ومن مناقبه الحميدة وخصاله المجيدة: أنه كان حريصا كلّ الحرص على اقتناء الكتب النفيسة عامّة، وخصوصا كتب الحديث والتاريخ والسيرة النبوية والتصوف، ويبذل في شرائها كلّ ما يملك، وقد يكون محتاجا إلى ثمنها؛ ولكنه كان ﵀ يقدّم حاجة الروح على حاجة الجسم.
ومن مناقبه الحميدة التي شهدناها ورأيناها فيه: حرصه العظيم على لقاء
[ ١ / ١٧ ]
الرجال من أئمة العلم (ذوي الأسانيد العالية)، ومن العارفين بالله المشهورين بالولاية والصلاح. وكان ممّا يوصيني به عند سفري إلى مصر؛ أو المغرب؛ أو باكستان أو غيرها من البلاد: أن أستجيز له ممّن أستجيزه، ويقول لي: أشركني معك في إجازاتك. وقد طلبت له الإجازة من جملة من علماء العصر، ومنهم الشيخ عبد السلام بن عبد القادر ابن سودة الفاسي، والشيخ محمد عبد الله العربي العقوري، لكن الأخير لم يذكره في أسانيده فلعلّه نسيه!!.
ومن مناقبه العظيمة وخصاله الكريمة ﵀: اعتناؤه العظيم بالنسخة التي يدرسها؛ أو يدرّسها، فيبحث عن النسخ الصحيحة القديمة، ويقابلها بالنسخة المطبوعة الجديدة، ويضبطها ضبطا متقنا معتنى به، ولمّا كنّا نقرأ «سنن أبي داود»، و«الترمذي» على سيّدي الوالد في المسجد الحرام بعد العشاء، ويشكل علينا لفظ أو ضبط اسم، أو نشكّ في كلمة هل هي ساقطة أو زائدة؟؟ كان كثيرا ما يقول سيّدي الوالد للشيخ عبد الله في الدرس: (ماذا عندك في نسختك؛ يا شيخ عبد الله)، فكان يقول قولا مفيدا يحلّ الإشكال ويزيل اللبس. وأحيانا كان سيّدي الوالد يقول له: (راجع لنا هذه المسألة؛ يا شيخ عبد الله)، فكان يأتينا اليوم الثاني بالمفيد.
ومن مناقبه الشريفة ﵀: أنّ أوقاته كلّها كانت مملؤة بالوظائف والواجبات بين علم وتعليم، ودرس وتدريس، وملازمة لدروس الوالد؛ والشيخ حسن المشاط.
وهو مع جلالة قدره وعظيم رتبته وعلوّ مقامه وسعة علمه؛ إلّا أنه كان عظيم المواظبة على حضور دروس الوالد ومجالسه في الدرجة الأولى، ودروس الشيخ حسن المشاط.
فقد كان يقضي مع سيّدي الوالد كلّ يوم من بعد العصر في ما بين المنزل والحرم إلى ما بعد العشاء بساعة فيما عدا قبل العشاء.
فقد كان يذهب إلى درس الشيخ حسن المشاط (في الحديث)
[ ١ / ١٨ ]
مواظبا على هذا الترتيب لا يكاد يتركه إلّا لعذر طارىء، أو لتوقّف الدروس في الصيف؛ أو رمضان. ومع توقّف الدروس العامة في الحرم إلّا أنه لا يترك الحضور عند الوالد في مجلسه يوميا بعد العصر إلى انقضاء المجلس في مواسم الحجّ. وقد كتبت عنه «جريدة المدينة» بعد وفاته تحقيقا بقلم الأستاذ المؤرخ عبد الرحمن مغربي جاء فيه: كان رائدنا من العلماء الأفاضل عالما ضليعا، وفقيها متمكّنا، وعاملا صالحا، هو واحد من العلماء الذين كرّسوا حياتهم لطلب العلم درسا وتدريسا؛ يجود بعلمه على العامّة والخاصّة.
كان ﵀ محبّا لطلابه ومحبّا لأساتذته ومشايخه قبل ذلك، إذ يعدّ مرجعا قويّا للكتابة عن العلماء بمكّة، وبعد حضور مجالس وحلقات العلم بالمسجد الحرام تصدّى للتدريس بالمسجد الحرام بعد أن أخذ الإجازة من علماء الحرم المكي؛ فعقد حلقته العلمية والدينية تحت أروقة المسجد الحرام، وكانت تكتظّ بالطلاب الذين انتفعوا بعلمه؛ فأقبل عليه عامّة الطلبة وخاصّتهم ينهلون من مورده العذب في كثير من علوم الشريعة وعلوم اللغة العربية.
وقد درّس شيخنا في حلقته بالحرم الشريف «الصحيحين»، وكتب:
«منهاج الطالبين» في فقه الشافعية، و«متن الغاية والتقريب»، وعلوم اللغة العربية بفروعها، وقد أخذ عنه كثير من طلبة العلم الذين ينتمون إلى كثير من البلدان العربية، وأصبح لهم مكانة علمية مرموقة «١» .