في أثناء مراجعته لبعض المتون والأقوال يقوم ابن كثير بمحاكمة عقلية لبعض النصوص، التي يرد في متونها ألفاظ وعبارات لا تدخل في دائرة التصور. وتأتي مراجعته تلك في ضوء ما اكتسبه من علوم وفي ضوء مسلمات عقلية يؤكدها الحس والمشاهدة وهنا لا بدَّ من التنبيه
_________________
(١) ٩/٢٠٧.
(٢) ٦/٣٥٥-٣٥٦، راجع أيضًا: ابن القيم: نقد المنقول، ص:٩٠-٩٢.
[ ٥٠ ]
على أن ما ثبت في الحديث من معجزات ونحوها لا تدخل أساسًا تحت طائلة المراجعة والنظر، كما أن العقل الخالي من علوم الشرع ليس بوسعه النظر في المتون من هذه الزاوية.
وضع ابن كثير عددًا من المتون تحت دائرة المراجعة العقلية، والتساؤل الذي يفضي إلى الرد والاستبعاد، ففي فصل "ذكر أول من أسلم ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة"يقول عن الحديث المنسوب إلى علي ﵁: "أنا الصديق الأكبر صليت قبل الناس بسبع سنين"؟. الحديث منكر بكل حال، ولا يقوله علي ﵁ وكيف يمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين هذا الأمر لا يتصور أصلًا (١) .
ويقول ابن كثير تعليقًا على رواية أبي داود الطيالسي في حفر الخندق "كان الناس يحملون لبنة لبنة" حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل" (٢) .
ويراجع قول من قال: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانًا، فيذكر: "أنه يبعد أن يقع هذا (النسيان) من جمع كبير، مع شدة حرصهم على المحافظة على الصلاة، كيف وقد روي أنهم تركوا يومئذٍ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء" (٣) .
_________________
(١) ٤/٦٦.
(٢) ٤/٥٣٨.
(٣) ٦/٥٤.
[ ٥١ ]
وحيث إن مجموعة من المصنفين في الخصائص والمعجزات انساقوا وراء الأحاديث غير الصحيحة والموضوعة، فثمة أحاديث وروايات نشط قلم ابن كثير في تفنيدها سندًا ومتنًا، وكان من وسائله النقدية المناقشة العقلية وإثارة التساؤل حول الرواية وهذا ينطبق على رواية رد الشمس بعد مغيبها لعلي بن أبي طالب ﵁ بدعوة النبي ﷺ، حيث تطرق إليها في باب (دلائل النبوة الحسية) .
وبعد ما ذكر ابن كثير أن الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، قال: "ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده؛ لأنه من باب ما تتوافر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى" (١) .
ومما أورده ابن كثير التساؤل التالي إزاء متن الرواية المتضمن أن الموجب لرد الشمس هو فوات صلاة العصر على علي ﵁: "أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر ولا ترد لرسول الله ﷺ ولجميع المهاجرين والأنصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق؟ وأيضًا مرة أخرى حين عرس رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار حين قفل من غزوة خيبر، فذكر نومهم عن صلاة
_________________
(١) ٨/٥٦٩.
[ ٥٢ ]
الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس فلم يرد الليل على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه ﵃ (١) .
وفي باب ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعدها فوقعت طِبق ما أخبر سواءً بسواء.
يقف ابن كثير: مراجعًا للرواية الواردة عند أبي داود الطيالسي ومما جاء فيها.
رؤية النبي ﷺ لبني أمية يخطبون على منبره فساءه ذلك، فنزلت:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر]، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر]، وفي الرواية حمل المقصود بألف شهر على مدة ملك بني أمية قال القاسم (٢): فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يومًا ولا ينقص (٣) .
وهو حديثٌ منكر كما صرح بذلك الحافظ المزي وفي معرض نقده لمتن الرواية وضح ابن كثير أن مجموع سنوات الدولة الأموية لا يطابق
_________________
(١) ٨/٥٧٠.
(٢) القاسم بن الفضل الحداني. روى عنه ابن مهدي وأبو داود الطيالسي مات سنة ١٦٧هـ صدوق، وثَّقه ابن مهدي والقطان وأحمد بن معين، ابن حجر: تهذيب التهذيب ٨/٣٣٠، الذهبي: ميزان الاعتدال ٣/٣٧٧.
(٣) ٩/٢٧١.
[ ٥٣ ]
ألفًا كما يزعم القاسم بن الفضل، وأشار إلى أنه يلزم مما ذكره أن تكون دولة عمر بن عبد العزيز مذمومة وهذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام فإنهم مُصَرِّحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، ونبه ابن كثير على أن تفضيل ليلة القدر - وهي ليلة عظيمة - على دولتهم لا يلزم منه ذم تلك الدولة، فليتأمل هذا، فإنه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر؛ لأنه إنما سيق لذمِّ أيامهم (١) .
ويراجع ابن كثير بعض مقررات العلماء واجتهاداتهم قبله من كتاب السيرة مدخلًا إياها دائرة المناقشة العقلية.
ومن ذلك: تعقيبه على السهيلي (ت:٥٨١هـ) ذلك أنه بعد إيراده حديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه وهو على باب من أبواب الجنة، عير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار) .
قال السهيلي مقويًا لهذا الحديث وقد ثبت أنه ﵊ قال: (المرء مع من أحب) قال ابن كثير في (غزوة أحد): هذا من غريب
_________________
(١) ٩/٢٧١-١٧٣، هذا الحديث صحَّحَ إسناده الحاكم في مستدركه، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (المطبوع بهامشه) روى عن يوسف، نوح بن قيس، وما علمت أن أحدًا تكلم فيه، والقاسم وثقوه رواه عنه أبو داود والتبوكي، وما أدري آفته من أين؟ المستدرك، ٣/١٧١، ويقول الألباني في ضعيف سنن الترمذي عن هذا الحديث ضعيف الإسناد مضطرب، ومتنه منكر، ضعيف سنن الترمذي، دمشق، نشر المكتب الإسلامي، ط١، ١٤١١هـ، ١٩٩١م، ص: ٤٣٦، ح (٦٦٣) .
[ ٥٤ ]
صنع السهيلي فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرأً (١) .
ويرد على بعض أقوال كتاب السيرة قبله مما بنوه على اجتهادهم كالبيهقي عندما يقول: "هذه الرواية تدل على أن قبورهم - الرسول ﷺ وصاحبيه ﵄ مسطحة؛ لأن الحصباء لا تثبت إلا على المسطح". يعقب ابن كثير: هذا عجيب من البيهقي ﵀ فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسطحًا وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه (٢) .
_________________
(١) ٥/٣٣٨، وعير: جبل يشرف على المدينة من الجنوب وهو حد حرم المدينة من الجنوب (محمد محمد شُراب: المعالم الأثرية في السنة والسيرة، دمشق: دار القلم، ط١، ١٤١١هـ، ص:٢٠٣-٢٠٤) .
(٢) ٨/١٥٤.
[ ٥٥ ]