ثمة حقائق ومعلومات تاريخية، مشهورة مقررة عند كُتَّاب السير والمغازي وغيرهم من المحدثين والمؤرخين يظهرها ابن كثير لردِّ روايات وأقوال تنطق بضد ما يفهم من تلك الحقائق، وقد مر بنا رواية شريك ابن عبد الله ورواية ابن عباس في عرض أبي سفيان ابنته أم حبيبة على رسول الله ﷺ.
[ ٤٦ ]
ومن الروايات التي أنكرها ابن كثير استنادًا إلى أن أحوال النبي ﷺ مشهورة ومعروفة تلك المرويات المنكرة التي لا تتوافق مع أحوال نبوية مقطوع بوقوعها بكيفية محددة، ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد أنه قال: "حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة وقد ربطوا أوساطهم ومشيهم خليط من الهرولة".
قال ابن كثير: "حديث منكر ضعيف الإسناد"، ثم علّق على ما قاله البزار (١): "معناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث؛ لأنه ﵇: إنما حجَّ حجَّة واحدة وكان راكبًا وبعض أصحابه مشاة".
قلت - ابن كثير ـ:
لم يعتمر النبي ﷺ في شيء من عُمرة ماشيًا لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجِعِرَّانة ولا في حجة الوداع وأحواله ﷺ أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله (٢) .
كذلك عقب ابن كثير على رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إنما قرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع خشية أن يُصدَّ عن البيت، قال ابن كثير: هذا حديث غريب سندًا ومتنًا، ثم انبرى يناقش متنه قائلًا: "من الذي يصده ﵊ وقد أظهر الله الإسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم الماضي أن لا يحج بعد العام
_________________
(١) البزار: إسحاق بن عبد الله الكوفي له المسند (ت:٣٠٧هـ)، ابن كثير، البداية والنهاية، ١٤/٨١٣.
(٢) ٧/٤١٩-٤٢٠.
[ ٤٧ ]
مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، وقد كان معه ﵊ في حجة الوداع قريب من أربعين ألفًا" (١) .
وراجع ابن كثير رواية بعض المفسرين التي مالت إلى القول بأن أبا طالب هو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] .
قال ابن كثير: "وفيه نظر، ثم اختار القول بأن المراد هم المشركون الذين ينهون الناس عن محمد، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله ﷺ، وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة".
وواضح من هذا الكلام أن ابن كثير يستند في تعقيبه على الرواية المذكورة إلى حقيقة مشهورة في مصادر السيرة الأصلية فحواها أن أبا طالب كان يذود عن رسول الله ﷺ إلى جانب قرائن أخرى منها أنَّ الخطاب قصد به جماعة من المشركين المذمومين كما جاء في نهاية الآية (٢) .
وثمة روايات عقب عليها ابن كثير لمناقضتها ومخالفتها لحقائق تاريخية مشهورة في مصادر السيرة والمغازي، كرواية مسلم في أن سعد بن عبادة
_________________
(١) ٧/٤٧٩.
(٢) ٤/٣١٤-٣١٥.
[ ٤٨ ]
هو المشير على رسول الله ﷺ يوم بدر بالمضي لمواجهة قريش (١)، والصواب سعد بن معاذ ويذكر ابن كثير أن المشهور أن سعد بن عبادة رده ﷺ من الطريق، قيل: لاستنابته على المدينة، وقيل: لدغته حية (٢) .
وراجع قول أبي بكر بن أبي شيبة أن أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ أبي بن كعب، قال ابن كثير: كأنّه يعني بالمدينة وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها. وقد كتبها الصحابة بمكة (٣) .
وعَدَّ ما ورد في رواية المعتمر بن سليمان عن أبيه عن السميط عن أنس من أن عدد المسلمين يوم حنين كانوا ستة آلاف، وأنهم حاصروا الطائف (٤٠) ليلة من غرائب هذه الرواية والصواب أن عدد المسلمين (اثنا عشر ألفًا) كما في الروايات المشهورة وأن حصار الطائف لم يصل إلى شهر بل كان دون العشرين ليلة (٤) .
وفي كتاب "دلائل النبوة" في باب إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة عقب ابن كثير على رواية البيهقي بسنده عن ثعلبة بن يزيد، وفيها أن أصحاب علي ﵁ سألوه أن يستخلف فقال: (أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ) .
_________________
(١) الجامع الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر، حديث (١٧٧٩)، ٣/١٤٠٣ـ ١٤٠٤.
(٢) ٥/٢٢٧.
(٣) ٨/٣٢٢.
(٤) ٧/٩٠-٩١.
[ ٤٩ ]
قال ابن كثير: المشهور أن عليًا لَمَّا طُعِن أوصى إلى ابنه الحسن وأمره أن يركب الجنود (١) وهو بهذا يلمح إلى بطلان تلك الرواية وتهافتها.
ووقف ابن كثير كما وقف غيره من العلماء عند الكتاب المزعوم بأن رسول الله ﷺ وضع الجزية عن اليهود الخيابرة، وهو كتاب اغتر به بعض العلماء ومنهم أبو علي بن خيرون فقال بإسقاط الجزية عنهم.
يذكر ابن كثير أنَّه وقف على الكتاب فإذا هو مكذوب فإن فيه شهادة سعد بن معاذ وقد مات قبل خيبر وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يومذاك، وفيه وضع الجزية ولم تكن قد شرعت بعد (٢) .
وهكذا يضع ابن كثير يده على تناقضات يحملها هذا الكتاب المزعوم مع حقائق تاريخية مقررة مما يؤكد زيف الكتاب.
_________________
(١) ٩/٢٠٧.
(٢) ٦/٣٥٥-٣٥٦، راجع أيضًا: ابن القيم: نقد المنقول، ص:٩٠-٩٢.
[ ٥٠ ]