(خلصت بهجرة خير من وطئ الثرى وأجلهم قدرًا فكيف تراها)
(كل البلاد إذا ذكرن كأجرف في اسم المدينة لاحظت معناها)
(حاشى مسمى القدس فهي قريبة منها ومكة إنها إياها)
(لا فرق إلا أن ثم لطيبة مهما بدت يجلو الظلام سناها)
(جزم الجميع بأن خير الأرض ما قد حاط ذات المصطفى وحواها)
(ونعم لقد صدقوا بساكنها علت كالنفس حين زكت زكى مأواها)
(فلهذه ظهرت مزية طيبة وغدت وكل الفضل في مغناها)
قال أبو العباس القلشاني ولقد أحسن فيها كل إحسان لاسيما قوله في آخرها:
(كيف السبيل إلى تقضى مدح من قال الإله له وحسبك جاها)
(إن الذين يبايعونك إنما فيما يقول يبايعون الله)
انتهى ما ذكر القلشاني منها.
ولما كان بعد قدومه ﷺ بخمسة أشهر كما في المواهب تبعًا لابن عبد البر، وقيل بثمانية وقيل بتسعة آخى بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة والتوارث، واستمر ذلك إلى أن نزل بعد وقعة بدر حين أعز الله الإسلام، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض، فانقطعت المؤاخاة في الميراث، وبقيت في التوادد والمناصرة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، قال العز بن عبد السلام هو خبر بمعنى الأمر، أي لينصر بعضهم بعضًا، وقوله ﷺ: "المؤمن أخو المؤمن" خبر أيضًا بمعنى الأمر.
تتمة:
قال الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح المواهب: روى أبو داوود عن جبير بن مطعم مرفوعًا لا حلف في الإسلام، وأي حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، وروى أحمد والترمذي وحسنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه أوفو بحلف الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شدة ولا تحدثوا حلفًا في الإسلام، قال في النهاية أصل الحلف المعاقدة
[ ١ / ١٩١ ]
والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق، فما كان منه في الجاهلية على القتال والغارات فذلك الذي نهى عنه بقوله لا حلف في الإسلام، وما كان منه على نصر المظلوم وصلة الأرحام فذلك الذي قال فيه، وأي حلف في الجاهلية الخ يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق انتهى.
(ومدة اللبث بها في العدة عشر سنين يا لها من مدة)
قوله ومدة مبتدأ خبره قوله عشر، والليث بفتح اللام، ويضم ويحرك المكث لبث كسمع، قاله في القاموس، وقوله يا لها تعجب، أي يا قوم أعجبوا تلك المدة من مدة، يعني أن المدة التي أقام ﷺ بها، أي المدينة المشرفة، عشر سنين، وهذا عليه اتفاق العلماء، وفي الشمائل عن ابن عباس ﵄ قال مكث النبي ﷺ بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وبالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، قال البيجوري في شرحه قوله مكث بفتح الكاف وضمها أي لبث بعد البعثة، وقوله ثلاث عشرة سنة يوحى إليه أي باعتبار مجموعها؛ لأن مدة فترة الوحي ثلاث سنين من جملتها وهذا هو الأصح الموافق لما رواه أكثر الرواة، وروي عشر سنين، وهو محمول على ما عدى مدة فترة الوحي، وروي أيضًا خمس عشرة سنة في سبعة منها، يرى نورًا ويسمع صوتًا ولم ير ملكًا، وفي ثمانية منها يوحى إليه، وهذه الرواية مخالفة للأولى من وجهين الأول في مدة الإقامة بمكة بعد البعثة، ويمكن الجمع بحمل هذه الرواية على حساب سنة البعثة، وسنة الهجرة، والثاني في زمن الوحي، ويمكن الجمع بأن المراد بالوحي إليه في ثلاث عشرة أعم من كون الملك مرئيًا أو لا، وفي الثمانية خصوص الوحي مع رؤيته فلا تدافع، وقوله بالمدينة عشرًا، أي عشر سنين باتفاق، فإنهم اتفقوا على أنه ﷺ أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، كما اتفقوا على أنه ﷺ أقام بمكة قبل البعثة أربعين، وإنما اختلفوا في قدر إقامته بمكة بعد البعثة، والصحيح أنه ثلاث عشرة سنة، فيكون عمره الشريف ثلاثًا وستين انتهى.
وفي الشمائل أيضًا عن معاوية ﵁ قال: مات رسول الله
[ ١ / ١٩٢ ]