بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكلام على البسملة هنا من ثمانية أوجه: معنى مفرداتها ومعنى تركيبها وإعرابها وسبب الإبتداء بها وحكمها وفضلها وقرآنيتها وكتابتها وأذكر جميعها إن شاء الله تعالى على طريق الاختصار وبالله تعالى التوفيق.
أما معنى مفرداتها فالباء يصح أنها للمصاحبة والمصطحبان هما العمل المبدو بها أو البادي ومدخول الباء والمراد منها التبرك والتبرك منسحب على جميع العمل فكأن المبتدئ بها يقول أفعل كذا متبركا فيه ببسم الله ويصح أن الباء للاستعانة وباء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل، فكأن باسم الله هي الواسطة في حصول الفعل ببركة الإسم الشريفة فعآل المعنيين هنا واحد وقيل الباء للالصاق وقيل للاستعلاء المجازي والإسم هو اللفظ الدال بالوضع على معنى ما فيتناول الإسم النحوي وقسيميه وقوله تعالى وعلم آدم الأسماء كلها يعم جميع ذلك وهو هنا اسم جنيس أضيف إلى معرفة فيعم جميع أسماء الله تعالى فالتبرك بجيع الأسماء.
والله علم خاص بالذات الموصوفة بكل كمال المنزهة عن كل ما يتصف به الحوادث والأكثر على أنه غير مشتق وعلى أنه مشتق قال الإمام السنوسي الأقرب أنه مشتق من أله بالمكان إذا أقام به.
قال:
(ألهنا بدار لا تبين رسومها كأن بقاياها وشام على اليد)
وقيل مشتق من أله إلهة كعبد عبادة وزنا ومعنى فإله بمعنى مالوه أي معبود وقيل من لاه بمعنى ارتفع ومنه قيل للشمس إلهة، قال:
(تروحنا من اللهباء قسرا واعجلنا الإلهة أن تغيبا)
أو بمعنى احتجب، ومنه:
(لاهت فما عرفت يوما بخارجة يا ليتها برزت حتى عرفناها)
وقيل من وله غذا تحير لأنه تتحير في عظمته العقول ومذهب سيبويه أنه هو أعرف المعارف وحكي أنه ريئ في النوم فأخبر ان الله
[ ١ / ٤ ]
فعل به خيرا كثيرا لقوله إنه هو أعرف المعارف والرحمن هو المنعم بالنعم التى لا تدخل تحت كسب العباد كبعث الرسل والرحيم المنعم بالنعم التى تدخل تحت كسبهم وغيرها فهو أعم من الرحمن على هذا ولهذا صح إطلاقه على غيره تعالى.
أو الرحمن ذو الرحمة العامة في الدنيا على جميع الخلق والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة أو الرحمن المنعم بجلائل النعم كمية وكيفية والرحيم المنعم بدقائقها كمية وكيفية وأخر عن الرحمن لاختصاص الرحمن به تعالى وأما معنى تركيبها فاعلم أنها نقلت من الخبر إلى الإنشاء في لإنشاء التبرك لأنه يحصل عند النطق بها واما اعرابها فالمجرور متعلق بمحذوف والمختار كونه فعلا ويقدر مؤخرا ليدل على الحصر والرد على الكفار في ابتدائهم بأسماء آلهتهم خاصا كأولف هنا لا عاما كأبدأ والعمل المشروع فيه يعين العامل المحذوف فكل فاعل يمر أي يقدر في ضميره عاملا مناسبا لما شرع فيه من أكل أو قراءة مثلا، وقيل المجرور خبر مبتدء محذوف واسم الجلالة مضاف إليه وليست إضافته بيانية لأن المقصود من الأول الأسماء ومن الثاني الذات ولذا وصف بما بعده على طريق النعت أو البيان أو البدل وقيل الأول بدل من الجلالة والرحيم نعت للرحمن. وأما سبب الابتداء بها فالاقتداء بالقرآن العظيم وسنة نبيه الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وقد أجمع علماء كل أمة أن الله افتتح كل كتاب بها وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يبدأ بها في رسائله وكان أولا يكتب باسمك اللهم حتى نزلت باسم الله مجريها فكتب بسم الله فلما نزل قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن كتب بسم الله الرحمن فلما نزلت بجملتها في سورة النمل كتبها.
وفي الحديث: "كل امر ذي بال لا يبدأ فيه ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقطع" وفي رواية "أبتر"، وفي رواية "أجذم" أي ناقص البركة وإن تم حسا، وأما حكمها فتجب مرة في العمر وتسن في الأكل والشرب وتندب في سوى ذلك مما تشرع فيه وتكره في المحرم والمكروه وقيل تحرم في
[ ١ / ٥ ]
المحرم، وذكر غير واحد أنها تجب في الذكاة، وقال الأمير: ان الواجب في الذكاة مطلق ذكر اسم الله تعالى ومما تشرع فيه: الشعر المحتوي على علم أو وعظ أو مدحه ﷺ.
فائدة:
نظم بعضهم ما يج مرة في العمر من الكلام فقال:
(هاك جميع ما من القول يجب في العمر مرة وما زاد استحب)
(بسملة حمدلة والهيلله استغفر الله كذا والحوقله)
(والحكم في التسبيح والتكبير كذا وتعويذ بذي التقدير)
(ثم الصلاة معها السلام على الذي اقتدى به الأنام)
وأما فضلها فصحح الحاكم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "من قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتب الله له بكل حرف أربعة آلاف حسنة محى عنه أربعة آلاف سيئة ورفع له أربعة آلاف درجة". وقال: "من قال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم صرف الله عنه سبعين بابا من البلاء أدناها الهم والغم واللمم". وقال: "ستر ما بينكم وبين الجن أن تقولوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". وقال: "خير الناس وخير من مشى على الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فإن المعلم إذا قال للمعلم قل بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فقالها كتب الله للصبي ولوالديه وللمعلم براءة من النار".
وأما قرآنيتها فمذهبنا أنها ليست من القرآن وإنما هي رقية تنزل مع كل نبي وتتفع معه إلا نبينا محمدا ﷺ بقيت رحمة لأمته. ومذهب الشافعي أنها آية ن الفاتحة فمن تركها بطلت صلاته. وقيل آية من كل سورة وقيل بعض آية ن كل سورة وقيل آية في الفاتحة وجزء آية في غيرها وقيل بالعكس وقيل آية فذة. ومحل الخلاف في غير التى في "النمل" وأما هي فلا خلاف أنها من القرآن.
وأما كتابتها فعن معاوية أنه ﷺ قال: "ألق الدواة
[ ١ / ٦ ]