أخرى قال فيه الزرقاني فلينظر ما قدر البعض اهـ.
ثم ان خديجة ﵂ عرضت نفسها عليه ﷺ بلا واسطة كما عند ابن إسحاق، قالت ياابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك ووساطتك فى قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك أو بواسطة كما رواه ابن سعد عن نفيسة بنت منية قالت كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر قد طلبوها وبذلوا لها الأموال فأرسلتني دسيسا إلي محمد ﷺ بعد أن رجع فى عيرها من الشام فقلت يا محمد ما يمنعك أن تتزوج فقال ما بيدي ما أتزوج به، قلت فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال فمن هى؟ قلت خديجة! قال وكيف لي بذلك فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن أتي الساعة كذا قال الزرقاني والجمع بينهما ممكن بأنها بعثت نفيسة أولا لتعلم هل يرضى فلما علمت ذلك كلمسته بنفسها وسبب عرضها ما أخبرها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات وما ذكره ابن إسحاق قال كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه فاجتمعن يوما فيه فجاع هن يهودي فقال يامعشر نساء قريش إنه يوشك أن يبعث فيكن نبى فأيتكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل، فحصبته وأغلظن له وأغضت خديجة ووقر ذلك فى نفسها. فلما أخبرها ميسرة بما رأى وما رأته هى قالت إن كان ما قال اليهودي حقا ما ذاك إلا هذا اهـ. وحصبنه: رمينه بالحصباء، وأغضت بغين وضاد معجمتين سكتت قاله الزرقانى، ثم لما أرسلت إليه خديجة ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه منهم حمزة كما عند ابن إسحاق وخطبها من أبيها له ﷺ فتزوجها ﵇ وقال المبرد ان أبا طالب هو الذي نهض معه وهو الذي خطب خطبة النكاح، قال في النور فلعلهما خرجا جميعا والذى خطب أبوطالب لأنه أسن من حمزة اهـ
ولابن إسحاق من طريق آخر: وحضر أبو طالب ورؤساء مضر فخطب
[ ١ / ٩٩ ]
أبو طالب فقال الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح به فإن كان في المال قل المال ظل زائل وأمر حائل ومحمد ممن عرفتم قرابته وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما عاجله وآجله من مالي كذا وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم. وفي المنتقى فلما أتم أبو طالب الخطبة نبأ عظيم وخطر جليل جسيم. وفي المنتقى فلما أتم أبو طالب الخطبة قال ورقة بن نوفل الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا على معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربع مائة دينار ثم سكت فقال أبو طالب قد أحببت أن يشركك عمها فقال عمها أشهدوا على يا معشر قريش أني قد أنكحت محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد وشهد على ذلك صناديد قريش وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة من ماله زيادة على ما دفعه أبو طالب وهو على ما ذكره الدولابي أربعون أوقية ذهبا ونشا، والنش بفتح النون وبالشين المعجمة نصف أوقية وتقدم عن المنتقى أنه أصدقها أربعمائة دينار اهـ.
وما مر من أنه خطبها إلى أبيها وأنه هو الذي زوجها هو ما جزم به ابن إسحاق أولا وقيل ان الذي زوجها عمرو بن أسد عمها ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه لأن أباها مات قبل ذلك قال السهيلي وهو الأصح وقيل زوجها أخوها عمرو بن خويلد وكونه ﷺ أصدقها عشرين بكرة قاله في المواهب. قال الزرقاني عقبه كما قاله المحب الطبري قائلا ولا تخالف بينه وبين ما يقال أن أبا طالب أصدقها عنه لجواز أنه ﷺ زاد في صداقهما فكان الكل صداقا اهـ وقولي فيما مر زيادة على ما دفعه أبو طالب قاله الزرقاني أيضًا في موضع آخر. وقوله وزرع إسماعيل أي مزروعه والمراد ذريته غاير
[ ١ / ١٠٠ ]
بينه وبين ما قبله تفننا وكراهة لتوارد الألفاظ. ووالضئضئ بكسر الضادين المعجمتين ووبهمزتين الأولى ساكنة ويقال ضئضيئ بوزن قنديل وضؤضوء بوزن سرسور ويقال أيضا بضادين وسينين مهملتين وهو فى الجميع الأصل. والعنصر بضم العين المهملة وسكون النون وضم الصاد المهملة وقد تفتح الأصل والإضافة فيهما بيانية أي أصل هو معد ومضر وسواس حرمه أي مدبروه والقائمون بأمره وقوله الحكام على الناس أي حكم طوع ووانقياد لمكارم أخلاقهم وحسن معاملاتهم لا حكم ملك وقهر ولا ينافى قول صخر لقيصر ليس فى آبائه من ملك. والقّل بالضم مشترك بين ضد الكثرة والشيء القليل. وقوله حائل أي لا بقاء له لتحوله من شخص لآخر ومن صفة إلى أخرى. وقوله عرفتم قرابته أي لهاشم وعبد المطلب الآباء الكرام، فالحسب أعظم من كثرة المال. وقوله ما آجله إلخ .. فى رواية ان أبا طالب قال: وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وآجله اثنتى عشرة أوقية ذهبا ونشا، قالوا وكل أوقية أربعون درهما وجملة الصداق خمسمائة درهم شرعي والصداق ذهب ولا ينافيه التعبير بالدرهم لأنه بيان للوزن فلا يستلزم كون الصداق فضة قاله الزرقاني.
فائدة:
تزوج خديجة قبل رسول الله ﷺ أبو هالة التميمي بميمين نسبة إلى تميم وكان حليفا لبني عبد الدار كما في الفتح، فولدت له هند الصحابي راوى حديث وصف النبي ﷺ وكان فصيحا بليغا وصافا وكان يقول أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا أبي رسول الله ﷺ وأخي القاسم وأختي فاطمة وأمي خديجة، وولدت له أيضا هالة وهو من زعم أن هالة أنثى واسم أبي هالة قيل زرارة وقيل مالك، وقيل هند وقيل النباش بفتح النون وشد الموحدة ومات فى الجاهلية وبعد موته تزوجها عتيق بن عابد بالموحدة والدال المهملة بن عبد الله
[ ١ / ١٠١ ]
بن عمرو بن مخزوم كذا ضبطه فى الإكمال، وتبعه التبصير وقال اليعمرى انه الصواب، ولاين الأثير أنه بتحتية وذال معجمة وهو مردود وقد صرح العلامة النساب الزبير بن بكار بأن من كان من ولد عمرو فهو بالموحدة والمهملة كان من ولد أخيه عمران فهو عائذ بتحتية ومعجمة وولدت لعتيق أنثى اسمها هند أسلمت وصحبت وقيل ان عتيقا هو الذي تزوجها أولا وهي بكر واقتصر عليهـ في العيون والفتح ثم هلك عنها، وتزوجها بعده أبو هالة انظر المواهب وشرحها.
(خير نساء الناس أجمعينا) قوله خير منصوب نعت لخديجة ويصح رفعه خبر مبتدأ محذوف على أنه مقطوع عن التبعية ومراده أن خديجة ﵂ هي أفضل النساء جميعا وظاهره تفضيلها حتى على فاطمة ومريم، وقد قال في فتح الباري فى فضل عائشة، قال السبكي الكبير الذى ندين الله به أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة والخلاف شهير ولكن الحق أحق أن يتبع، ثم قال ابن حجر وقيل انعقد الإجماع على تفضيل فاطمة، وبقى الخلاف بين عائشة وخديجة اهـ
– المراد منه هنا.
وقال فى مناقب فاطمة وأقوى ما استدل به على تقديم فاطمة على غيرها من نساء عصرها قوله ﷺ انها سيدة نساء العالمين إلا مريم، وقال ﷺ فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وفى بعض طرقه ذكر مريم ﵍ وغيرها مشاركا لها اهـ.
وقال ابن حجر أيضا فى شرج حديث البخاري خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة، عن الطيبي أنه قال: والذى يظهر لى أن قوله خير نسائها خبر مقدم والضفير لمريم فكأنه قال مريم خير نسائها، أي نساء زمانها، وكذا في خديجة وقد جزم كثير من الشراح أن المراد نساء زمانها، تم قال جاء ما يفسر المراد صريحا فروى البزار والطبراني من حديث عمار رفعه لقد فضلت خديجة على نساء العالمين، وهو حديث حسن وأخرج النسائي بسند صحيح عن ابن عباس مرفوعا: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم
[ ١ / ١٠٢ ]
وآسية» وقد أورد ابن عبد البر من وجه آخر عن ابن عباس رفعه: «سيدة نساء العالمين مريم ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية» قال وهذا حديث حسن يدفع الإشكال اهـ.
وقال ابن جزي في قوله تعالى: ﴿واصطفاك على نساء العالمين) يحتمل أن يكون الإصطفاء مخصوصا بأن وهب لها عيسى من غير أب فيكون على نساء العالمين عاما وأن يكون الاصطفاء عاما ويخصص من نساء العالمين خديجة وفاطمة ويكون على نساء عالم زمانها وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق وقال الثعالبي: والعالمين يحتمل زمانها وقد قيل بتفضيلها على الإطلاق وقال الثعالبي واليعمري والعالمين يحتمل عالم زمانها وقال ابن عطية وسائغ أن يتأول عموم الاصطفاء على العالمين وقد قال بعض الناس أن مريم نبيئة وجمهور الناس على انها لم تتنبأ امرأة وقال السيوطي على نساء العالمين أهل زمانك اهـ.
وقال الشيخ مساحي الدين النووي ويظهر أن معناه يعنى حديث البخاري المتقدم، أن كل واحدة منهما خير نساء الأرض فى عصرها، فأما التفضيل بينهما فمسكوت عنه، روي البخاري عن ابي موسي رفعه، كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد علي سائر الطعام، انتهي من الريان.
وقال في المواهب ممزوجا ببعض كلام شرحها وكانت خديجة أول من آمن من الناس على الإطلاق، كما حكى عليهـ الثعالبي وابن عبد البر وابن الأثير الاتفاق وفى الصحيحين ان جبريل قال للنبي ﷺ يا محمد هذه خديجة أتتك أي توجهت إليك بإناء فيه طعام أو إدام أو شراب، بالشك من الراوى، فإذا هي أتتك فاقرأ بهمزة وصل وفتح الراء، ﵍ من ربها ومنى، وهذه خاصة لم تكن لسواها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه بفتح المهملة والمعجمة بعدها موحدة، الصياح والمنازعة برفع الصوت، ولا نصب بفتح النون والمهملة فموحدة التعب، والقصب اللؤلؤ المجوف، وروى الطبراني عن
[ ١ / ١٠٣ ]
فاطمة قلت يا رسول الله ﷺ أين أمى خديجة؟ قال فى بيت من قصب! قلت: أمن هذا القصب؟ قال لا من القصب المنظوم - .. بالدر واللؤلؤ والياقوت اهـ.
وفى لفظ القصب مناسبة لكونها أحرزت قصب السبق لمبادرتها إلى الإيمان وكذا فى لفظ البيت لأنها كانت ربة بيت فى الإسلام منفردة به، فلم يكن على وجه الأرض فى أول يوم بعث فيه رسول الله ﷺ بيت إسلام إلا بيتها، وجزاء الفعل يذكر غالبا بلفظه، فلذا عبر ببيت دون قصر، وفيه مناسبة أخرى لأن مرجع آل بيته ﷺ إليها، وكذا فى نفي الصخب والنصب مناسبة لفعلها، فلم تحوج النبي ﷺ لما دعى إلى الإيمان إلى رفع صوت ولا تعب، قال الإسكاف والبيت زائدا على ما أعد لها من ثواب عملها، ولذا الإمام أحمد والنسائي وأبو داوود والحاكم وصححاه أنه ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون»، وهما من زوجاته ﷺ في الجنة كما عند ابن عساكر بسند ضعيف، قال الشيخ العراقي خديجة أفضل أمهات المؤمنين على الصحيح المختار عند العلماء بدليل هذا الحديث والذى قابله من اقراء السلام عليها من الله تعالى ولقوله ﷺ خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة أي مريم خير نساء الأمة الماضية وخديجة خير نساء هذه الأمة كما قال الحافظ جاء ما يفسر المراد صريحا يعني ما قدمت عنه في حديث البزار والطبراني وقال في الإصابة يفسره ما أخرجه ابن عبد البر أنه ﷺ قال لفاطمة ألا ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ قالت يا .. أبت فأين مريم؟ قال تلك، سيدة نساء عالمها اهـ.
ولأنه ﷺ أثنى على خديجة ما لم يثن على غيرها، قالت عائشة كان ﷺ لا يخرج من البيت حتى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها وللطبراني وكان إذا ذكر خديجة لم يسأم
[ ١ / ١٠٤ ]
من ثناء عليها واستغفار لها، وقيل عائشة أفضل وضعف بحيث بالغ ابن العربى فقال لا خلاف أن خديجة أفضل من عائشة قال فى الفتح ورد بأن الخلاف ثابت وإن كان الراجح أفضلية خديجة. وقال شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري عند ذكر أزواجه ﷺ وأفضلهن خديجة وعائشة، وفي أفضليتهما خلاف وصحح ابن العماد والسبكي وغيرهما تفضيل خديجة لما ثبت أنه ﷺ قال لعائشة ﵂ لما حملتها الغيرة من كثرة ثنائه على خديجة على أن قالت قد رزقك الله خيرا منها، قالت فغضب حتى قلت والذى بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير. فقال والله ما رزقنى الله خيرا منها. آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقت بي حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منى الولد إذ حرمتموه. وسئل الإمام أبو بكر بن الامام المجتهد دواوود الظاهري أبيهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبي ﷺ السلام من جبريل من قبل نفسه وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربه على لسان محمد، فهي أي خديجة أفضل، قيل له فمن الأفضل خديجة أم فاطمة؟ قال ان رسول الله ﷺ قال فاطمة بضعة منى بفتح الموحدة كما هو فى الرواية وحكي ضمها وكسرها أي فاطمة لحم منى فلا أعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحدا. قال السهيلى وهذا استقراء حسن، ويشهد له أن أبا لبابة لما ربط نفسه وحلف أن لا يحله إلا رسول الله ﷺ جاءت فاطمة لتحله فأبى لقسمه فقال ﷺ فاطمة بضعة مني، فحلته ويشهد له أيضا قوله ﷺ لفاطمة أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم فهذا دليل على فضلها على أمها، وبهذا استدل السبكي قال فى الفتح والذى يظهر أن الجمع بين الحديثين أولى
وقال فى الإصابة وقد ذكر حديث خير نسائها خديجة وقوله لفاطمة أما ترضين بأنك سيدة نساء العالمين يحتمل على التفرقة بين السيادة
[ ١ / ١٠٥ ]
والخيرية أو على أن ذلك بالنسبة لما وجد من النساء حين قاله لفاطمة، اهـ
وفيه نظر فإن المراد بالسيادة الخيرية وهى الفضل كما صرح به فى رواية أحمد وحمله على الموجودات ياباه قوله نساء العالمين وهو فى الصحيحين لأنه تخصيص للعام بلا مخصص فقد ساوت أمها وزادت عليها لكونها بضعة المختار فهي أفضل منها وقد صرح هو فى الفتح فى المناقب بما لفظه قيل انعقد الإجماع على أفضلية فاطمة. وبقي الخلاف بين عائشة وخديجة اهـ .. بل توسع بعض المتأخرين فقال فاطمة وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة حتى من الخلفاء الأربعة فإن أراد من حيث البضعة فمحتمل وإن كان الخلفاء أفضل من حيث العلوم الجمة وكثرة المعارف ونصر الدين والأمة قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي وقال في المواهب عن السبكي الكبير والذي نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة. قال فى المواهب واختار السبكي أن مريم أفضل من خديجة قال الزرقاني ولم يتعرض للتفضيل بين مريم وفاطمة واختار السيوطي تفضيل فاطمة على مريم وسبقه إلى اختيار ذلك الزركشي والخيضري والمقريزي لكن يرد عليهم قوله لفاطمة أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم نعم يعارضه حديث أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين؟ قالت يا أبت فسي أين مريم؟ قال تلك سيدة نساء عالمها. ولم ينقدح لى وجه الجمع اهـ كلام الزرقاني، قال مؤلفه سمح الله له وتحصل مما مر أن الراجح المشهور تفضيل خديجة على عائشة ﵄ وأن الراجح تفضيل فاطمة على أمها كما جزم به السبكي والإمام أبو بكر بن داوود واستحسنه السهيلي وجزم به الزرقاني وتعقب ما فى الفتح من أنه لا يفضل بينهما بما مر قريبا ومنه أنه فى الفتح نقل الاجماع على أفضلية فاطمة في كتاب المناقب ويعني به ترجمة فضل عائشة فقد ذكر ذلك فيها، وأما التفضيل بين مريم وفاطمة فاختار الزركشي والسيوطي والخيضري والمقريزي أن فاطمة أفضل وأما ما بين خديجة ومريم فقال فيه النووي أن التفضيل
[ ١ / ١٠٦ ]
بينهما مسكوت عنه يعني على أنها ليست نبية كما هو مذهب الجمهور. وقد مرّ عن المفسرين أنه قيل بتفضيلها على نساء العالمين على الإطلاق والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. وحينئذ فقول الناظم خير نساء الناس أجمعينا يعني الموجودات في زمانها وتستثنى من ذلك فاطمة بضعة رسول الله ﷺ، والله أعلم. (قد) للتحقيق (أقامت معه عشرينا) سنة (وأربعا) من السنين ومراده أن خديجة ﵂ مدة حياتها بعد تزويج رسول الله ﷺ إياهًا أربع وعشرون سنة وقال الحافظ في الفتح وأقامت معه ﷺ خمسا وعشرين سنة على الصحيح وقال ابن عبد البر أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وسيأتى من حديث عائشة ما يؤيد الصحيح فى أن موتها قبل الهجرة بثلاث سنين وذلك بعد المبعث على الصواب بعشر سنين وتقدم تصديقها للنبي ﷺ فى أول وهلة اهـ.
وقال القسطلاني فى المواهب وكانت مدة مقامها مع النبي ﷺ خمسا وعشرين سنة اهـ، قال في الشرح على الصحيح كما في الفتح وهو المطابق للصحيح وهو قول الأكثر أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة وقال فى المواهب وشرحها وقيل أربعا وعشرين سنة وأربعة أشهر قاله ابن عبد البر وهو مطابق له أيضا بإلغاء الكسر فى عامي الزواج والوفاة، اهسـ .. وقد علم أن الناظم مشى على الصحيح من أنه تزوجها وهو ابن خمس وعشرين ودخل فى السادسة وقوله هنا أربعا وعشرين أي وأربعة أشهر فيصبح كلامه بإلغاء الكسر فى عام التزويج وعام الوفاة، كما أول به الزرقاني عبارة المواهب المحكية بقوله وهي موافقة لعبارة الناظم والله أعلم. أما على أن سنه إحدى وعشرون أو ثلاثون فلا يتأتى أن قالا ان موتها سنة عشر من البعثة، قاله الزرقاني وغيره (ورزق البنينا منها سوى أحدهم يقينا) نائب رزق ضمير عائد على النبي ﷺ والبنين مفعوله الثاني والضمير المجرور لأمنا خديجة ﵂ ويقينا مصدر مؤكد
[ ١ / ١٠٧ ]
لمضمون الجملة قبله وعامله محذوف أي أتيقن هذا أو نحوه يعنى أن النبي ﷺ أعطاه الله تعالى من الذرية الكرام ما أعطاه من البنين والبنات سوى إبراهيم من خديجة الطاهرة سيدة نساء قريش وهي من أعظم مزاياها التي اختصت بها عن غيرها ليمنها وسعادتها وإبراهيم هو المراد بقوله سوى أحدهم وسياتى للناظم التعرض لأولاده ﷺ ويأتي الكلام عليهم ان شاء الله تعالى عناد ذكر الناظم لهم.
وتوفيت خديجة ﵂ بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين وذلك بعد المبعث بعشر سنين على الصحيح كما فى الفتح والإصابة وزاد عن الواقدي لعشر خلون من رمضان وقيل قبل الهجرة بأربع سنين وقيل خمس حكاهما في الاصابة ووقيل ست حكاه في الفتح ودفنت بالحجون ونزل ﷺ فى حفرتها وهي بنت خمس وستين سنة كما فى رواية الواقدي، وفي السمط الثمين أربع وستون وستة أشهر ولم يكن يومئذ يصلى على الجنائز وروى ابن عساكر بسند ضعيف أنه ﷺ دخل على خديجة وهي فى الموت فقال يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فاقرئيهن مني السلام، فقالت يارسول الله وهل تزوجت قبلي؟ قال لا. ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى ورواه الزبير بن بكار بلفظ أنه دخل علي خديجة وهي في الموت فقال تكرهين ما ارى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا، أشعرت أن الله أعلمنى أنه سيزوجنى معك فى الجنة مريم وآسية وكلثم؟ فقالت الله أعلمك بهذا؟ قال نعم. وماتت هي وأبو طالب في عام واحد، قيل فسماه عام الحزن ﷺ، انظر الزرقاني.
(ثم ابن خامس وثلاثين حضر بناء بيت الله )
قوله ابن بالنصب حال من فاعل ضمير وهو ضمير النبي ﷺ وبيت الله الكعبة زادها الله تعالى تعظيما يعني أنه ﷺ حضر بناء قريش للكعبة وهو ﵇ إذ ذاك ابن
[ ١ / ١٠٨ ]
خمس وثلاثين سنة من مولده ﵊.
(إذ) أي حين (بنى) أي وضع ﷺ (الحجر) الأسود موضعه إذ تولى هو ﷺ وضعه في محله (بيده) متعلق ببني (الكريمة) أي الثابت لها ولصاحبها ﷺ أعلى ما توصف به الحوادث من الكمالات (الزكية) أي المباركة الكثيرة الخير (صلى عليه بارئ البرية) أي خالق المخلوقات كلها وهو الله تعالى. وكونه ﷺ حين بناء قريش للكعبة ابن خمس وثلاثين هو الذى جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء وهو الأشهر كما قال الحافظ وقيل ابن خمس وعشرين وجزم به موسى بن عقبة وروي عن مجاهد ومحمد بن جبير وسبب بناء قريش للكعبة أن قريشا خافت أن تنهدم الكعبة من السيول وذلك أن السيل أتى من فوق الردم الذى بأعلى مكة فخربه فخافوا أن يدخلها الماء، وقيل سببه احتراقها، فروي أن امرأة أجمرت الكعبة فطارت شرارة فى ثيابها فأحرقتها، وقيل أن نفرا سرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب وقيل غزالا واحدا مرصعا بجوهر وكان فى بئر فى جوف الكعبة فأرادوا أن يرفعوا بنيانها حتى لا يدخلها الا من شاؤوا، وقيل ان السيل دخلها وصدع جدرانها بعد توهينها وجمع كما فى الزرقاني بأنه لا مانع أن سبب بنائهم ذلك كله ويجوز أن خشية هدم السيل حصل من الحريق حتى أوهن بناءها ووجدت السرقة بعد ذلك، وأعدوا لذلك نفقة وعمالا ثم عمدوا إليها ليهدموها على إشفاق وحذر منهم أن يمنعهم الله ما أرادوا فأمروا باقوم القبطي مولى أسيد بن العاصي بن أمية وصانع المنبر النبوي المدني أن يبنيها لهم وباقوم بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة ويقال بلام بدل الميم صحابي كما في الاصابة، وروي ابن عيينة عن عبيد بن عمير قال اسم الرجل الذي بني الكعبة لقريش باقوم الرومي وكان في سفينة حبسها الريح وخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها وقالوا له ابنها على بناء الكنائس فيحتمل أنهما اشتركا فى بنائها أو أحدهما بنى والآخر سقف وأنهما واحد رومي فى الأصل ونسب إلى القبط حلفا وهذا هو الظاهر من كلام
[ ١ / ١٠٩ ]
الإصابة اهـ.
وروي ان السفينة ألقاها الريح بجدة فتحطمت فخرج إليها الوليد بن المغيرة في نفر من قريش فابتاعوا خشبها وكلموا باقوم في بنائها فقدم معهم. وقال ابن اسحاق كان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها قال فهاب الناس هدمها فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدأكم في هدمها فأخذ المعول وهو يقول اللهم لم ترع بفوقية مضمومة فراء مفتوحة أي لم تفزع الكعبة وهذا أولى من إعادة السهيلي الضمير لله تعالى، وفي رواية لم نزغ بفتح النون وكسر الزاء وغين معجمة أي لم نمل عن دينك اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين الأسود واليماني وتربص الناس الناس تلك الليلة وقالوا ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء هدمنا فقد رضي الله ما صنعنا. فاصبح الوليد عائدا إلى عمله فهدم وهدم معه الناس، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى أساس إبراهيم أفضووا إلى حجارة خضر كالأسنمة جمع سنام وهو أعلى الظهر للبعير ومن رواه كالأسنة جمع سنام شبهها بها في الخضرة، أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلة بين حجرين ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنغضت مكة بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الأساس وبنوا عليه اهـ.
وقوله عتلة في القاموس العتلة محركة حديدة كأنها رأس فأس أو العصى الضخمة من حديد لها رأس مفلطح يهدم بها الحائط وفي القاموس تنغض أي بالغين والضاد المعجمتين تحرك اهـ.
وفي رواية أنهم لما شرعوا في نفض البناء خرجت لهم الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء البطن فمنعتهم من ذلك فاعتزلوا عند مقام إبراهيم فتشاوروا فقال لهم الوليد ألست تريدون الإصلاح؟ قالوا بلى! قال فإن الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا في بيت ربكم إلا طيب أموالكم فإن الله لا يقبل إلا طيبا وعند موسى بن عقبة أنه قال لا تجعلوا فيها مالا أخذ غصبا ولا قطعت فيه رحم ولا انتهكت فيه حرمة
[ ١ / ١١٠ ]
وعند ابن اسحاق أن الذي أشار بذلك أبو وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم ففعلوا وقالوا اللهم إن كان لك فى هدمها رضى فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان فأقبل طائر من جو السماء كهيأة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض ورجلاه صفراوان والحية على جدار البيت فأخذها ثم طار بها فقالت قريش إنا لنرجو أن الله قبل عملكم ونفقتكم ثم إن قبائل قريش جمعت الحجارة لبنائها فكل قبيلة تنقل الحجارة على حدة وحضر رسول الله ﷺ وكان ينقل معهم الحجارة من أجياد وكانوا يضعون أزرهم رهام علي عواتقهم ويحملون الحجارة فقال له العباس اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة ففعل، فلبط به بالموحدة كعني أي سقط من قيامه فهو من الأفعال التى جاءت بصيغة المبني للمفعول وهي بمعنى المبني للفاعل ونودي يا محمد غط عورتك فشد عليه إزاره فلما ريئ بعد ذلك عريانا، وفى رواية كانوا كلما أرادوا القرب منه أي البيت لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها فبعث الله طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألغاها نحو أجياد فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينما النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته فنودي يا عريانا بعد، قال الزرقاني ليس المراد العورة المغلظة اهـ.
وفى المواهب فى هذه القصة وكان ذلك أول ما نودي اهـ. ثم إن قريشا بنوها فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فكل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحازبوا وتحالفوا،اعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم فسموا لعقة الدم فمكث قريش على ذلك أريع ليال أو خمسا ثم انهم اجتمعوا فى المجسد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة وكان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما
[ ١ / ١١١ ]