وخمسون سنة وأشهر هي تسعة على ما لليعمري شرفه الله تعالى بالإسراء به من المسجد الرحام إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس، وصلى فيه النبيئين إماما لهم ثم عرج به إلى السماء فأم الأنبياء أيضا كما فى الشفاء ثم ارتقى حتى جاوز سدرة المنتهى وبلغ إلى موضع لم يطأة ملك مقرب ولا نبي مرسل ولما وصل معه جبريل سدرة المنتهى قال له ها أنت وربك هذا مقامى لا أتعداه. وقوله هذا مقامى بفتح الميم أي موضعى المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وهو سدرة المنتهى التى لم يتجاوزها أحد إلا نبينا ﷺ، قاله النووي، قاله الزرقاني وما ذكره ابن سلطان فى آخر ما ذكر من الأقوال مضعفا له فإنه قال بعد قول الشفا وقد قال غير واحد إنها، يعنى قصة الإسراء كانت قبل الهجرة بسنة ما نصه، ذكر النووي أن معظم السلف وجمهور المحدثين والفقهاء على أن الإسراء كان بعد البعثة بستة عشر شهرا وقال السبكي الذى نختاره ما قاله شيخنا أبو محمد الدمياطي أنه قبل الهجرة بسنة وهو فى ربيع الأول اهـ.
وروى السيد جمال الدين أنه كان فى سبعة وعشرين من رجب على وفق ما هم عليه فى الحرمين الشريفين من العمل، وقيل فى ربيع الآخر، وقيل فى رمضان، وقيل فى شوال، وقيل فى ذى الحجة، لأن كان ابن احدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما اهـ منه.
وقال القاضي أبو الفضل عياض في الشفا: لا خلاف بين أئمة المسلمين فى صحة الإسراء به، ﵇، إذ هو نص القرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]
وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١] إلى قوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد ﵇ فيه أحاديث كثيرة رأينا أن نقدم أكملها ونشير إلى زيادة من غيره يجب ذكرها ثم ذكر حديث مسلم عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال أوتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال فركبته حتى أتيت بيت
[ ١ / ١٤٤ ]
المقدس فربطته بالحلقة التى يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل عليه السام اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل. قيل من معك؟ قال محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمد. قيل أوقد بعث إليه؟ قال قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا انا بابني الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉، فرحبا بي ودعوا لى بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فذكر مثل الأول ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ وإذا هو قد أعطى شطر الحسن فرحب بي ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة وذكر مثله فإذا أنا بإدريس ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله، فإذا أنا بهارون ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فذكر مثله، فإذا أنا بموسى ﷺ فرحب بى ودعا لى بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فذكر مثله، فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلى ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة، قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد لوت بنى إسرائيل وخبرتهم، قال فرجعت إلى ربى قلت يا رب خفف عن أمتى، فحط عنى خمسا فرجعت إلى موسى، فقلت حط عنى خمسا، فقال إن أمتك لا يطيقون فارجع إلى
[ ١ / ١٤٥ ]
ربك فاسأله التخفيف، قال فلم أزل أرجع بين ربى وموسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك مسون صلاة، ومن هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها فلم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال فنزلت حتى أتيت موسى فأخبرته، فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه. وفى حديث ابن شهاب قول كل نبي له مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له: والابن الصالح. وفيه من طريق ابن عباس ﵁ حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام اهـ.
والإسراء مصدر أسرى يقال سرى وأسرى إذا سار ليلا قال أهل الإشارة وهم المحققون من الصوفية والحكمة فى تخصيص الإسراء بالليل أنه تعالى لما محى آية الليل أي طمس نورها لتسكن فيه والإضافة بيانية وجعل آية النهار مبصرة أي مبصرا فيها انكسر الليل فجبر بأن أسري فيه بمحمد ﷺ وذلك أعظم الجبر، وقد افتخر النهار بالشمس فقيل لا تفخر فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود فى الليل إلى السماء، وقيل لأنه ﷺ سراج والسراج إنما يحصل الإنتفاع به بإيقاده ليلا، وفى ذلك المعنى قيل:
(قلت يا سيدى فلم تؤثر الـ ـليل على بهجة النهار المنير)
(قلت لا أستطيع تغيير وسم هكذا الوسم فى طلوع البدور)
(إنما زرت فى الظلام لكي ما يشرق الليل من أشعة نورى)
ومعنى الأبيات أنه سأله محبوبه عن حكمة زيارته ليلا دون النهار فقال أنا بدر وهو إنما يظهر أثره ليلا ولا يستطيع تغيير ذلك الأثر، وإن فى زيارته ليلا فائدة تظهر لو زار نهارا وهى إشراق الليل بنوره، اهـ - من الزرقاني.
وظاهر الآية ان ابتداء الإسراء كان من نفس المسجد لحديث بينا أنا
[ ١ / ١٤٦ ]