فى الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أتانى جبريل بالراق أو من الحرم كما قال صاحب البردة: سريت من حرم ليلا، وسماه مسجدا لإحاطته به، ولحديث أنه كان في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به ويمكن الجمع بينهما بأنه كان فى بيت أم هانئ فرجع إلى المسجد وأتى الحجر وإنما وصف المسجد بالأقصى لبعده من المسجد الحرام، والمراد بالبركة حوله، بركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء من لدن موسى إلى زمن عيسى عليهم الصلاة والسلام وهو محفوف بالأنهار والأشجار والأثمار وقوله والنجم أي الثرياء أو نجوم السماء أو الرجوم منها وهوى غرب أو طلع أو انقض قاله ابن سلطان والبراق مأخوذ من البرق لسرعته أو من البريق وليس بذكر ولا أنثى قاله الهيثمي فى المنح وقال ابن سلطان هو بضم الموحدة لشدة بريقه ولمعانه وسرعة سيره وطيرانه كالبرق وقوله دابة أي مركوب أبيض وقوله بيت المقدس لأنه فيه يتقدس من الذنوب والحلقة بإسكان اللام وفتحها ويربط بضم الموحدة وكسرها مفعوله محذوف أي دوابهم عند باب المسجد، كما صرح به صاحب التحرير، وللترمذي أنه ﷺ حين انتهى إلى بيت المقدس أشار جبريل إلى الصخرة فخرقها وربط البراق بها ثم ربطها دليل على أن الإيمان بالقدر لا يمنع الحازم من توقي المهالك والحذر ومنه قوله ﵇ أعقل وتوكل، وقد قال وهب بن منبه كذا وجدته فى سبعين كتابا من كتب الله وقوله اخترت الفطرة أي علامة الإسلام والإستقامة لكونه طيبا طاهرا سهل المرور فى الحلق، سليم العاقبة، وقوله ابني الخالة لأن أم يحيي إيشاع اخت حنة أم مريم، وقوله شطر الحسن أي نصفه أو بعضه والمراد بالحسن جنسه أو حسن حواء أو حسن سارة أو حسن نبينا محمد ﷺ، وقوله إدريس هو سبط شئت وجد والد نوح أول من خط بالقلم وخاط اللباس ونظر فى علم النجوم، وقوله مكانا عليا هو شرف النبوءة ومقام القربة، وعن الحسن هو الجنة إذ قال لملك الموت اذقنى الموت ليهون علي ففعل فإذن الله تعالى ثم حيي فقال له ادخلنى
[ ١ / ١٤٧ ]
النار أزدد رهبة ففعل ثم قال له أدخلنى الجنة ازدد رغبة ففعل، ثم قال ملك الموت له أخرج فقال قد ذقت الموت ووردت النار فما أنا بخارج، فقال الله تعالى بإذني دخل دعه وقيل هو فى السماء الرابعة لهذا الحديث وقوله البيت المعمور روي عن علي كرم الله وجهه البيت المعمور فى السماء الرابعة يقال له الضراح وهو بمعجمة مضمومة ومهملة بينهما راء فألف من الضراحة بمعنى المقابلة إذ هو مقابل للكعبة وسدرة المنتهى أي ينهي علم الخلائق عندها، والفيلة بكسر الفاء وفتح التحتية جمع فيل والقلال بكسر القاف جمع قلة كقباب جمع قبة وفى رواية كقلال هجر بفتحتين مدينة قرب المدينة يعمل بها القلال تسع الواحدة مزادة من الماء سميت قلة لأنها تقل أي ترفع وليست بهجر التى من توابع البحرين، وقوله فرجعت إلى ربى: إلى الموضع الذى ناجيته فيه أولا، وقوله فتلك خمسون أي بحسب المضاعفة واعلم ان الصلوات الخمس فرضت فى مكة اتفاقا، وكذا الزكاة مطلقا وأما تفاصيلها فبينت بالمدينة وفرض رمضان ثم الحج بها، قال جميعه ابن سلطان وقوله حتى ظهرت بمستوى أي صعدت فى مكان مرتفع وقيل الباء بمعنى على، وقوله أسمع فيه صريف الأقلام أي صوت حركتها وجريانها على المخطوط فيه مما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى ووحيه، وينسخ من اللوح المحفوظ وفى نسخة صرير براءين قاله أيضا والمراد بالحلقة المارة، حلقة باب مسجد بيت المقدس، وجمع بينه وبين ما مر من أن جبريل خرق الصخرة يعني صخرة بيت المقدس فشد بها البراق فإنه ﷺ ربطه أولا بالحلقة تأدبا واتباعا للأنبياء فأخذه جبريل وحله من الحلقة وخرق الصخرة وشده بها، كأنه يقول له أنت لست ممن يكون مركوبه بالباب بل أنت أعلى وأغلى، فلا يكون مركوبك إلا فى داخل المحل، قاله الزرقاني. وقال فى قوله: اخترت الفطرة، قال ابن دحية الفطرة تطلق على الإسلام كخبر كل مولود يولد على الفطرة وعلى أصل الخلقة نحو فطرة الله التى فطر الناس عليها وقول جبريل اخترت الفطرة أى الذى عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم
[ ١ / ١٤٨ ]
ونشر العظم، وقال النووي المراد بالفطرة هنا: الإسلام. قال ومعناه اخترت علامة الإسلام وجعله علامة الإسلام لكونه سهلا طيبا إلى آخر ما مر عن ابن سلطان، وروى أبو سعد فى هذه القصة: فكان الذى أمسك بكرابه جبريل وبزمام البارق ميكائيل، قال الزرقاني ولا ينافى ذلك أن جبريل كان راكبا معه كما يأتي، لأنه أمسك ركابه حتى ركب فركب أمامه، نعم يعارضه رواية: وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره رواه سعيد بن منصور والطبراني فإنه ظاهر فى عدم الركوب إلا أن يكون ذلك إخبارا عن مبدأ مسراه ثم ركب جبريل قدامه رفقا به والله أعلم.
وفى رواية عن أنس أنه صلى الله عليه وسلك أوتى بالبراق مسرجا ملجما، فاستصعب عليه فقال له جبريل ما حملك على هذا؟ ما ركبك خلق أكرم على الله منه. قال فارفض عرقا اهـ.
وكان البارق معدا لركوب الأنبياء فليس ركوبه من خصائصه ﷺ، نعم قيل ركوبه مسرجا ملجما لم يرو لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأجيب عن استصعابه بأنه لبعد عهده بالركوب ويحتمل أن يكون استصعابه تيها، بكسر التاء وسكون التحتية أي تكبرا بكروبه ﷺ وأراد جبريل بقوله أبمحمد تستصعب؟ استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة وإنما أتاه زهوا أي تكبرا أي فخرا لمكان الرسول ﵇ ولهذا قال فارفض عرقا فكانه أجاب بلسان الحال متبرئا من الاستصعاب وعرق من خجل العتاب ومثل هذا رجفة الجبل وهو أحد حين صعده هو وأبو بكر وعمر وعثمان، فقال اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب اهـ. من المواهب وشرحها.
تنبيهات:
الأول فى رواية للبخاري: فحملت عليه يعني البراق، فانطلق بى جبريل حتى أتى السماء الدنيا، انتهى المراد منه.
[ ١ / ١٤٩ ]
قال الزرقاني ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وليس بمراد بل هذا اختصار من الراوى وقال بعد هذا فى قول ابن المنير: إن البراق يكون بلوغه أعلى السماوات فى سبع خطوات لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه أي بصره اهـ. وهو مبنى على أنه عرج به على البراق أخذا بظاهر الحديث والصحيح خلافه اهـ.
وقال فى المواهب عد كلام، فأما المعراج ففى غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البارق بل رقى فى المعراج وهو السلم كما وقع التصريح به فى حديث عن ابن اسحاق والبيهقي، قال الزرقاني وقال النعماني ما المانع من أنه ﷺ رقى فى المعراج فوق ظهر البارق لظاهر الحديث، اهـ. قال الزرقاني، والمانع موجود وهو أحاديث ربطه البراق بالحلقة اهـ. والمعراج مرقا له درجة من ذهب ودرجة من فضة وبه سميت القصة.
الثاني فى حديث عند أبى يعلا والبزّار أن البراق إذا أتى أي أقل على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارفعت يداه أي فلا مشقة على راكبه فى صعود ولا هبوط، وفى رواية عن الواقدي أنه له جناحان قال ابن حجر ولم أره لغيره. قال الزرقاني وهو عجب، مع قول الشامي له جناحان فى فخذيه يحفر بهما رواه ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن الحسن مرسلا، ورواه ابن سعد عن الواقدي وابن عساكر من حديث جماعة من الصحابة. ويحفز بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الفاء أي يحث بهما رجليه على سرعة السير اهـ. وفى الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس له خد كخد إنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظافر وذنب كالبقر وصدره ياقوتة حمراء قاله فى المواهب، أي كياقوتة لا أن ذاته ياقوتة قاله الزرقاني.
الثالث: اختلف السلف والعلماء فى الإسراء هل كان بالروح والجسد
[ ١ / ١٥٠ ]
أو بالروح فقط، وهل هو يقظة أو منام؟ فذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه بالجسد يقظة فى القصة كلها، قال فى الشفاء وهو الحق والصحيح وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الإستحالة وليس فى الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة وذهبت طائفة أنه بالروح وأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، وقالت طائفة كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح اهـ المراد من الشفا.
(حتى أراه أكبر الآيات) غاية لقوله بالإسراء وبعروجه إلى السماء وفاعل أرى عائد إلى الله تعالى والمفعول للنبي ﷺ يعني أن النبي ﷺ أسى به الله تعالى وعرج إلى السماء حتى أراه الله تعالى أعظم الايات أي العلامات الدالة على عظيم قدرته ﵎ وهذا اقتباس من قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] واللام للقسم أي والله لقد رأى من آيات ربه الكبرى، أي الآيات التى هي كبراها وعظماها يعني حين رقى به إلى السماء فاراه عجائب الملكوت، قاله النسفي وقال الخازن يعني رأى رسول الله ﷺ الآيات العظام، وقيل أراد ما رأى تلك الليلة فى مسيره ورجوعه وقيل معناه لقد رأى من آيات ربه الكبرى، قال رأى جبريل فى صورته له ست مائة جناح، أخضر سد فوق السماء. وذكر الخازن أن جبريل كان يأتى النبي ﷺ فى صورة الرجل كما كان يأتى الأنبياء قبله فسأله رسول الله ﷺ أن يوريه نفسه على صورته التى جبل عليها فاراه نفسه مرتين، مرة فى الأرض ومرة فى السماء فأما التى فى الأرض فبالأفق الأعلى وذلك أنه ﷺ كان بحراء فطلع له جبريل ﵊ من ناحية المشرق فسد الأفق إلى المغرب وأما التى فى السماء فعند
[ ١ / ١٥١ ]
سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة التى خلق عليها إلا نبينا محمد ﷺ انتهى المراد من كلامه.
(وعاد) أي رجع هو، أي النبي ﷺ، إلى منزله فى تلك الليلة (بعد الفرض للصلاة) أي بعد أن أوجب الله تعالى عليه وعلى أمته الصلوات الخمس وقد مر ذلك فى حديث الإسراء واختلف هل رأى محمد ﷺ ربه بعينه ليلة الإسراء أم لا؟ ومذهب الجمهور أنه رآه قال المقري:
(وقد رأى خير الورى الديانا ليلة إسراء به عيانا)
(في المذهب المصحح المشهور وهو الذي ينمى إلى الجمهور)
انتهى.
وروى الترمذي عن ابن عباس قال إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدا بالرؤية. وقال كعب إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين وقال بهذا أنس بن مالك وعكرمة والحسن، وكان يحلف عليه، وحكي مثله عن ابن مسعود وأى هريرة وأبى ذّر وأحمد بن حنبل، وروى عن أبى الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه واختلف هل كلمه ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فعن الأشعري وقوم م المتكلمين أنه كلمه، وعزاه بعضهم إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس، اهـ من الخازن.
وفيه بعد هذا قال الشيخ محي الدين فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربه ﷿ بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بإسماع من رسول الله ﷺ، هذا مما لا ينبغي أن يشك فيه اهـ.
وفى الجزء الأول من المواهب اللدنية ممزوجا ببعض كلام الزرقاني، ولكا كان فى شهر بيع الأول أو الآخر أو رجب أو رمضان أو شوال خمسة اقوال:
[ ١ / ١٥٢ ]
- أسرى بروحه وجسده يقظة لا مناما مرة واحدة فى ليلة واحدة عند جمهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغي العدول عنه
- * وقيل وقع الإسراء والمعراج مرتين مناما يقظة
- * وقيل وقع الإسراء فى ليلة والمعراج فى ليلة
- * وقيل الإسراء يقظة والمعارج مناما
- * وقيل الخلاف فى أنه يقظة أو مناما خاص بالمعراج لا فى الاسراء.
وقيل الإسراء مرتان يقظة: الأولى بلا معراج والثانية به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سموات إلى حيث شاء الله العلي الأعلى ورأى ربه بعين راسه وأوحى إليه ما أوحى، ابهمه للتعظيم فلا يطلع عليه، أو الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك أو تخصيصه بالكوثر أو الصلوات الخمس أقوال. وفرضت عليه الصلاة ثم انصرف ليلته إلى مكة فأخبر بذلك الناس مؤمنهم وكافرهم فصدقه الصديق، قيل لقب بذلك يومئذ وكل من آمن بالله وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس فمثله الله له، وفى البخاري فجلى الله لى بيت المقدس أي كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته، وعند أحمد والبزار فجئ بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه فجعل ينظر إليه ويصفه، قال الزهري وكان بعد المبعث بخمس سنين، ورجحه القاضي عياض كما فى الفتح ورجحه القرطبي والنووي ثلاثتهم فى شرح مسلم قال الزرقاني والذى فى الفتح عن الزهري أنه قبل الهجرة بخمس سنين وقيل كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر قاله السدي، فعلى هذا كان بشوال انتهى المراد منهما. (صلى عليه) أي على النبي ﷺ ربنا أي مالكنا جميع المخلوقات (وسلما وآله وصحبه وكرما) أي أعطاه كل ما يليق به.