سمي بذلك لشرفه وارتفاعه في قومه فكانوا يخضعون له حتى أرخوا بموته إلى عام الفيل فأرخوا به، ثم بموت عبد المطلب، وقيل من الكعب الذى هو قطعة السمن الجامد وهو أول من جمع الناس لمجرد الوعظ يوم العروبة وكانت تجتمع إليه قريش فيه فيخطبهم ويذكرهم بمبعث النبي ﷺ ويعلمهم بأنه من ولده ويأمرهم بالإيمان به إن أدركوه وينشد مع ذلك أبياتا منها قوله:
(يا ليتني شاهد نجواء دعوته إذا قريش تبغي الحق خذلانا)
وقوله نجواء بنون وجيم أي دعوته السر إشارة إلى ما في ابتداء الدعوة من الخفاء قبل الأمر بالصدع ومدة ضرورة وفي نسخة فحواء بفاء فحاء مهملة أي معنى ومده ضرروه. وقوله تبغي بضم الفوقية وفتح الموحدة وكسر الغين المعجمة من بغاه الشيء بالتخفيف طلبه شدد مبالغة وفي نسخة: حين العشيرة تبغي الحق خذلانا، بفتح فسكون فكسر مخففا، والمراد أنه يتمنى إدراك زمن دعوته ﷺ للناس وقريش يعارضونه ويطلبون خذلان دينه لينصره ويظهر دينه وكان كعب فصيحا خطيبا وكان يأمر بتعظيم الحرم وعلمه هو به ﷺ من الوصية المستمرة من آدم أن من كان فيه النور لا يضعه إلا في المطهرات لأن ختام الأنبياء منه وكان طاهارا أو من الكتب القديمة أن من كان بصفة كذا كانمحمد من ولده والأول أظهر، وروى أبو نعيم عن كعب الأحبار أن بين موت كعب ومبعث النبي ﷺ خمس مائة وستين سنة، انظر الزرقاني. وأما اللام فإشارة إلى لؤي بضم اللام وبالهمز وتبدل واوا، تصغير لأي كعصي وهو الثور الوحشي قاله ابن الانباري، قال ويحتمل أنه تصغير لأي بوزن عبد وهو البطء ويؤيده قوله:
(فدونكم بنى لؤي أخاكم ودونك مالكا يا أم عمرو)
واختار السهيلي الثاني وقال أبو حنيفة اللأ البقرة وقال الأصمعي هو تصغير لواء الجيش وقيل منقول من لوى الرمل وكنيته أبو كعب وكان له سبعة ذكور.
[ ١ / ٢٧ ]
(غف) أما الغين فإشارة لغالب منقول من اسم فاعل مشتق من الغلب بالتحريك أو بفتح فسكون يقال غلبة بهاء وأما الفاء فإشارة إلى فهر بكسر الفاء وسكون الهاء فراء منقول من الفهر الحجر الطويل الألمس، قاله السهيلي وقال الخشني الفهر حجر ملء الكف يذكر ويؤنث وخطأ الأصمعي من أنثه وفي الفتح الفهر الحجر الصغير وفي الإرشاد الطويل والأملس واسمه قريش. وعن الزهري أن أمه سمته قريشا وأبوه سماه فهرا وقيل فهر لقبله وقيل بالعكس وإليه تنسب قريش ونسب للأكثر، قال الزهري وهو الذى أدركت عليه من أدركت من نساب العرب أن من جاوز فهرا فليس من قريش فما كان فوقه فكناني لا قرشي على الصحيح قاله في المواهب. قال الزرقاني صححه الدمياطي والعراقي وغيرهما. (من) أما الميم فإشارة لمالك، اسم فاعل من ملك، قال الخميس سمي مالكا لأنه كان ملك العرب وأما النون فإشارة للنضر واسمه قيس ولقب بالنضر لنضارة وجهه وجماله وله من الذكور مالك والصلت ويخلد بفتح التحتية وسكون المعجمة وضم اللام فدال مهملة وبه يكنى أبوه ولكن لم يعقب إلا من مالك وذهب الأكثرون إلى أن النضر هو قريش وبه قال الشافعي قال النووي وهو الصحيح المشهور وصححه أيضا الحافظ العلائي وعزاه للمحققين وللعراقي.
(أما قريش فالأصح فهر جماعها والأكثرون النضر)
قال الحفاظ: وعندي أنه لا خلف في ذلك لأن فهرا جماع قريش ثم أن أباهم مالكا لم يعقب غيره وكذلك النضر لا عقب له إلا مالك فاتفق القولان بحمد الله تعالى فقريش ينتهي نسبها كلها إلى فهر وقيل قريش هو إلياس وقيل مضر وقيل قصي، قال البرهان وهو باطل وكأنه قول رافضي لأنه يقتضي أن أبا بكر وعمر ليسا من قريش فإمامتهما باطلة وهو خلاف إجماع المسلمين. واختلف في سبب تسمية قريش أخرج البخاري في تاريخه أن ابن عباس سأله عمرو بن العاص فقال انه
[ ١ / ٢٨ ]
قريشا تزعم أنك أعلمها فلم سميت قريش قريشا؟ فقال بأمر بين. فقال ففسره لنا، ففسره: قال هل قال فيه أحد شعرا؟ قال نعم. وقد قال الشمرخ بن عمرو الحميري:
(وقريش هي التي تسكن البحـ ـر بها سميت قريش قرشا)
(تأكل الغث والسمين ولا تتـ ـرك فيه لذي جناحين ريشا)
(هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كميشا)
(ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا)
(يملأ الأرض خيله ورجال يحشرون المطي حشرا كشيشا)
وأكلا كميشا أي سريعا والخموش الخدوش قاله الزرقاني وقيل من التقريش وهو التفتيش لأنهم يفتشون عن خلة الناس فيسدونها وقيل لأنهم كانوا يتجرون من قرش كضرب إذا تجر وقيل من الاقراش وهو وقوع الرايات والرماح بعضها على بعض وقيل غير ذكل، وقريش البطحاء من دخل مكة مع قصي والظواهر من أقام بظاهر مكة ولم يدخل الأبطح.
(كخم) أما الكاف فإشارة إلى كنانة بكاف مكسورة فنونين مفتوحتين بينهما ألف ثم هاء منقول من الكنانة التي هي الجعبة بفتح الجيم وسكون العين المهملة سمي بذلك تفاؤلا بأنه يصير كالكنانة الساترة للسهام فكان سترا على قومه وقيل سمي به لأنه لم يزل في كن من قومه وكان عظيم القدر يجتمع إليه العرب لعلمه وفضله بينهم وأما الخاء فإشارة الخزيمة تصغير خزمة وهي مرة من الخزم وهو شد الشيء وإصلاحه وقال الزجاجي يجوز أنه من الخزم بفتح فسكون تقول خزمته فهو مخزوم إذا أدخلت في أنفه الخزام وقيل تصغير خزمة بكسر فسكون برة في أنف البعير يشد فيها الزمام، قال في الغرر ولم أر من تعرض لوجه المناسبة لنقله مما ذكر، قال ابن عباس مات خزيمة على ملة ابراهيم.
[ ١ / ٢٩ ]
تنبيه:
ذكرالزبير بن بكار وتبعه السهيلي أن خزيمة لما مات خلف ابنه كنانة على زوجته برة بنت إد بن طابخة فتزوجها فولدت له النضر علي ما كانت تفعله الجاهلية من أن أحدهم إذا مات خلف على زوجته أكبر بنيه من غيرها وقد قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ أي من تحليل ذلك قبل الإسلام، قال وفائدة الإستثناء ليلا يعاب نسب النبي ﷺ وليعلم أنه لم يكن في أجداده سفاح اهـ وتعقب هذا الحافظ القطب الحلبي بما حاصله أن هذا غلط نشأ من اشتباه وذلك أن أبا عثمان الحافظ قال ان كنانة خلف على زوجة أبيه فماتت ولم تلد ذكرا ولا أنثى فنكح ابنة أخيها وهي برة بنت مر بن إد بن طابخة فولدت له النضر، قال الحفاظ وإنما غلط كثير لما سمعوا أن كنانة خلف على زوجة أبيه لاتفاق اسمهما وتقارب نسبهما، قال وهذا الذى عليه مشائخنا من أهل العلم ومعاذ الله أن يكون أصاب نسبه ﷺ نكاح مقت وقد قال: "مازلت أخرج من نكاح كنكاح الاسلام، " ومن ثال غير هذا فقد أخطأ والحمد لله الذى طهره من كل وسم تطيرا اهـ.
قال ادميري وهذا أرجو به الفوز للحافظ في منقلبه وأن يتجاوز عنه ما سطره في جميع كتبه اهـ وقد صوب مغلطاي كلام الحافظ وأن خلافه غلط ظاهر، قال وهذا الذى يثلج به الصدر ويذهب حره ويزيل الشك ويطفؤ شرره قال الشامي وهو من النفائس التي يرحل إليها والسهيلي تبع الزبير بن بكار والزبير كأنه تبع الكلبي وهو متروك بل لو نقله ثقة لم يقبل لمخالفة الأحاديث الناطقة بخلافه اهـ.
وكذا ما قيل أن هاشما خلف على وافدة زوجة أبيه بفرض صحته وليست جدة للنبي ﷺ، فإن أم عبد المطلب أنصارية ولذا كانت الأنصار أخوال المصطفى ﷺ، اهـ نقله محمد بن عبد الباقي.
وأما الميم فإشارة لمدركة والتاء للمبالغة منقول من اسم فاعل من
[ ١ / ٣٠ ]
الإدراك لقب به لأنه أدرك كل عز وفخر كان في أبائه وكان فيه نور المصطفى ﷺ ظاهرا بينا واسمه عمرو عند الجمهور وهو الصحيح وقيل عامر وتنوين كخم غير معتبر.
(أمن) أما الهمزة فإشارة إلى إلياس والمعروف أنه اسمه وفي سيرة مغلطاي اسمه حبيب وهمزنه همزة قطع، ثبت في الدرج عند ابن الأنباري وهي مكسورة وفي الخميس إنما سمي إلياس لأن أباه كبر ولم يولد له فولد على الكبر الياس فسمي إلياس وكنيته أبو عمر وله أخ يقال له الناس وهو عيلان قال ابن الأنباري وهو إفعال من قولهم أليس الشجاع الذى لا يفر. قال الشاعر:
(اليس كالنشوان وهو صاح)
ووافق ابن الأنباري علي كسر همزته طائفة وقال قاسم بن ثابت وهو بفتحها وهي همزة وصل من اليأس ضد الرجاء واللام للتعريف وأنشد قاسم على ذلك قول قصي:
أمهتي خندف وإلياس أبي
قال الإمام السهيلي وهذا أصح من قول ابن الأنباري وهو أول من أهدى البدون إلى البيت ويذكر أنه كان يسمع في صلبة تلبيتة النبي ﷺ في الحج ولما أدرك إلياس أنكر علي بنى إسماعيل ما غيروا من سنن آبائهم وبان فضله عليهم ولان جانبه لهم حتى جمعهم رأيه ورضوا به فردهم إلى سنن آبائهم وكان ذا جمال بارع وهو وصي أبيه ولم تزل العرب تعظمه تعظيم أهل الحكمة كلقمان وأشباهه وكان يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ولا يقطع أمر دونه، ويذكر عن النبي ﷺ انه قال: «لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا»، ولما مات إلياس أسفت عليه زوجته خندف أسفا شديدا ونذرت أن لا يأويها بيت ولا تقيم في بلد فتركت بنيها منه وساحت في الأرض حتى هلكت حزنا عليه ومات يوم الخميس فنذرت أن تبكيه كلما طلعت الشمس يوم الخميس حتى تغيب وضربت الأمثال بحزنها عليه انظر الزرقاني. وأما الميم فإشارة لمضر قيل سمي به لأنه يجب اللبن الماضر أي الحامض
[ ١ / ٣١ ]