن) - بكسر الجيم-: التي تترك في البيت، ولا تخرج إلى المرعى، ومن شأنها أن تسمن.
وقد زاد في رواية أحمد: سمينة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
فذبحتها، وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئته ﷺ، وأخبرته الخبر سرّا، وقلت له: تعال أنت ونفر معك.
(فذبحتها) - بسكون الحاء، وضمّ التّاء- فالذابح جابر.
(وطحنت) - بسكون التّاء الفوقيّة، قبلها نون؛ فحاء مهملة، فطاء مهملة:
مفتوحات- أي: امرأتي (الشّعير) .
وفي رواية أحمد: فأمرت امرأتي فطحنت لنا الشعير وصنعت لنا منه خبزا وفي رواية في «الصحيح»؛ من طريق آخر عن جابر: إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا إلى النّبيّ ﷺ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق؛ فقال: «أنا نازل» ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا. فأخذ النّبيّ ﷺ المعول فضرب؛ فعاد كثيبا أهيل أو أهيم.
فقلت: يا رسول الله؛ ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير (حتّى جعلنا)؛ أي: وشرعنا في تهيئته حتى جعلنا- وللكشميهني: جعلت، أي المرأة- (اللّحم في البرمة) - بضمّ الموحّدة، وسكون الرّاء-: القدر مطلقا، أو من حجارة. وفي رواية: ففرغت إلى فراغي أي معه، وقطّعتها في برمتها وغطتها.
(ثمّ جئته ﷺ) زاد في رواية «الصحيح»: والعجين قد انكسر؛ أي:
اختمر. والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته (وأخبرته الخبر سرّا؛
وقلت له): يا رسول الله؛ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت المرأة صاعا من شعير كان عندنا؛ ف (تعال أنت ونفر معك) دون العشرة من الرّجال. وفي رواية:
فقلت: طعيم لي صنعته، فقم أنت يا رسول الله؛ ورجل أو رجلان.
ولأحمد: وكنت أريد أن ينصرف ﷺ وحده. قال: «كم هو؟» فذكرت له.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فصاح: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا فحيّ هلا بكم»،
قال: «كثير طيّب، قل لها لا تنزع البرمة؛ ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي» .
(فصاح) أي النّبيّ ﷺ: («يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا) - بضمّ السّين المهملة، وسكون الواو بغير همز-: قال ابن الأثير: أي طعاما يدعو الناس إليها، أو هو الطعام مطلقا. وأمّا الذي بالهمز!! فهو البقيّة، وليس مرادا هنا.
ولفظة سور- بدون همز- فارسية، ولعله ﷺ عبّر بها دون «طعاما» !! لعمومه في كلّ مأكول، بخلاف الطّعام فيختصّ بالحنطة عند أهل مكّة، فقد يفهم بعض السّامعين خلاف المراد، أو لبيان الجواز.
(فحيّ) - بحاء مهملة وشدّ التّحتيّة- (هلا) - بفتح الهاء واللّام المنوّنة مخفّفة- وفي رواية: أهلا (بكم») بزيادة ألف، والصواب حذفها؛ قاله الحافظ ابن حجر.
وهي كلمة استدعاء فيها حثّ على سرعة الإجابة، أي: هلمّوا مسرعين.
وفي رواية في «الصحيح»: فقال: «قوموا» فقام المهاجرون والأنصار.
فلما دخل على امرأته؛ قال: ويحك، جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم.
وفي سياقه اختصار.
وبيانه في رواية يونس بن بكير في «زيادات المغازي» قال:
فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت جاء الخلق على صاع من شعير وعناق!! فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت؛ جاءك رسول الله ﷺ بالجند أجمعين!!.
فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم.
فقالت: الله ورسوله أعلم، نحن أخبرناه بما عندنا!! فكشفت عني غمّا شديدا.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقال: «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينتكم حتّى أجيء» .
فلمّا جاء.. أخرجت له العجين؛ فبصق فيه،
وفي رواية في «الصحيح»: فجئت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت!!
ويجمع بينهما بأنّها أوّلا أمرته أن يعلمه بالصورة، فلما قال لها «إنه جاء بالجميع»؛ ظنّت أنّه لم يعلمه؛ فخاصمته، فلما أعلمها أنّه أعلمه سكن ما عندها، لعلمها بإمكان خرق العادة. ودلّ ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها.
وقد وقع لها في قصة التمر: أن جابرا أوصاها لمّا زارهم النّبيّ ﷺ أن لا تكلّمه. فلما أراد ﷺ الانصراف نادته: يا رسول الله؛ صلّ عليّ وعلى زوجي.
فقال: «صلّى الله عليك وعلى زوجك» .
فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظنّ أنّ الله يورد رسوله بيتي، ثم يخرج؛ ولا أسأله الدعاء!! أخرجه أحمد بإسناد حسن؛ ذكره الحافظ ابن حجر.
(وقال): أي: النّبيّ ﷺ لجابر (: «لا تنزلنّ) - بضم التّاء الفوقيّة وكسر الزّاي، وضمّ اللّام- (برمتكم) نصب على المفعولية، ولأبي ذرّ: «لا تنزلنّ» - بفتح اللام والزاي؛ مبنيّ للمفعول- برمتكم- بالرفع نائب الفاعل.
(ولا تخبزنّ) - بفتح المثنّاة الفوقية، وكسر الموحّدة، وضمّ الزّاي وشدّ النون- (عجينتكم) - بالنّصب، ولأبي ذرّ بضمّ الفوقيّة وفتح الموحّدة والزاي؛ ورفع «عجينكم» (حتّى أجيء») إلى منزلكم.
(فلمّا جاء أخرجت)؛ أي المرأة (له العجين)
ولفظ البخاريّ: فجئت وجاء ﷺ يقدم الناس حتى جئت إلى امرأتي؛ فقالت:
بك وبك. فقلت: فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينا (فبصق فيه) بالصاد.
ولأبوي ذرّ والوقت، وابن عساكر: فبسق- بالسّين- ويقال بالزّاي أيضا، لكن قال النّوويّ: بالصّاد في أكثر الأصول، وفي بعضها بالسّين؛ وهي لغة قليلة.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبصق، وبارك، ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واغرفي من برمتكم، ولا تنزلوها» .
والقوم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتّى تركوه، وانصرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ- أي: تغلي- كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو.
(وبارك) في العجين: أي دعا فيه بالبركة، (ثمّ عمد) - بفتح الميم: قصد- (إلى برمتنا فبصق) . زاد الكشميهني: فيها؛ أي البرمة (وبارك) في الطّعام، (ثمّ قال): أي ﷺ لجابر (: «أدع خابزة، فلتخبز) بسكون اللّام (معك) بكسر الكاف! خطابا لزوجة جابر. فخصّه بالأمر بالدّعاء، لأنه صاحب المنزل المشار إليه بإذنه لمن شاء في دخول منزله، وخاطب زوجته بأنه إذا أحضرها يأمرها بالخبز معها؛ أي مساعدتها فيه، ثم تباشر هي غرف الطعام.
ولا ينافيه أنّ لفظ البخاريّ: فلتخبز معي، لأنّ المراد: وقولي لها لتخبزي معي؛ أي تعاونيني فيه. ويدلّ عليه قوله: (و) اقدحي أي (اغرفي من برمتكم) والمغرفة: تسمّى المقدحة، وقدحة من المرق: غرفة منه (ولا تنزلوها») - بضمّ المثنّاة الفوقية، وكسر الزّاي- أي: البرمة من فوق الأثافي- بفتح الهمزة، والمثلّثة فألف ففاء مكسورة، فتحتيّة مشددة-: حجارة ثلاثة يوضع عليها القدر.
(و) هم أي: (القوم) الذين أكلوا (ألف) .
وفي «مستخرج أبي نعيم»: وهم سبعمائة، أو ثلثمائة. وللإسماعيلي ثمانمائة، أو ثلثمائة. وفي مسلم: ثلثمائة.
قال الحافظ ابن حجر: والحكم للزّائد، لمزيد علمه، ولأنّ القصّة متّحدة.
وفي رواية أبي الزّبير عن جابر: وأقعدهم عشرة عشرة يأكلون، (فأقسم بالله، لقد أكلوا حتّى تركوه، و)؛ انحرفوا أي: (انصرفوا) ومالوا عن الطعام؛ (وإنّ برمتنا لتغطّ) - بكسر الغين المعجمة، وشدّ الطّاء المهملة- (أي: تغلي) وتفور بحيث يسمع لها غطيط (كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو) لم ينقص من ذلك
[ ٢ / ١٦٧ ]
رواه البخاريّ ومسلم.
وعن جابر أيضا قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة؛
شيء، و«ما» في «كما» كافة، وهي مقحمة لدخول الكاف على الجملة، وهي مبتدأ والخبر محذوف، أي كما هي قبل ذلك. (رواه البخاريّ، ومسلم) في «صحيحيهما» في «كتاب المغازي» من حديث سعيد بن ميناء عن جابر.
وأخرجه البخاريّ وحده من رواية أيمن عن جابر بنحوه: وفي آخره:
فقال ﷺ «ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللّحم ويخمر البرمة والتنّور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا، وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة» .
وفي رواية يونس بن بكير: فما زال يقرّب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا. فقال: «كلي وأهدي»، فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.
وفي رواية أبي الزّبير عن جابر: فأكلنا نحن وأهديناا لجيراننا، فلما خرج ﷺ ذهب ذلك. انتهى.
وصريح هذا أنّ الذي باشر الغرف النّبيّ ﷺ، فيخالف ظاهر قوله «واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها»؛ أي: اغرفي من أن مباشرة المرأة!!.
ويمكن الجمع بينهما بأنّها كانت تساعده في الغرف. ولم يتعرّض الحافظ ابن حجر، ولا القسطلّانيّ لهذا. والله أعلم.
وفي ذلك علم من أعلام نبوّته ﷺ.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن جابر أيضا) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (قال: خرج رسول الله ﷺ)؛ أي: من بيته، أو من المسجد (وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار؛ فذبحت له شاة) .
[ ٢ / ١٦٨ ]
فأكل منها، وأتته بقناع- أي: طبق من رطب- فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر، وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشّاة، فأكل، ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ.
يؤخذ منه حلّ ذبح المرأة، لأن الظاهر أنّها ذبحت بنفسها حقيقة، ويحتمل أنّها أمرت بذبحها. والجزم به يحتاج إلى دليل.
(فأكل منها) أي: من تلك الشّاة (وأتته) أي: المرأة الأنصاريّة (بقناع) - بقاف مكسورة، فنون، فعين مهملة- (أي: طبق) يعمل من سعف النّخل يؤكل عليه. هذا هو المراد هنا.
(من رطب فأكل منه)؛ أي: من الرّطب (ثمّ توضّأ للظّهر)، يحتمل أنّه كان محدثا، فلا دلالة فيه على وجوب الوضوء ممّا مسّته النّار، ولا على ندبه، (وصلّى، ثمّ انصرف) من صلاته، أو من محلّها؛ (فأتته بعلالة) - بضمّ العين المهملة- أي بقية (من علالة الشّاة) أي: من بقيّة لحمها.
و«من» تبعيضيّة، أو بيانيّة، بل جعلها بيانيّة له وجه وجيه؛ (فأكل) .
فيه أنّه لا حرج في الأكل بعد الأكل، بل يندب ذلك جبرا لخاطر المضيف ونحوه؛ كما كان يفعله شيخنا العلّامة السيّد علوي المالكي رحمه الله تعالى، وإن لم يطل فصل؛ ولا انهضم الأوّل، أي إن أمن التّخمة باعتبار عادته، أو قلّة المأكول، أو لم يتخلّل بينهما شرب، لأنه حينئذ أكل واحد، وإلا؛ فهو مضرّ طبّا.
وفيه أنّه أكل من لحم في يوم مرّتين! لا أنه شبع في يوم مرّتين؛ كما وهم، إذ لا يلزم من أكله مرّتين الشّبع في كلّ منهما. فمن عارضه بقول عائشة رضي الله تعالى عنها السابق «ما شبع من لحم في يوم مرّتين» !! لم يكن على بصيرة.
(ثمّ صلّى العصر؛ ولم يتوضّأ) أي: لكونه لم يحدث.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وعن أمّ المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال معلّقة.
قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل. فقال ﷺ لعليّ: «مه يا عليّ، فإنّك ناقه» .
ويعلم منه أنّ الوضوء لا يجب مما مسّته النار. والله أعلم.
(و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» بإسناد حسن- كما قال العراقيّ- (عن أمّ المنذر) اسمها:
سلمى بنت قيس بن عمرو الأنصاريّة، من بني النّجار، إحدى خالات النّبيّ ﷺ من جهة أبيه؛ بايعت وصلّت إلى القبلتين.
لها صحبة، خرّج لها أبو داود والنّسائي (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
دخل عليّ) - بتشديد الياء المثناة- (رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال) - بفتح الدال المهملة، وتنوين اللام المكسورة-: أعذاق من بسر النّخل تعلّق، كلما أرطبت أكل منها على التّدريج، واحدتها: دالية.
(معلّقة) - بالرّفع، صفة مؤكّدة لدوال- (قالت:
فجعل) أي: شرع (رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل) بالجملة عطف على «جعل» (فقال ﷺ لعليّ: «مه)؛ أي: اكفف (يا عليّ، فإنّك ناقه») بكسر القاف بعده هاء. اسم فاعل. أي قريب برء من المرض لم تتقرّر صحّتك، نخاف عليك عود المرض؛ إن أكثرت. يقال نقه- بفتح القاف وكسرها- من بابي نفع وتعب؛ إذا برىء من المرض. فالنقاهة حالة بين الصّحة والمرض.
قال الأطباء: وأنفع ما يكون الحمية لناقه من المرض، فإنّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوّتها، والقوّة الهاضمة ضعيفة، والطّبيعة قابلة، والأعضاء مستعدّة، فتخليطه يوجب انتكاسا أصعب من ابتداء مرضه.
[ ٢ / ١٧٠ ]
قالت: فجلس عليّ والنّبيّ ﷺ يأكل.
قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا.
فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب؛
وقد اشتهر على الألسنة: «الحمية رأس الدّواء، والمعدة بيت الدّاء، وعوّدا كلّ جسد ما اعتاد» . وهو ليس بحديث، وإنّما هو من كلام الحارث بن كلدة، طبيب العرب.
ولا ينافي نهيه لعليّ خبر ابن ماجه أنّه عاد رجلا فقال له: «ما تشتهي؟» قال:
كعكا. وفي لفظ: خبز برّ. فقال: «من عنده خبز فليبعث إلى أخيه، وإذا اشتهى مريض أحدكم شيئا؛ فليطعمه» .
لأنّ العليل إذا اشتدّت شهوته لشيء ومالت إليه طبيعته، فتناول منه القليل لا يحصل له منه ضرر، لأنّ المعدة والطّبيعة يتلقّيانه بالقبول؛ فيندفع عنه ضرره، بل ربّما كان ذلك أكثر نفعا من كثير من الأدوية التي تنفر منها الطّبيعة. وهذا سرّ طبيّ لطيف.
(قالت: فجلس عليّ) أي: وترك أكل الرّطب (والنّبيّ ﷺ يأكل) .
فيه جواز الأكل قائما بلا كراهة، لكنّ تركه أفضل كما في «الأنوار» «١» .
(قالت: فجعلت) أي: فبسبب أمره ﷺ عليا بالتّرك لكونه ناقها؛ جعلت (لهم) المراد بالجمع ما فوق الواحد، وقيل: كان معهما ثالث.
واقتصر على ذكر علي فيما سبق!! لداعي بيان ما جرى بينه وبين النبيّ ﷺ.
(سلقا) - بكسر السّين المهملة، وسكون اللّام- وهو: النّبت المشهور ويقال له «سلك» بالكاف آخره. (وشعيرا) لأنّه نافع.
(فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب) أي: كل.
فالفاء في جواب شرط محذوف، أي: إذا حصل هذا فكل منه معنا.
_________________
(١) للأردبيلي.
[ ٢ / ١٧١ ]
فإنّ هذا أوفق لك» .
وعن عبد الله بن سلام
وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر أي: أصب من هذا؛ لا من غيره. أي:
خصّه بالإصابة ولا تتجاوزه. وفي التعبير ب «أصب» إشارة إلى أنّ أكله منه هو الصّواب.
(فإنّ هذا أوفق) أي: موافق (لك») فأفعل التّفضيل ليس على بابه، وإنما كان موافقا له، لأن ماء الشّعير نافع للنّاقه جدا، لا سيّما إذا طبخ بأصول السّلق فإنّه من أوفق الأغذية لضعيف المعدة، بخلاف الرّطب والعنب فإنّ الفاكهة تضرّ بالنّاقه لسرعة استحالتها، وضعف المعدة عن دفعها.
وفيه أنّ التّداوي مشروع، ولا ينافي التّوكّل اقتداء بسيّد المتوكّلين ﷺ.
(و) أخرج أبو داود والتّرمذيّ في «الشمائل» بسند حسن أو صحيح
(عن عبد الله بن سلام) بن الحارث الإسرائيليّ. وفي بعض النّسخ: عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه. وهذه النّسخة أصحّ، فالحديث من مسند يوسف بن عبد الله بن سلام، لا من مسند أبيه، وكلّ منهما صحابيّ جليل.
أما يوسف! فولد في حياة رسول الله ﷺ، وحمل إليه، وأقعده في حجره، وسمّاه يوسف، ومسح رأسه.
وكنيته أبو يعقوب. روى عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث، وروى عن أبيه، وعن عثمان وعليّ وأبي الدّرداء وغيرهم. وذكره ابن سعد في الطّبقة الخامسة من الصّحابة، وذكره جمع ممّن ألّف في الصّحابة.
وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال بعضهم: بقي إلى سنة مائة من الهجرة رضي الله تعالى عنه
وأما أبوه عبد الله بن سلام- بتخفيف اللام- فيكنّى أبا يوسف، أحد الأحبار والعلماء الأخيار، وأحد من شهد له رسول الله ﷺ بالجنّة.
[ ٢ / ١٧٢ ]
رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة من خبز، فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل.
روى عنه ابناه يوسف ومحمد وغيرهما، مات بالمدينة المنوّرة سنة ثلاث وأربعين هجرية (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة) - بكسر الكاف وسكون السّين- أي قطعة (من خبز فوضع عليها تمرة، وقال: «هذه) التمرة (إدام هذه») الكسرة، لأنّ التّمر كان طعاما مستقلا غير متعارف للائتدام، فأخبر أنّه يصلح له.
وفي نسخة من «الشمائل» زيادة: «فأكل» بالفاء. وفي نسخة بالواو.
وهذا الحديث يقوّي قول من ذهب من الأئمّة إلى أنّ التّمر إدام، كالإمام الشّافعي ومن وافقه.
ويؤخذ منه أنّه ﷺ كان يدبّر الغذاء، فإنّ الشّعير بارد يابس، والتّمر حارّ رطب، فكان ﷺ لا يجمع بين حارّين ولا باردين، ولا مسهّلين ولا قابضين ولا غليظين، ولا بين مختلفين؛ كقابض ومسهّل.
ولم يأكل طعاما قطّ في حال شدّة حرارته، ولا طبيخا بائتا مسخّنا، ولا شيئا من الأطعمة العفنة والمالحة، فإنّ ذلك كلّه ضارّ مولّد للخروج عن الصّحّة.
وبالجملة: فكان ﷺ يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض ما وجد إليه سبيلا، ولم يشرب على طعامه لئلا يفسده، ذكره ابن القيّم.
(و) أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «الشّمائل»، والحاكم بسند جيّد؛
(عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل) .
قال الزرقانيّ على «المواهب»: بضمّ الثّاء المثلّثة وكسرها، وقاف؛ في
[ ٢ / ١٧٣ ]
و(الثّفل): ما بقي من الطّعام في أسافل القدر والقصعة والصّحفة ونحوها. وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز،
الأصل!!: ما يثقل من كلّ شيء، وفسّر في خبر بالثّريد، وبما يقتات به، وبما يعلق بالقدر، وبطعام فيه شيء من حبّ أو دقيق.
قيل: والمراد هنا الثّريد. قال ابن الأثير: سمّي ثقلا لأنّه من الأقوات الثّقيلة، بخلاف المائعات.
(و) قال المصنّف تبعا لشرّاح «الشمائل»:
(الثّفل) - بضمّ المثلّثة وكسرها، وبسكون الفاء- (: ما بقي من الطّعام في أسافل القدر، و) الظّروف ك (القصعة والصّحفة ونحوها) . وقيل: الثّفل هو الثّريد. وهو مختار صاحب «النّهاية»، وما فسّره به المصنّف هو الذي فسّره به شيخ التّرمذي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ رحمه الله تعالى.
قال الباجوريّ كالمناويّ، وغيره: وإنّما فسّره الراوي! حذرا من توهّم خلاف المعنى المراد. ولعلّ حكمة إعجابه ﷺ بالثّفل أنّه منضوج غاية النّضج القريب إلى الهضم، فهو أهنأ وأمرأ وألذّ.
وفيه إشارة إلى التّواضع والقناعة باليسير. وكثير من الأغنياء يتكبّرون ويأنفون من أكل الثّفل، والله جعل جميل حكمته في أقواله وأفعاله وأحواله ﷺ، فطوبى لمن عرف قدره واقتفى أثره.
وأخرج أبو داود، وقال في بعض رواياته وهو حديث ضعيف. والحاكم وصحّحه وأقرّه الذّهبيّ كلاهما عن ابن عبّاس ﵄ قال (وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز) لمزيد نفعه، وسهولة مساغه، وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذة، والقوّة وقلة المؤونة في المضغ. ولذا قال ﵊: «أثردوا ولو بالماء» رواه الطّبرانيّ، والبيهقي مبالغة في
[ ٢ / ١٧٤ ]
والثّريد من الحيس. و(الحيس): التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدّقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتّى يختلط.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف،
تأكّد طلبه، والمراد ولو مرقا يقرب من الماء.
(والثّريد من الحيس) - بفتح الحاء المهملة، وإسكان المثنّاة التّحتية وآخره سين مهملة-
(و) هو أي (الحيس: التّمر مع السّمن والأقط) لبن مجفّف منزوع الزّبد- كما تقدّم-.
(وقد يجعل عوض) أي: بدل (الأقط الدّقيق؛ أو الفتيت) - بفاء ومثنّاتين فوقيّتين، بينهما مثنّاة تحتيّة؛ بوزن شتيت-: الخبز المفتوت، فعيل بمعنى مفعول. (فيدلك الجميع حتّى يختلط) . والأصل فيه الخلط. قال الرّاجز:
التّمر والسّمن جميعا والأقط الحيس إلّا أنّه لم يختلط
قال ابن رسلان: وصفته أن يؤخذ التّمر أو العجوة؛ فينزع منه النّوى، ويعجن بالسّمن أو نحوه، ثم يدلك باليد حتى يصير كالثّريد، وربّما جعل معه سويق.
انتهى. ذكره العزيزيّ على «الجامع الصّغير» .
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف) . روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذّراع، وكان أحبّ الشّاة إليه الحديث.
وروى أبو الشّيخ من حديث ابن عباس: كان أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ الكتف، وإسناده ضعيف. ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لم يكن
[ ٢ / ١٧٥ ]
ومن القدر الدّبّاء، ومن التّمر العجوة. ودعا في العجوة بالبركة، وكان يقول: «إنّها من الجنّة وهي شفاء من السّمّ والسّحر» .
يعجبه من الشّاة إلا الكتف، وتقدّم الكلام على الكتف والذّراع بزيادة عما هنا.
(ومن القدر) أي: المطبوخ في القدر (الدّبّاء) تقدّم حديث أنس: «كان يحبّ الدّبّاء» . ولأبي الشّيخ من حديث أنس: «كان أعجب الطعام إليه الدّبّاء» .
(ومن التّمر العجوة) المراد بالعجوة عجوة المدينة المنوّرة.
قال الزّمخشريّ: العجوة تمر بالمدينة من غرس رسول الله ﷺ. وهي أجود التّمر وألينه وألذّه، وأنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعا.
روى أبو الشيخ من حديث ابن عباس بسند ضعيف: كان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة. وكذا رواه أبو نعيم في «الطّبّ» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (ودعا) ﷺ (في العجوة بالبركة.
وكان يقول: «إنّها من الجنّة) يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنّها منها. وقال الحليميّ: معنى كونها من الجنّة أنّ فيها شبها من ثمار الجنّة في الطّبع. فلذلك صارت شفاء من السّمّ.
وقال السمهودي: لم يزل إطباق الناس على التّبرك بالعجوة، وهو النّوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السّلف بالمدينة المنوّرة، ولا يرتابون في ذلك.
(وهي شفاء من السّمّ والسّحر») روى الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه:
«من تصبّح بسبع تمرات من عجوة؛ لم يضرّه في ذلك اليوم سمّ ولا سحر» .
وأخرج البزّار، والطّبرانيّ في «الكبير» من حديث عبد الله بن الأسود قال:
كنّا عند رسول الله ﷺ في وفد سدوس، فأهديناا له تمرا الحديث.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وكان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة.
وكان ﷺ يحبّ الزّبد
وفيه: حتّى ذكرنا له تمرا؛ فقلنا له: هذا الجذاميّ فقال: «بارك الله في الجذاميّ، وفي حديقة خرج منها هذا» الحديث.
قال أبو موسى المدينيّ: قيل: هو تمر أحمر.
ولأحمد والترمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه من حديث أبي هريرة:
«العجوة من الجنّة، وهي شفاء من السّمّ» .
وروى أبو نعيم في «الطب» بسند ضعيف من حديث بريدة: «العجوة من فاكهة الجنّة»،
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم، والديلميّ من حديث رافع بن عمرو المزنيّ: «العجوة والصّخرة والشّجرة من الجنّة» .
ولابن النّجار من حديث ابن عباس: «العجوة من الجنّة، وفيها شفاء من السّمّ » الحديث.
(و) أخرج أبو نعيم في «الطّبّ»، وأبو الشّيخ بإسناد ضعيف: كلاهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة): عجوة المدينة المنورة.
(و) أخرج أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن- كما قال بعض الحفّاظ- كلاهما عن ابن بشر- بموحدة مكسورة، وشين معجمة-.
وابن بشر في الصحابة اثنان سلمانيان هما: عبد الله وعطية، فلا يعرف أيّهما المراد! قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ الزّبد) - بضمّ الزّاي، وسكون الموحّدة؛ كقفل-: ما يستخرج بالمخض من لبن بقر أو غنم، معز أو ضأن.
[ ٢ / ١٧٧ ]
والتّمر. وكان ﷺ يحبّ من البقول الهندباء، والشّمر، والرّجلة.
وأمّا لبن الإبل! فلا يسمّى ما يستخرج منه زبدا، بل يقال له «حباب»
(والتّمر) - بمثناة فوقيّة- يعني: يحبّ الجمع بينهما في الأكل، لأنّ الزّبد حارّ رطب، والتّمر بارد يابس.
وفي جمعه بينهما من الحكمة إصلاح كلّ منهما بالآخر.
قال النّوويّ: فيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها معا، وجواز أكل طعامين معا؛ وجواز التوّسع في المطاعم. ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك!!
وما نقل عن السّلف من خلافه! محمول على الكراهة في التّوسّع والترفّه والإكثار لغير مصلحة دينيّة.
وقال القرطبيّ: ويؤخذ منه مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللائق على قاعدة الطّبّ.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ من البقول الهندباء) - بكسر الهاء وسكون النّون وفتح الدّال المهملة، وقد تكسر مقصورة وتمدّ-: بقلة معروفة، تسمى عند بعض الناس ب «السّالط» وبعضهم يسمّيها
روى أبو نعيم في «الطّب» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «عليكم بالهندباء، فإنّه ما من يوم إلّا وهو يقطر عليه قطرة من قطر الجنّة» .
وفي سنده عمرو بن أبي سلمة. ضعّفه ابن معين وغيره!!
ولأبي نعيم، من حديث الحسن بن عليّ، وأنس بن مالك نحوه، وكلّها ضعيفة!
(والشّمر) - بالشين المعجمة، والميم المفتوحتين بغير ألف؛ هو: الشّمار- بألف؛ كسحاب- وهو الرازيانج، (والرّجلة) - بكسر الرّاء، وإسكان الجيم- هي البقلة الحمقاء.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وكان ﷺ يحبّ القثّاء.
وكان ﷺ يحبّ الجذب.
و(الجذب): الجمّار؛ وهو: شحم النّخل، واحدته: جذبه.
سمّيت بذلك!! لأنّها تنبت على طرق النّاس فتداس، وفي مسيل الماء فيقتلعها ماء السّيل، وأصل الرّجلة: المسيل، فسمّيت به البقلة، ومنه قولهم «أحمق من رجلة»؛ يعنون هذه البقلة.
روى أبو نعيم في «الطب» من رواية ثوير قال: مرّ النبيّ ﷺ بالرّجلة؛ وفي رجله قرحة فداواها بها فبرئت، فقال رسول الله ﷺ: «بارك الله فيك، انبتي حيث شئت؛ أنت شفاء من سبعين داء، أدناها الصّداع» وهو مرسل ضعيف.
(و) أخرج الطّبرانيّ في «الكبير» عن الرّبيّع- بضمّ الرّاء، وفتح الموحّدة وشدّ المثناة التحتيّة المكسورة مصغّرا مثقّلا- بنت معوّذ- بصيغة اسم الفاعل- الأنصارية النّجّاريّة؛ من صغار الصّحابة- بإسناد حسن- قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ القثّاء) - بكسر القاف أكثر من ضمّها ممدودا-:
نوع من الخيار أخفّ منه. وقيل: هو اسم جنس لما يقول له الناس الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثاءة، وإنّما كان يحبّها!! لإنعاش ريحها للروح وإطفائها لحرارة المعدة الملتهبة؛ سيما في أرض الحجاز، ولكونها بطيئة الانحدار عن المعدة، وكان كثيرا ما يعدّلها بنحو رطب أو تمر أو عسل كما سيأتي.
(و) في «النهاية» لابن الأثير: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ الجذب)؛ بالجيم والذّال المعجمة المفتوحتين. (والجذب: الجمّار) - بضم الجيم، وفتح الميم المشدّدة- (وهو: شحم النّخل) وهو قلبها، (واحدته جذبه)؛ بالهاء.
ورطبه الحلو بارد يابس في الأولى، وقيل في الثانية يعقل البطن.
وينفع من المرّة الصّفراء، والحرارة والدم الحاد، وينفع من الشّرى أكلا وضمادا، وكذا من الطاعون، ويختم القروح، وينفع من خشونة الحلق، نافع للسع
[ ٢ / ١٧٩ ]
وكان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين؛ لمكانهما من البول.
وكان لا يأكل من الشّاة سبعا: الذّكر، والأنثيين، والحيا- وهو الفرج-
الزّنبور ضمادا. انتهى «زرقاني» .
وفي البخاريّ عن ابن عمر: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ وهو يأكل جمّارة نخل الحديث.
(و) أخرج ابن السّنّي في كتاب «الطبّ النبويّ»، وفي جزء من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن الشخّير؛ من حديث ابن عباس بسند ضعيف، فيه أبو سعيد الحسن بن علي العدولي «أحد الكذّابين؛ كما قال العراقيّ» قال:
(كان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين) - تثنية كلية؛ وهي من الأحشاء معروفة، والكلو والكلوة- بالواو- لغة لأهل اليمن، وهما بضمّ الكاف ولا تكسر.
وقال الأزهريّ: الكليتين للإنسان ولكلّ حيوان، وهما منبت زرع الولد (لمكانهما) أي: لقربهما (من البول) لأنّهما كما في «التهذيب»: لحمتان حمراوان لاصقتان بعظم الصّلب عند الخاصرتين، فهما مجاورتان لتكوّن البول، وتجمّعه فتعافهما النفس، ومع ذلك يحلّ أكلهما!.
(و) في «كشف الغمة» و«الإحياء»: (كان) ﷺ (لا يأكل من الشّاة):
الواحدة من الغنم؛ للذكر والأنثى والمعز والضّأن (سبعا) مع كونها حلالا: (الذّكر، والأنثيين) أي: الخصيتين (والحيا) قال العزيزيّ بالقصر (وهو الفرج) . قال ابن الأثير: الحياء ممدود: الفرج من ذوات الخفّ والظّلف؛ نقله عنه المناويّ في «شرح الجامع»، والزّبيديّ في «شرح الإحياء» ساكتين عليه، لكن قال الحفنيّ على «الجامع» الحيا- بالقصر، وقول بعض الشرّاح بالمدّ غير ظاهر.
وفي «القاموس»: ما يؤيّد كلاميهما، فإنه قال: الحياء الفرج من ذوات
[ ٢ / ١٨٠ ]
والدّم، والمثانة، والمرارة، والغدد. ويكره لغيره أكلها.
الخفّ والظّلف والسّباع، وقد يقصر. قال في «شرحه»: قال الأزهريّ: وهو خطأ لا يجوز قصره إلا لشاعر ضرورة، وما جاء عن العرب إلا ممدودا!!!
وإنّما سمّي حياء باسم الحياء من الاستحياء، لأنه يستر عن الآدميّ من الحيوان ويستفحش التّصريح بذكره واسمه الموضوع له، ويستحى من ذلك ويكنّى عنه.
انتهى ملخصا
(والدّم) غير المسفوح كالكبد والطّحال؛ وأكله من كبد أضحيته؛ لبيان الجواز، وإشارة إلى طلب أكل شيء من الأضحية، أمّا الدّم المسفوح فحرام، والكلام في الحلال الّذي تعافه النّفس.
(والمثانة) وهي: مجمع البول، (والمرارة) وهي: ما في جوف الحيوان، فيها ماء أخضر، وكل حيوان له مرارة، إلّا الجمل فلا مرارة له، (والغدد) جمع غدّة- بالضّمّ- وهي: لحم يحدث من داء بين الجلد واللّحم، يتحرّك بالتّحريك، والغدّة للبعير؛ كالطّاعون للإنسان.
وإنّما لم يأكل هذه المذكورات! لأنّ الطّبع السّليم يعاف هذه الأشياء، وليس كلّ حلال تطيب النّفس لأكله.
(ويكره لغيره أكلها)، قال الخطابي: الدّم حرام إجماعا، وعامّة المذكورات معه مكروهة لا محرّمة، وقد يجوز أن يفرق بين القرائن التي جمعها نظم واحد؛ بدليل يقوم على بعضها، فيحكم له بخلاف حكم صواحباتها. انتهى.
وردّه أبو شامة بأنّه لم يرد بالدّم هنا ما فهمه الخطّابي، فإنّ الدّم المحرّم بالإجماع قد انفصل من الشّاة وخلت منه عروقها، فكيف يقول الرّاوي: كان يكره من الشّاة. - يعني: بعد ذبحها- سبعا، والسّبع موجودة فيها.
وأيضا؛ فمنصبه ﷺ يجلّ عن أن يوصف بأنّه كره شيئا هو منصوص على تحريمه على النّاس كافّة، وكان أكثرهم يكرهه قبل تحريمه، ولا يقدم على أكله إلّا الجفاة في شظف من العيش وجهد من القلّة.
[ ٢ / ١٨١ ]
وكان ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين.
وكان ﷺ يعاف الضّبّ،
وإنّما وجه هذا الحديث المنقطع الضعيف: أنه كره من الشّاة ما كان من أجزائها دما منعقدا مما يحلّ أكله، لكونه دما غير مسفوح، كما في خبر: «أحلّ لنا ميتتان ودمان» . فكأنّه أشار بالكراهة إلى الكبد والطّحال مما ثبت أنّه أكله!! والله أعلم.
انتهى من شرح «الإحياء»، ومن شرح المناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث رواه الطّبراني في «الأوسط»؛ من حديث ابن عمر، وفيه يحيى الحمّاني، وهو ضعيف. ورواه البيهقي؛ عن مجاهد مرسلا. ورواه ابن عدي، والبيهقي؛ عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال البيهقي:
ووصله لا يصحّ.
ولفظ الحديث: كان ﷺ يكره من الشّاة سبعا: المرارة والمثانة والحيا والذّكر والأنثيين والغدّة والدّم؛ وكان أحبّ الشّاة إليه مقدّمها. انتهى.
(و) أخرج ابن صصرى في «أماليه الحديثيّة»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما وهو حديث حسن لغيره؛ قال: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين) - بضم الكاف- تثنية كلية، لقربهما من محل البول، وتمام الحديث: ولا الضّبّ؛ من غير أن يحرّمها. انتهى. أي: كان يعاف المذكورات من غير أن يحرّمها، وقد أكل الضّبّ على مائدته؛ وهو ينظر!!.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يعاف الضّبّ) وهو دابّة من الحشرات، وهو أنواع، فمنها ما هو على قدر الجرذون، ومنها أكبر منه، ومنها دون العنز، وهو أعظمها.
وهو يعيش سبعمائة عام، ولا يشرب الماء، بل يكتفي بالنّسيم، ويبول في كل أربعين يوما قطرة، وأسنانه قطعة واحدة معوجة، وإذا فارق جحره لم يعرفه، ويبيض كالطير، ومن عجيب خلقه أن الذكر له زبّان، والأنثى لها فرجان تبيض
[ ٢ / ١٨٢ ]
والطّحال، ولا يحرّمهما.
وكان ﷺ لا يأكل الثّوم
منهما، وذنب الضّبّ ذو عقد، والضّبّ يتلوّن ألوانا نحو الشّمس؛ كما تتلوّن الحرباء، وهو أحرش الذّنب خشنه مفقّره، ولونه إلى الصحمة؛ وهو غبرة مشربة سوادا، وإذا سمن اصفرّ صدره، ولا يأكل إلّا الجنادب والدّبا والعشب، ولا يأكل الهوام. انتهى «شرح القاموس» مع زيادة من «المصباح» .
(و) يعاف (الطّحال) - بكسر الطّاء- معروف، ويقال: هو لكل ذي كرش، إلّا الفرس فلا طحال له، والجمع طحالات، وأطحلة؛ مثل لسان وألسنة، وطحل؛ مثل كتاب وكتب.
(ولا يحرّمهما)، أما الضّبّ!
ففي «الصّحيحين»؛ من حديث ابن عباس: «لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» .
وفي «الصّحيحين» من حديث ابن عمر: «لست باكله ولا محرمه» .
وأما الطّحال!
فروى ابن ماجه من حديث ابن عمر: «أحلّت لنا ميتتان ودمان» .
وفيه: «وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» . وللبيهقي موقوفا على زيد بن ثابت:
«إنّي لا آكل الطّحال، وما بي إليه حاجة؛ إلّا ليعلم أهلي أنّه لا بأس به» .
وقد سبق قريبا حديث ابن صصرى في «أماليه»: كان لا يأكل الجراد ولا الكلوتين، ولا الضّبّ من غير أن يحرّمهما.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية»، والخطيب في «التاريخ»، والدّارقطني في «غرائب مالك»: كلهم؛ عن أنس بن مالك، وهو حديث حسن لغيره- كما في «العزيزي» - قال:
(كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل الثّوم) - بضم المثلّثة- أي: النّيء؛
[ ٢ / ١٨٣ ]
ولا البصل، ولا الكرّاث؛ من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل. وما ذمّ ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه..
أكله، وإلّا.. تركه.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء»،
(ولا البصل) أي: النّيء، (ولا الكرّاث) - بضم الكاف، وقد تفتح؛ مع تشديد الرّاء فيهما، بوزن رمّان وكتّان- (من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل)، فكان يكره أكل ذلك؛ خوفا من تأذّي الملائكة به.
(و) في «الإحياء»: (ما ذمّ) رسول الله (ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله وإلّا تركه) . رواه البخاري ومسلم، ولفظه: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. وفي رواية لمسلم: وإن لم يشتهيه سكت.
قال النّوويّ في «شرح مسلم»: هذا أدب من آداب الطّعام، كقوله: مالح، قليل الملح، حامض رقيق، غليظ غير ناضج، أو نحو ذلك.
وأما حديث ترك أكل الضب! فليس هو من عيب الطّعام، وإنّما هو إخبار بأنّ هذا الطّعام الخاصّ لا أشتهيه. انتهى.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» (عن عائشة أمّ المؤمنين) إنّما سمّيت زوجات النّبيّ ﷺ أمّهات المؤمنين!! لحرمتهنّ عليهم. وقيل: لوجوب رعايتهنّ واحترامهنّ. وعلى الأوّل؛ فلا يقال: أمّهات المؤمنات، وعلى الثّاني! يقال ذلك. (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان النّبيّ ﷺ يأتيني) أي: في أوّل النّهار؛ (فيقول: «أعندك غداء») - بفتح الغين المعجمة وبالدّال المهملة مع المدّ-؛ وهو: الطّعام الّذي يؤكل أوّل
[ ٢ / ١٨٤ ]
فأقول: لا، فيقول: «إنّي صائم»، قالت: فأتاني يوما؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنّه أهديت لنا هديّة، قال: «وما هي؟»، قلت: حيس
النّهار، وأمّا بكسر الغين المعجمة وبالذّال المعجمة أيضا! فهو ما يؤكل على وجه التّغذّي، مطلقا، فيشمل العشاء كما يشمل الغداء.
(فأقول: لا) أي: ليس عندي غداء. (فيقول: «إنّي صائم») أي: ينوي الصّوم بهذه العبارة، وهو صريح في جواز نيّة صوم النّفل نهارا «١»، لكن إلى الزّوال عند الشّافعي، وأوجب مالك التّبييت كالفرض لإطلاق خبر «من لم يبيّت الصّيام فلا صيام له» . وحمل «إنّي صائم»؛ على أنّي كنت.
وأجيب بأنّه تأويل بعيد عن ظاهر اللّفظ، والأصل تراخي رتبة النّفل عن الفرض، فلا يشكل الفرق بينهما، وفي قوله: «إنّي صائم» إيماء إلى أنّه لا بأس بإظهار النّفل لقصد التّعليم.
(قالت: فأتاني يوما، فقلت: يا رسول الله، إنّه أهديت) بصيغة المجهول، أي: أرسلت (لنا هديّة، قال: «وما هي»؟ قلت: حيس) - بفتح الحاء المهملة، وسكون التّحتيّة وفي آخره سين مهملة- وهو التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتى يختلط، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدّكم الصّغار بعينه لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
عجب لتلك قضيّة، وإقامتي فيكم على تلك القضيّة أعجب
_________________
(١) مما يجب التنبيه عليه ههنا: أن هذه النية ينبغي أن تشمل القصد ما تقدمها من أجزاء اليوم قبل إنشائها؛ فينوي أنه صائم من الفجر فليعلم؛ فإن أكثر الناس عنه غافلون. وفيه وجه توفيق من كلام مالك الآتي بعده. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٨٥ ]
قال: «أما إنّي أصبحت صائما»، قالت: ثمّ أكل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. سأل عنه:
«أهديّة أم صدقة؟»، فإن قيل صدقة.. قال لأصحابه: «كلوا»، ولم يأكل. وإن قيل هديّة.. ضرب بيده فأكل معهم.
وكان ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر
(قال: «أما) - بالتّخفيف؛ للتّنبيه- (إنّي أصبحت صائما») إخبار عن كونه صائما، فيكون قد نوى من اللّيل. (قالت: ثمّ أكل)، هذا صريح في حلّ قطع النّفل، - وهو مذهب الشّافعي كالأكثر- ويوافقه خبر «الصّائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» . وأمّا قوله تعالى وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) [محمد] ! فهو في الفرض وجوبا، والنّفل ندبا؛ جمعا بين الأدلة.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم والنّسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتي) بالبناء للمجهول (بطعام) - زاد في رواية الإمام أحمد: من غير أهله- (سأل عنه) ممن أتى به (: «أهديّة أم صدقة؟») - بالرّفع، خبر مبتدأ محذوف- أي: هذا، أي: عيّنوا لي أحد الأمرين.
(فإن قيل:) هو (صدقة؛ قال لأصحابه) أي: من حضر منهم (: «كلوا»، ولم يأكل) هو منه، لأنّ الصّدقة حرام عليه.
(وإن قيل:) هو (هديّة) - بالرّفع- (ضرب بيده) أي: مدّ يده وشرع في الأكل مسرعا؛ (فأكل معهم) من غير تحام عنه؛ تشبيها للمدّ بالذّهاب سريعا في الأرض، فعدّاه بالباء، وذلك لأن الهدية يقصد فيها إكرام المهدى إليه، والصّدقة لم يقصد بها ذلك، بل يقصد بها ثواب الآخرة، ففيها نوع ذلّ للآخذ.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» والبزّار بإسناد صحيح؛ عن عمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر
[ ٢ / ١٨٦ ]
صاحبها أن يأكل منها؛ للشّاة الّتي أهديت له.
وكان له ﷺ لقاح وغنم يتقوّت من ألبانها هو وأهله، وكان لا يحبّ أن تزيد على مئة، وإن زادت.. ذبح الزّائد.
وكان له جيران
صاحبها أن يأكل منها. للشّاة) أي: لأجل قصّة الشّاة (الّتي أهديت له) يوم خيبر؛ وفيها سمّ، فأكلوا منها، فمات بعض أصحابه، وصار المصطفى ﷺ يعاوده الأذى منها حتّى توفاه الله تعالى إلى كرامته.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان له ﷺ لقاح) - بكسر اللّام فقط، وخفة القاف، جمع لقحة؛ بكسر اللام وفتحها- هي:
النّاقة القريبة العهد بالولادة، إلى ثلاثة أشهر، ثمّ هي بعد الثلاثة لبون، وجاء اللّقحة في البقر والغنم أيضا، فمن لقاحه: القصواء والعضباء.
قال ابن القيّم في «الهدي النبوي»: كانت له خمسة وأربعون لقحة؛ منها:
أطلال وأطراف وبرده، والبغوم والحنّا والرّيا، والسّعدية والسّمراء والشّقراء، والعريّس ومروة ومهرة.
(و) كان له (غنم)، منها شاة تسمّى: زمزم والسّقيا وعجرة وغوثة- وقيل غيثة- وقمر واليمن (يتقوّت من ألبانها) أي: اللّقاح والغنم (هو وأهله.
وكان) له مائة شاة (لا يحبّ أن تزيد على مائة، وإن زادت؟ ذبح الزّائد) رواه أبو داود من حديث لقيط بن صبرة العقيلي؛ عن النبي ﷺ، ولفظه:
لنا غنم مائة، لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولّد الرّاعي بهمة ذبحنا مكانها شاة الحديث.
(وكان له جيران) - بكسر الجيم- جمع جار، وهو المجاور في السّكن من الأنصار؛ سعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وأبو أيّوب خالد بن زيد،
[ ٢ / ١٨٧ ]
لهم منائح، يرسلون له من ألبانها فيأكل منها ويشرب، وكان له ﷺ سبعة أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن حاضنته ﷺ.
وسعد بن زرارة، وغيرهم؛ قاله الحافظ ابن حجر.
(لهم منائح) - بنون، وآخره حاء مهملة-: جمع منيحة، وهي العطيّة لفظا ومعنى، أي: غنم فيها لبن، وأصلها: عطيّة النّاقة؛ أو الشّاة، وقيل: لا يقال:
منيحة إلّا للنّاقة، وتستعار للشّاة.
قال الحربي: يقولون: منحتك النّاقة. وأعريتك النّخلة، وأعمرتك الدّار، وأخدمتك العبد، وكل ذلك هبة منافع؛ لا رقبة. فظهر بهذا أنّ المنيحة في الأصل شاة أو بقرة يعطيها صاحبها لمن يشرب لبنها، ثمّ يردّها إذا انقطع اللّبن، ثمّ كثر استعمالها حتى أطلق على كل شاة أو بقرة معدّة لشرب لبنها.
لكنّ المراد هنا الشّياه، فقد قال اليعمري: وأمّا البقر! فلم ينقل أنّه ﷺ ملك منها شيئا. انتهى. أي: للقنية، فلا يرد عليه ما في «الصّحيح» أنّه ﷺ ضحّى عن نسائه بالبقر في حجّة الوداع!! قاله الزّرقاني رحمه الله تعالى.
(يرسلون له) ﷺ (من ألبانها فيأكل منها، ويشرب) هو وأهل بيته، (وكان له ﷺ سبعة أعنز) - جمع عنز، وهي: الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول- (منائح ترعاهنّ أمّ أيمن): بركة الحبشية؛ (حاضنته ﷺ) .
روى محمد بن سعد «كاتب الواقديّ» في «الطّبقات»؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان عيشنا مع رسول الله ﷺ اللّبن- أو قالت: أكثر عيشنا-.
كانت لرسول الله ﷺ بالغابة الحديث.
وفي رواية له: كانت لنا أعنز سبع، فكان الراعي يبلغ بهن مرة الجمد، ومرة أحدا ويروح بهن علينا، وكانت لرسول الله ﷺ لقاح بذي الجدر، فيثوب إلينا ألبانها بالليل الحديث.
وفي إسنادهما محمد بن عمر الواقدي!! ضعيف في الحديث.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وكان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب.
وكان ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد،
وفي «الصحيحين» من حديث سلمة بن الأكوع: كانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد الحديث. وقد تقدم حديث «الصحيحين»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وفيه: كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار؛ وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه.
(و) في «كشف الغمة»: (كان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب) تقدّم أنه ﷺ خرج إلى بستان أبي الهيثم بن التيّهان فيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة؛ وقال: حسن غريب صحيح.
والقصة عند مسلم لكن ليس فيها ذكر لأبي الهيثم، وإنما قال «رجل من الأنصار» !!
وكذلك خرج ﷺ إلى بستان أبي أيوب الأنصاري؛ كما رواه الطبراني في «المعجم الصغير» من حديث ابن عباس بسند ضعيف.
وخرج أيضا إلى بساتين غيرهما؛ كما ذكره في «شرح الإحياء» .
(و) في «كشف الغمة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد) . قال العراقي: رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أنس:
كان يجيب دعوة المملوك. قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: بل ضعيفه.
وللدارقطني في «غرائب مالك» والخطيب في «أسماء رواة مالك»؛ من حديث أبي هريرة: كان يجيب دعوة العبد إلى أيّ طعام دعي، ويقول: «لو دعيت إلى كراع لأجبت» .
وهذا بعمومه دالّ على إجابة دعوة الحرّ، وهذه القطعة الأخيرة عند البخاري؛ من حديث أبي هريرة. وروى ابن سعد من رواية حمزة بن عبد الله بن عتبة: كان
[ ٢ / ١٨٩ ]
ويقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها ويأكلها؛ ولا يأكل الصّدقة.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد.. أعلم به ربّ المنزل؛
لا يدعوه أحمر ولا أسود من النّاس إلّا أجابه الحديث، وهو مرسل. انتهى.
(و) كان رسول الله ﷺ (يقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها) .
قال العراقيّ: روى البخاريّ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وأمّا ذكر جرعة اللّبن وفخذ الأرنب!! ففي «الصحيحين» من حديث أمّ الفضل أنّها أرسلت بقدح من اللّبن إلى النّبي ﷺ؛ وهو واقف بعرفة، فشربه.
ولأحمد من حديث عائشة: أهدت أمّ سلمة لرسول الله ﷺ. انتهى.
قلت: والّذي رواه البخاريّ من جهة قبول الهديّة والإثابة عليها رواه كذلك أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «السنن»؛ وفي «الشمائل» .
ومعنى «يثيب عليها» - أي: يجازي عليها- فيسنّ التّأسّي به ﷺ، ولكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قوية فيها، وندب الإثابة حيث لم يظنّ المهدى إليه: أنّ المهدي إنّما أهدى له حياء؛ لا في مقابل، فأمّا إذا ظنّ أنّ الباعث عليه إنّما هو الإثابة!! فلا يجوز له إلّا إن أثابه بقدر ما في ظنّه مما تدلّ عليه قرائن حاله؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) كان ﷺ (يأكلها)؛ أي: الهدية، (ولا يأكل الصّدقة) .
رواه الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد والطّبراني؛ من حديث سلمان، ورواه ابن سعد؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد؛ أعلم به ربّ المنزل)،
[ ٢ / ١٩٠ ]
فيقول: «إنّ هذا تبعنا، فإن شئت.. رجع» .
وكان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده.
كما في البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ عن أبي مسعود الأنصاري قال:
كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحّام، فقال: اجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإنّي أريد أن أدعو رسول الله ﷺ، وقد عرفت في وجهه الجوع!! فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة؛ فتبعهم رجل، فقال النّبيّ ﷺ:
«إنّك دعوتني خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا!! فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته» . قال: بل أذنت له.
وفي رواية: «اتّبعنا»، بالتّشديد. وفي رواية: «لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل» . وفي أخرى: «وإن شئت أن يرجع رجع»، وفي رواية:
«وإن شئت رجع»، فقال: لا، بل أذنت له يا رسول الله.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرّجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا اسم واحد من الأربعة، ولا اسم الغلام اللّحام!!
(فيقول: «إنّ هذا تبعنا) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وكسر الموحّدة، كما ضبطه القسطلاني كغيره- أي: تبعنا من غير طلب له. (فإن شئت رجع»)؛
ففيه أنّ من تطفّل في الدّعوة كان لصاحبها الخيار في حرمانه، فإن دخل بلا إذن فله إخراجه، وحرمة التّطفّل ما لم يعلم رضا المالك به، لما بينهما من أنس وانبساط.
وقيّد بالدّعوة الخاصّة. أمّا العامّة! كأن فتح الباب ليدخل من شاء فلا تطفّل.
وفي «سنن أبي داود» بسند ضعيف؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رفعه: «من دخل بغير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا» .
(و) أخرج الطّبراني، والخرائطي: (كان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده) .
[ ٢ / ١٩١ ]
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي. وكان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ،
(و) يؤيّده ما أخرجه أبو يعلى، والطّبراني في «الأوسط»، وابن عدي في «الكامل»، وابن حبّان، والبيهقي، والضّياء؛ من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، - بإسناد حسن؛ كما قال العراقي- قال:
(كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي)، لما فيه من السّخاء بالطّعام وقلّة الأكل وكثرة البركة
(و) في «المواهب»: (كان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا) .
وفي حديث أبي هريرة ما يؤيّد ذلك في قصّة شرب اللبن، وقوله مرارا «اشرب»، فما زال يقول «اشرب» حتّى قال أبو هريرة: والّذي بعثك بالحقّ لا أجد له مسلكا. رواه البخاري مطوّلا في كتاب «الرّقاق»؛ من «صحيحه» .
(و) في «المواهب» و«الشّفاء»:
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا) - بكسر الشّين المعجمة، وفتح الباء، وهو تمييز، أو مفعول له- (قطّ)، بل كان إذا تغدّى لم يتعشّ، وإذا تعشّى لم يتغدّ.
رواه أبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وقد تقدّم.
وقول عائشة «لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قط» ! محمول على الشّبع الّذي يثقل المعدة، ويثبّط عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنّوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التّحريم؛ بحسب ما يترتّب عليه من المفسدة.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وإنّه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه.. أكل، وما أطعموه.. [قبله]، وما سقوه.. شرب.
وكان ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه، أو يشرب.
وليس المراد الشّبع النّسبيّ المعتاد في الجملة، ففي «صحيح مسلم» خروجه ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر من الجوع وذهابهم إلى بيت الأنصاري، وذبحه الشّاة، وفيه: فلما أن شبعوا ورووا!!. قال النّووي: فيه جواز الشّبع.
وما جاء في كراهته! محمول على المداومة عليه، فلا ينافي هذا الحديث وغيره من الأحاديث الدّالّة على جوازه، وقد ترجم البخاري «باب من أكل حتّى شبع»، وأورد حديث دخوله ﷺ منزل أبي طلحة، وقوله له: «اذن لعشرة ثمّ عشرة»، فأكل القوم كلّهم وشبعوا، وهم ثمانون، وحديث أبي بكر: كنّا مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومائة الحديث؛ وفيه: فأكلنا أجمعون، وشبعنا.
(وأنّه) ﷺ (كان في أهله لا يسألهم طعاما)، أي: لا يكلّفهم شيئا ليس عندهم، أو ما لا يريدون إحضاره لغرض آخر يتعلّق بهم، فلا ينافيه قوله: «هل عندكم من غداء؟» .
(ولا يتشهّاه) إذ التّشهّي آية الحبّ، وهو منزّه عنه!
(إن أطعموه أكل، وما أطعموه) قدّموه له ليأكله ([قبله]) منهم، فيأكل منه.
(وما سقوه) من الأشربة لبن أو غيره (شرب)، وهذا كان غالب أحواله ﷺ.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه! أو يشرب) . أخرج التّرمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ عن كبشة:
دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلّقة قائما الحديث.
وقد تقدّم حديث أبي داود والتّرمذي و«الشّمائل»؛ عن أمّ المنذر بنت قيس:
[ ٢ / ١٩٣ ]
وعن سلمان
دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ، وعليّ ناقه، ولنا دوال معلّقة، فقام رسول الله ﷺ، فأكل منها الحديث، وإسناده حسن كما قال العراقي.
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و«الشمائل»؛ (عن) أبي عبد الله (سلمان) الفارسيّ «مولى رسول الله ﷺ» سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام؛ لأنّه كان لا ينتسب إلى أب.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا انتسبوا لقيس أو تميم
أصله من فارس، من جيّ- بفتح الجيم وتشديد الياء-: قرية من قرى أصبهان، وقيل: من «رام هرمز» .
وسبب إسلامه مشهور، وأنّه هرب من أبيه؛ وكان مجوسيّا؛ فلحق براهب، ثمّ جماعة من الرّهبان.. واحد بعد واحد، يصحبهم إلى وفاتهم، إلى أن دلّه الأخير على الذّهاب إلى الحجاز، وأخبره بظهور النّبيّ ﷺ، فقصده مع عرب، فغدروا به؛ وباعوه في وادي القرى ليهودي.
ثم اشتراه منه يهودي من قريظة، فقدم به المدينة، فأقام بها مدّة حتى قدمها رسول الله ﷺ؛ فأتاه بصدقة، فلم يأكل منها، ثمّ بعد مدّة أتاه بهديّة فأكل منها، ثمّ رأى خاتم النّبوّة، وكان الرّاهب الأخير وصف له هذه العلامات الثّلاث للنّبيّ ﷺ.
قال سلمان: فرأيت الخاتم، فقبّلته وبكيت، فأجلسني رسول الله ﷺ بين يديه، فحدّثني بشأني كله، وفاتني معه بدر وأحد بسبب الرّقّ، وأوّل مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يتخلّف عن مشهد بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدّرداء.
وكان من فضلاء الصّحابة وزهّادهم وعلمائهم وذوي القرب من رسول الله ﷺ، وهو الّذي أشار على رسول الله ﷺ بحفر الخندق يوم الأحزاب.
وسكن العراق، وكان يعمل الخوص بيده؛ فيأكل منه، وكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج فرّقه.
[ ٢ / ١٩٤ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قرأت في «التّوراة»: إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت في التّوراة، فقال رسول الله ﷺ: «بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده» .
ونقلوا اتّفاق العلماء على أنّ سلمان الفارسي عاش مائتين وخمسين سنة.
وقيل: ثلثمائة وخمسين سنة.
روي له عن رسول الله ﷺ ستّون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم على ثلاثة، ولمسلم ثلاثة.
روى عنه ابن عبّاس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو الطّفيل رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه جماعات من التّابعين.
توفّي سلمان بالمدائن في أوّل سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين: وقيل غير ذلك.
(رضي الله تعالى عنه؛ قال: قرأت في «التّوراة»): الكتاب المنزل على موسى ﷺ، وهو أعظم الكتب بعد القرآن: «إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده» يصحّ قراءته بكسر همزة «إنّ» على أنّ المعنى أنّ هذه الجملة في «التّوراة»، ويصح الفتح أيضا.
(فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت) أي: بقراءتي (في «التّوراة») على أنّ «ما» مصدريّة، فلا يغني عنه ذكرت ذلك للنّبي ﷺ.
(فقال رسول الله ﷺ): مقرا لسلمان على ما أخبر أنّه قرأه في «التّوراة»؛ وإن كان لم ينزل عليه، لأنّه إخبار عن شيء يحصل به البركة، والأخبار لا تنسخ.
فقال:
(«بركة الطّعام الوضوء)، يعني: غسل اليدين (قبله) أي: قبل الطّعام عند إرادته، بحيث ينسب إليه عرفا، (والوضوء)، يعني: غسل اليدين (بعده»)،
[ ٢ / ١٩٥ ]
والمراد بالوضوء هنا المعنى اللّغويّ؛ وهو: غسل الكفّين.
أي: عقب الفراغ من الأكل، فيحصل بالوضوء الأوّل استمراؤه على الأكل وحصول نفعه، وزوال ضرره، وترتّب الأخلاق الكريمة والعزائم الجميلة عليه، ويحصل بالوضوء الثّاني زوال الدّسم ونحوه، المستلزم لبعد الشّيطان ودحضه.
(والمراد بالوضوء هنا): في هذا الحديث؛ (المعنى اللّغويّ؛ وهو غسل الكفّين) كما علمت مما قرّرناه، وقول بعض الشّافعية «أراد الوضوء الشّرعيّ» !! يدفعه تصريحهم بأنّ الوضوء الشّرعيّ ليس سنّة عند الأكل. قال التّرمذيّ في «جامعه»: لا يعرف هذا الحديث؛ أي: حديث سلمان إلّا من حديث قيس بن الربيع، وهو ضعيف. انتهى.
وتمسّك به بعضهم على ندب غسل اليد قبله وبعده؛ وإن لم يكن بها لوث البتّة، ويعضده خبر الطّبراني في «الأوسط»: «الوضوء قبل الطّعام وبعده ينفي الفقر، وهو من سنن المرسلين» .
وكان حجّة الإسلام يميل إلى ذلك، حيث قال: الأكل بقصد الاستعانة على الدّين عبادة، فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطّهارة من الصّلاة!!
لكن ذهب النّوويّ رحمه الله تعالى إلى حمله في الغسل «بعده»؛ على ما إذا علق بها منه شيء، وإلّا فلا يسنّ، وكذا قبله إن تحقّق نظافتها، أي: وكان يأكل وحده، وإلّا: فيظهر سنّ غسلها مطلقا، كما بحثه ابن حجر؛ تطييبا لخاطر جليسه.
ويسنّ تقديم الصّبيان على المشايخ في الغسل قبل الطّعام؛ لأنّ أيدي الصّبيان أقرب إلى الوسخ، وقد يفقد الماء لو قدم المشايخ «١» .
وأمّا بعد الطّعام! فبالعكس إكراما للشّيوخ، وهذا في غير صاحب الطّعام،
_________________
(١) قلت: وخير من هذا التعليل أن يقال: إن الصبيان أحق بالانتظار على المائدة من الشيوخ فيتهيأون قبلهم؛ فإذا غسل الشيوخ بدأوا دون انتظار أحد. «عبد الجليل» .
[ ٢ / ١٩٦ ]
وأمّا هو فيقدم بالغسل قبل الطّعام ويتأخّر بعده؛ لأنّه يدعو النّاس إلى كرمه، فيحقّ أن يتقدّم.
ويسنّ تنشيف اليدين من الغسل بعد الطّعام، لا قبله؛ لأنّه ربّما كان بالمنديل وسخ يعلق باليد، ولأنّ بقاء أثر الماء يمنع شدّة التصاق الدّهنية باليدين، والله أعلم. انتهى. «مناوي على «الشّمائل» رحمه الله تعالى» .
[ ٢ / ١٩٧ ]