بوسعنا أن نجد في سيرة ابن كثير أمثلة تدل على متابعته لتواريخ التشريعات وما نزل من الأحكام، ويهمنا هنا أن نذكر أن ابن كثير بحكم ثقافته في هذا الجانب نقد بعض المتون مستخدمًا معرفته بتواريخ نزول هذا الحكم أو ذاك.
فقد ناقش ابن كثير رواية ابن هشام في خبر قدوم الأعشى الشاعر على رسول الله ﷺ في سياق أحداث العهد المكي، ومما ناقشه ابن كثير ما جاء في الرواية أن أهل مكة ذكروا له أنه يحرم الخمر، ومعلوم أن تحريمها بالمدينة بعد وقعة بني النضير.
وفي الراوية أن الأعشى خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام وقال يمدح النبي ﷺ قصيدة مطلعها:
ألم تَغْتَمِضْ عيناك ليلة أرمدَا وبتَّ كما باتَ السليم مسهَّدا
[ ٤٣ ]
قال ابن هشام: فلما كان قريبًا من مكة اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره؟ فأخبره أنه يريد رسول الله ﷺ لِيُسْلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنى، فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب، فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات (١)، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأُسلم.
قال ابن كثير: هكذا أورد ابن هشام هذه القصة هنا - في سياق أحداث العهد المكي - وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق ﵀، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام ﵀ فالخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك، وهو قوله:
ألا أيهذا السائلي أينَ يمَّمْت فإنَّ لي لها في أهل يَثْرِب مَوعِدا
وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها هنا (٢) . والله أعلم.
وعند البحث في تاريخ غزوة بني لحيان والتي صلى فيها المسلمون صلاة الخوف، إنما شرعت بعد الخندق ولو كانت صلاة الخوف مشروعة يوم الخندق لفعلوها. وكأنَّ ابن كثير هنا يرجح ما ذكره ابن
_________________
(١) العَلَلُ: الشربة الثانية أو الشرب بعد الشرب تباعًا. الفيروز ابادي: مجد الدين محمد بن يعقوب (ت:٨١٧هـ): القاموس المحيط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٧هـ، ص:١٣٣٨.
(٢) ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٢٥٣-٢٥٤.
[ ٤٤ ]
إسحاق وغيره من أهل المغازي في أن غزوة بني لحيان إنما كانت سنة ست من الهجرة، لتلك القرينة التي أشرنا إليها (١) .
وكذلك تاريخ غزوة ذات الرقاع حيث يرى ابن إسحاق أنها في السنة الرابعة، وأن النبي ﷺ صلى بها صلاة الخوف (٢) .
ويرى الواقدي أنها في المحرم سنة خمس، وقد ذهب البخاري إلى أنها في سنة سبع بعد خيبر (٣)، وفي معرض ترجيحه لكون ذات الرقاع بعد الخندق سنة خمس أشار ابن كثير إلى أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق (٤) .
ويستدعي ابن كثير تاريخ تشريع تحريم المسلمات على المشركين عندما يناقش قول ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ بمكة لا يُحل ولا يحرم مغلوبًا على أمره وأنه لم يقدر على أن يفرق بين ابنته زينب وزوجها أبي العاص بن الربيع. حيث يعقب ابن كثير على ذلك بالقول: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة (٥) .
_________________
(١) ٤/٥٥٣-٥٥٧.
(٢) ابن هشام: سيرة النبي ﷺ ٣/٢١٤.
(٣) المغازي، ٢/٥٦٠.
(٤) ٥/٥٦٠.
(٥) ٥/٢٠٦.
[ ٤٥ ]
كذلك استدعى ابن كثير تاريخ تحريم الكلام في الصلاة وتاريخ فرض الحجاب عند مناقشته لبعض الروايات (١)، ورد ابن كثير رواية من روى أن ملكًا من وراء الحجاب أذَّن ليلة الإسراء برسول الله ﷺ، وأن هذا الملك قَدَّم النبي ﷺ فأَمَّ بأهل السماء ومنهم آدم ونوح؛ لأنَّهُ لو كان النبي سمع الأذان ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة (٢) . والله أعلم.
ولا جدال في أن ابن كثير هنا وضع نصب عينيه ما ورد من روايات في تشريع الأذان بعد الهجرة وقد ورد فيها أنَّ المسلمين هموا أن يتخذوا ناقوسًا ليضرب به للناس لجمعهم عند الصلاة، كما ورد أنهم تشاوروا في المناداة للصلاة (٣) .
_________________
(١) الفصول في سيرة الرسول ﷺ ص:١٨٣.
(٢) ابن كثير، البداية والنهاية، ٤/٥٧٦.
(٣) انظر: إبراهيم العلي: صحيح السيرة النبوية، ص: ١٥٠، ابن حجر، فتح الباري، ج٢،ص:٧٧-٧٨.
[ ٤٦ ]