ثمة روايات انتقدها ابن كثير مشيرًا إلى معارضتها ما هو أصح منها كرواية ابن إسحاق في إسلام أبي طالب عم الرسول ﷺ قبل وفاته، قال ابن كثير - بعد أن نقد الرواية من جهة الإسناد ـ: عارضه ما هو أصح منه وهو ما رواه البخاري ﵀، ثم ساق روايته وفيها حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب (٢)، ثم أورد روايات أخرى معارضة لمضمون رواية ابن إسحاق من الصحيحين ومسند الإمام أحمد ومسند البزار وسنن الترمذي ومغازي يونس بن بكير (٣) .
_________________
(١) ٤/٣٠٩.
(٢) ٤/٣١٠-٣١١.
[ ٤١ ]
كذلك راجع ابن كثير رواية ابن إسحاق وفيها أن أبا موسى الأشعري ممن هاجر من مكة إلى الحبشة، وما ورد في المسند عن الإمام أحمد من أن أبا موسى كان من المهاجرين إلى الحبشة من مكة وكذلك رواية أبي نعيم والبيهقي في الدلائل، وفيها عن أبي موسى: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب على أرض النجاشي". وهي مروية بإسناد صحيح، وقارن تلك الروايات برواية البخاري ومسلم في هجرة أبي موسى الأشعري وفيها أنهم بلغهم مخرج رسول الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضعة وخمسين رجلًا في سفينة فألقتهم السفينة إلى النجاشي.
ونقل ابن كثير عن البيهقي قوله: "ولعل الراوي قد وهم في قوله أمرنا رسول الله أن ننطلق.. والله أعلم" (١) .
وقد رد ابن كثير روايات لابن إسحاق وموسى بن عقبة، معارضًا إياها براويات صاحبي الصحيح مثل رواية ابن إسحاق في وقت نزول سورة "الضحى" (٢)، وقول موسى بن عقبة، عن جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والأنصار أنهم تسعة وأربعون رجلًا.
حيث عقَّب على ذلك بقوله: "ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلًا" (٣) .
_________________
(١) ٤/١٧٤-١٧٦-١٧٧.
(٢) ٤/٤١.
(٣) ٥/٤٤٥.
[ ٤٢ ]
لا غرابة أن يستخدم ابن كثير هذا المقياس الأصيل الذي يتجلى في مراجعة الرواية في ضوء الروايات الأخرى في الموضوع نفسه، إذ إن لهذا المنهج أثرًا في كشف مميزات وعيوب المتن والإسناد، فالمقارنة بين الروايات سندًا ومتنًا وسيلة لسبر غور الرواية (١) وتصنيفها بحسب ما يكتنفها من قوة أو ضعف، ومن ثم إلباسها المسمَّى المناسب لحالها.
_________________
(١) العُمري: محمد علي قاسم: دراسات في منهج النقد عند المحدثين، الأردن، دار النفائس، ١٤٢٠هـ، ص:٣٠.
[ ٤٣ ]