في غيره، وقال ربيعة بن عمر والعامري قال في النور ولا أعلم ماذا جرى له نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلانا فلا نبالي إلى أين ذهب، فقال النجدي لعنه الله، والله ما هذا برأي، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال لما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك حتى يتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم، ثم يفعل بكم ما أراد أديروا فيه رأيًا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم وقعتم فيه، أرى أن تأخذ كل قبيلة شابًا جلدًا نسيبًا وسيطًا، ثم يعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، ويتفرق دمه في القبائل فلا تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا فنعقله لهم، فقال النجدي: القول ما قال لا أرى غيره، فأجمع رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك، وإنما تمثل لهم في صورة نجدي لأنهم قالوا لا يدخلن معكم أحد من أهل تهامة؛ لأن هواهم مع محمد، ثم أتى جبريل النبي ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرقبونه حتى ينام فيثبوا عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم أمر عليًا أن ينام مكانه، وقال: تسبح بردي هذا الأخضر فنم فيه فإنه لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم، فكان علي أو من شرى نفسه في الله ووقى بها رسول الله ﷺ وفي ذلك يقول علي ﵁:
(وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر)
(رسول إله خاف أن يمكروا به فنجاه ذو الطول الإله من المكر)
(وبات رسول الله في الغار آمنًا موقى وفي حفظ الإله وفي ستر)
(وبت أراعيهم وما يتهمونني وقد وطنت نفسي على القتل والأسر)
ويتهمونني بضم التحتية وصوب الزمخرشي أنه لم يقل إلا بيتين لكن في مسلم أنه قال مجيبًا لمرحب اليهودي يوم خيبر:
[ ١ / ١٦١ ]
(أنا الذي سمتني أمي حيدره الخ)
ثم خرج رسول الله ﷺ من الباب، ونثر على رؤوسهم كلهم ترابًا كان في يده وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، ثم انصرف حيث أراد، وقد أخذ الله على أبصارهم فلم يره أحد منهم، وروى أحمد بإسناد حسن أنه خرج حتى لحق بالغار أي غار ثور وفي رواية ابن هشام فأفاد أنه توارى فيه حتى أتى أبا بكر منه في نحر الظهيرة، ثم خرج إليه هو وأبو بكر ثانيًا، وفي البيضاوي فبيت عليًا على مضجعه، وخرج مع أبي بكر إلى الغار، انتهى، فأتاهم آت ممن لم يكن معه فقال ماذا تنتظرون ها هنا؟، قالوا: محمدًا، قال قد خيبكم الله، والله خرج محمد عليكم ثم ما ترك فيكم رجلًا إلا وضع على رأسه ترابًا، فوضع كل رجل يده على رأسه فإذا عليه تراب، وفي رواية ابن أبي حاكم عن ابن عباس فما أصاب رجلًا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا، وفي هذا نزل ﴿﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] (الآية)، ثم أذن الله تعالى لنبيه في الهجرة إلى المدينة، قال ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي﴾ [الإسراء: ٨٠]، أي المدينة، مدخل صدق أي إدخالًا مرضيًا لا أرى فيه ما أكره، وأخرجني أي من مكة، مخرج صدق أي إخراجًا لا التفت إليها بقلبي، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا أي قوة تنصرني بها على أعدائك، أخرجه الترمذي وصححه هو والحاكم انتهى من المواهب وشرحها، وبعضه من الكلاعي ثم بين الناظم رحمه الله تعالى سن رسول الله ﷺ حين هاجر فقال:
(وهاجر المختار لما أن وصل خمسين مع ثلاثة حتى نزل)
(بطيبة الغراء حيث أمرا )
يعني أنه ﷺ هاجر من مكة إلى المدينة زادهما الله تعالى تعظيمًا لما بلغ عمره المبارك ثلاثًا وخمسين سنة، فقوله حتى نزل غاية لهجرته ﵇، وطيبة من أسماء المدينة ووصفها بالغراء لإشراقها بنور المصطفى ﷺ، وقد انتشر منها الدين
[ ١ / ١٦٢ ]
الحنيفي في جميع البلاد.
وقوله حيث أمر متعلق بنزل أي نزل بالموضع الذي أمره الله تعالى أن ينزل فيه وكانت مدة إقامته بمكة من حين النبوءة ثلاث عشرة سنة كما رواه البخاري عن ابن عباس وروى مسلم عنه خمس عشرة، قال الحافظ: والأول أصح اهـ، وهو قول الجمهور، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي، وكان خروجه ﵇ من مكة بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبًا منها، ذكره الحاكم، وجزم ابن إسحاق أنه خرج أول يوم من ربيع الأول، فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يومًا؛ لأن البيعة في ذي الحجة ليلة ثاني أيام التشريق، فالباقي من الشهر ثمانية عشر يومًا إن كان تامًا، وإلا فسبعة عشر، وقدم ﷺ المدينة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول على الراجح، وقيل لثمان خلت منه كما في الاستيعاب، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة يوم الاثنين، إلا أن محمدًا ابن موسى الخوارزمي قال إنه خرج من مكة يوم الخميس، ويجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس، وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين لأنه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين، وقول الحاكم تواترت الأخبار أن خروجه يوم الاثنين مجاز أطلق اليوم على الليلة، وروى الحاكم أنه ﷺ قال لجبريل من يهاجر معي، قال أبو بكر الصديق، قال الحاكم صحيح غريب، وأخبر عليًا أنه يريد الخروج وأمره أن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عنده للناس، وذلك أنه كما قال ابن إسحاق ليس في مكة أحد يكون عنده شيء يخاف عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من أمانته، قالت عائشة ﵂: كان لا يخطئ رسول الله ﷺ أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله ﷺ في الهجرة، أتانا في الهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها.
[ ١ / ١٦٣ ]
فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله ﷺ هذه الساعة إلا من حدث، فلما دخل تأخر أبو بكر عن سريره فجلس عليه رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر أخرج من عندك، فقال لا عين عليك إنما هما ابنتاي بأبي أنت وأمي، فقال ﷺ فإنه قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والصحبة بالنصب معمول لأريد محذوف أو مرفوع بتقدير مطلوبي، قال ﷺ نعم، قالت عائشة ﵂: فرأيت أبا بكر بكى وما كنت أحسب أن أحدًا يبكي من الفرح، فقال أبو بكر فخذ بأبي أنت وأمي يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، فقال ﷺ إني لا أركب بعيرًا ليس لي، فقال لك، قال لا ولكن الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا، قال قد أخذتها بذلك.
وأفاد الواقدي أن الثمن ثمان مائة درهم وأن التي أخذ النبي ﷺ هي القصواء، وكانت من نعم بني قشير وعاشت بعده ﷺ قليلًا وماتت في خلافة أبي وكانت مرسلة ترعى بالبقيع، وذكر ابن إسحاق أنها الجدعاء وكانت من إبل بني الحريش بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وسكون التحتية وشين معجمة، وفي سيرة عبد الغني أن الثمن أربع مائة درهم وإنما لم يقبلها إلا بالثمن وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله أكثر من ذلك، فقبله كما ذكر السهيلي إنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه ﵇ في استكماله فضل الهجرة إلى الله تعالى، وأن تكون على أتم الأحوال، ثم إن النبي ﷺ لما أجمع على الخروج أتى أبا بكر فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته وهي بفتح المعجمتين بينهما واو ساكنة، وهي الباب الصغير كما في الزرقاني وغيره بعد دخوله عليه في نحر الظهيرة، وكان خروجهما ليلًا فمضيا إلى غار ثور بمثلثة فمكثا فيه ثلاث ليال كما هو لفظ البخاري وثور جبل بمكة وفي الأنوار الغار ثقب في أعلى ثور في يمنى مكة على مسيرة ساعة وقيل على ثلاثة أميال
[ ١ / ١٦٤ ]