الفصل السّابع في صفة غضبه ﷺ وسروره كان رسول الله ﷺ إذا غضب.. يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته.
وكان ﷺ إذا غضب.. احمرّت وجنتاه.
(الفصل السّابع)؛ من الباب الثاني (في) بيان ما ورد في (صفة غضبه ﷺ و) في صفة (سروره)، أما غضبه فقد ذكر العارف الشعراني في كتاب «كشف الغمة»: أنّه (كان رسول الله ﷺ إذا غضب) لله تعالى (يرى رضاه وغضبه)؛ أي: أثرهما (في وجهه) الشريف (لصفاء بشرته) - محرّكة-: ظاهر الجلد، لأنّه ﷺ لطيف الظاهر والباطن، وهو علامة اعتدال المزاج.
روى أبو الشيخ في «كتاب أخلاق النبي ﷺ»؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ يعرف رضاه وغضبه بوجهه الحديث، وإسناده ضعيف.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير»؛ عن ابن مسعود، وعن أم سلمة ﵂: (كان) رسول الله (ﷺ إذا غضب احمرّت وجنتاه) تثنية وجنة؛ وهي ما ارتفع من لحم الخدّ، والجمع وجنات؛ مثل سجدة وسجدات، وهذا لا ينافي ما وصفه الله به من الرأفة والرحمة، لأنّه كما أنّ الرحمة والرّضا لا بدّ منهما للاحتياج إليهما؛ كذلك الغضب في حيّزه وأوانه ووقته وإبّانه، قال تعالى (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) [٢/ النور]، وقال (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) [٢٩/ الفتح]، فهو إذا غضب إنما يغضب لإشراق نور الله على قلبه؛ ليقيم حقوقه وينفّذ أوامره، وليس هو من قبيل العلو في الأرض، وتعظيم المرء نفسه، وطلب تفرّدها بالرئاسة، ونفاذ الكلمة في شيء.
[ ١ / ٣٧٧ ]
وكان ﷺ إذا غضب وهو قائم.. جلس، وإذا غضب وهو جالس.. اضطجع، فيذهب غضبه.
وكان ﷺ إذا غضب.. لم يجترىء عليه أحد إلّا عليّ. وكان ﷺ أبعد النّاس غضبا، وأسرعهم رضا.
وكان ﷺ يغضب لربّه ﷿، ولا يغضب لنفسه.
(و) أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب «ذم الغضب»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا غضب وهو قائم جلس، وإذا غضب وهو جالس اضطجع)، لأن ذلك أبعد عن المسارعة إلى الانتقام؛ وأسكن للحدّة، (فيذهب غضبه) وهو تعليم للأمّة، وإلا فغضبه ﷺ لله تعالى فلا ينبغي تسكينه، وكان تارة يتوضّأ لإطفاء الغضب.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية»، والحاكم في «المستدرك»؛ وقال:
صحيح، والطبراني بزيادة؛ كلّهم عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ إذا غضب لم يجترىء) - بسكون الهمزة- (عليه أحد) . زاد الطبراني: أن يكلمه (إلّا) أمير المؤمنين (عليّ) بن أبي طالب، لما يعلمه من مكانته عنده وتمكّن ودّه من قلبه بحيث يحتمل كلامه في حال الحدّة، فأعظم بها منقبة للإمام علي تفرّد بها عن غيره.
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان) رسول الله (ﷺ أبعد النّاس غضبا، وأسرعهم رضا) . هذا من المعلوم.
ويدلّ على ذلك إخباره ﷺ: أنّ بني آدم خيرهم بطيء الغضب سريع الفيء.
رواه الترمذي؛ من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: حديث حسن، وهو ﷺ خير بني آدم وسيّدهم.
(و) في «كشف الغمة» «كالإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يغضب لربّه ﷿)، ولا يغضب لأجل الدنيا، لعدم نظره إليها ومبالاته بها، (ولا يغضب لنفسه)،
[ ١ / ٣٧٨ ]
وكان ينفّذ الحقّ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه.
وكان ﷺ إذا كره شيئا.. عرف ذلك في وجهه.
ولا ينتصر لها، بل يعفو عن المعتدي عليه؛ لكمال حسن خلقه، فلم يبق فيه حظّ من حظوظ الدنيا وشهواتها وإراداتها، بل تمحّضت حظوظه وأغراضه وإرادته لله ﷾، فهو معرض عن حقوق نفسه؛ قائم بحقوق ربه.
قال العراقي: رواه الترمذي في «الشمائل»؛ من حديث هند بن أبي هالة، وفيه: وكان لا تغضبه الدنيا وما كان منها، فإذا تعدّي الحقّ لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه؛ ولا ينتصر لها. وفيه راو لم يسمّ. انتهى؛ نقله شارح «الإحياء» .
(و) فيهما أيضا: (كان ينفّذ) - بالفاء المشددة والذال المعجمة- (الحقّ؛ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه)، أشار به إلى قصّة أبي جندل بن سهيل بن عمرو، وهي عند البخاري في قصّة الحديبية، وذكرها في «الشروط» مطوّلة؛ كذا وجد بخطّ الحافظ ابن حجر في طرّة كتاب شيخه، وقد أغفله العراقي؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) روى الطبراني في «الأوسط» - بإسنادين؛ رجال أحدهما رجال الصحيح- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا كره شيئا عرف) - رواية الطبراني: رؤي- (ذلك في وجهه) الشّريف، لأنّ وجهه؛ كالشمس والقمر، فإذا كره شيئا كسا وجهه ظلّ كالغيم على النّيّرين، فكان لغاية حيائه لا يصرّح بكراهته، لأنه لا يواجه أحدا بما يكره، بل إنما يعرف في وجهه.
وهذا الحديث أصله في «الصحيحين»؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، ولفظه: كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه. ذكره المناوي.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وأمّا سرور رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ إذا سرّ.. استنار وجهه كأنّه القمر.
وكان ﷺ إذا سرّ.. فكأنّ وجهه المرآة، وكأنّ الجدر يرى شخصها فيه.
(وأمّا سرور رسول الله ﷺ)؛ أي: فرحه بشيء!! (فقد) روى البخاريّ ومسلم؛ من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا سرّ استنار وجهه)؛ أي: أضاء ورئي فيه البشر (كأنّه) أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو جبينه (القمر)؛ في الإشراق والاستنارة، ورواية «الصحيحين»: قطعة قمر.
وكأنّ المصنّف حذف لفظة «القطعة» جريا على عادة البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير تقييد بقطعة. وكعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة الفصحاء البلغاء، فلا يعدل عن المتعارف بينهم إلّا لسبب، فلا بدّ للتقييد بذلك من حكمة.
ووجه العدول؛- كما قال البلقيني-: أنّ القمر فيه قطعة يظهر فيها سواد؛ وهو المسمى بالكلف، فلو شبّه بالمجموع لدخلت هذه القطعة في المشبّه به، وغرضه إنما هو التشبيه على أكمل الوجوه، فلذا قال: كأنه «قطعة قمر» يريد القطعة الساطعة الإشراق الخالية من شوائب الكدر. انتهى.
(و) في «المواهب اللدنية»؛ نقلا عن «النهاية» لابن الأثير:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا سرّ فكأنّ) - بتشديد النون- (وجهه المرآة) التي ترى فيها صور الأشياء، وهي ممدودة على وزن: مفتاح، جمعها مراء؛ على وزن جوار وغواش؛ كما في «المصباح» .
(وكأنّ) - بتشديد النون- (الجدر) - بضمتين جمع جدار-؛ وهو الحائط تلاحك وجهه، والملاحكة: شدّة الملاءمة؛ أي (يرى شخصها) - أي: الجدر- (فيه) أي: في وجهه ﷺ لشدّة ضيائه وصفائه، والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٠ ]