مر بنا القول بِأن ابن كثير ينتمي إلى مدرسة شامية عنيت بعلوم الحديث والسنة وجعل نقد الرواية في مقدمة أولوياتها، ولذلك لا غرابة أن يعول ابن كثير على آراء شيوخه من أعلام هذه المدرسة في نقد بعض الروايات، خاصة العلماء الثلاثة: ابن تيمية والمزي والذهبي.
فقد أورد ابن كثير رأي ابن تيمية فيما ورد عند أبي داود وغيره أن من كُتَّاب النبي ﷺ كاتبًا اسمه (السجل) وهو رأي يذهب إلى أن الخبر
[ ٥٥ ]
موضوع وإن كان في سنن أبي داود، وقد عرض ابن كثير هذا الرأي على شيخه المزي فقال: وأنا أقوله (١) .
قال ابن القيم: سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية، يقول: هذا الحديث موضوع ولا يعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط، وليس في الصحابة من اسمه السجل، وكُتَّاب النبي ﷺ معروفون، لم يكن فيهم من اسمه السجل (٢) .
وأورد ابن كثير رأي شيخه المزي فيما أورده القاضي عياض في كتابه (الشفا) حيث ذكر أنه كان للنبي ﷺ حمار يسمى (زياد بن شهاب وأن رسول الله ﷺ كان يبعثه ليطلب بعض الصحابة) حيث أنكر المزي ذلك إنكارًا شديدًا (٣)، كما عرض عليه ما أورده السهيلي من حكاية الحمار الذي كلم النبي ﷺ وأنه من نسل سبعين حمارًا كل منها ركبه نبي. فقال الشيخ المزي ﵀: "ليس له أصل وهو ضحكة" (٤) .
وبعد أن يناقش رواية رد الشمس يذكر أن ممن صرح بوضعه شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي والعلامة أبا العباس ابن تيمية (٥)، وفي موضع
_________________
(١) ٨/٣٤٠.
(٢) انظر: عبد الرحمن الفرايوئي: شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه، الرياض، دار العاصمة، ط١، ١٤١٦هـ، ٢/٥١٠.
(٣) ٨/٣٨٣.
(٤) الفصول في سيرة الرسول ﷺ، ص:٢٥٩.
(٥) ٨/٥٨٤.
[ ٥٦ ]
آخر يقول: "صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي) (١) .
_________________
(١) ٩/٣٦٧.
[ ٥٧ ]