حتى خش، أي دخل في الفراش فصاح عدو الله أبو عفك فثار إليه أي اجتمع ناس ممن هم على قوله وأدخلوه منزله وقبروه وكان ذلك في رأس شوال راس عشرين شهرًا من الهجرة. وقالت أمامة بضم الهمزة المريدية بضم الميم وكسر الراء وقيل بفتحها نسبة إلامريد بطن من بلى الصحابية في ذلك:
(تكذب دين الله والمرأ أحمدا لعمري الذي أمناك أن بيس ما يمني)
(حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك خذها على كبر السن)
ولعمري الذي أمناك أي وحياتي الذي أنشأك وحباك بموحدة أعطاك، وحنيف مسلم، قاله الزرقاني وللعراقي:
(فبعث سالم إلى أبي عفك قتله آذى النبي وأفك)
بفتح الهمزة والفاء أي كذب على المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فيما قال. ثم بعد ذلك سرية محمد بن مسلمة بفتح الميم الأوسي، ثم الأشهلي شهد بدرًا والمشاهد كلها، بعثه ﵊ ومعه أربعة من الأوس أبو نائلة بنون وبعد الألف تحتية كما في الفتح وللقسطلاني وبعد الألف همزة سلكان بكسر السين المهملة وسكون اللام ابن سلامة بن وقش بسكون القاف وفتحها الأوسي ثم الأشهلي أيضًا شهد أحدًا وغيرها وعباد بفتح المهملة وشد الموحدة ابن بشر بكسر الموحدة وسكون المعجمة الأشهلي أيضًا البدري والحارث بن أوس ابن معاذ ابن أخي سعد بن معاذ وأبو عبس بمهملتين بينهما موحدة ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة الأوسي الحارثي البدري وسبب بعثتهم أنه ﵇ لما بعث زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة إلى من بالمدينة بخبر بدر بشيرين قال كعب بن الأشرف وكان من طيء ثم من بني نبهان أمه من بني النضير أترون أن محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمي هذان الرجلان والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء لبطن الأرض خير لي من ظهرها، فلما تيقن عدو الله الخبر خرج إلى مكة فجعل يحرض على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويبكي أصحاب القليب ويهجو رسول الله صلى
[ ١ / ٤١٨ ]
الله تعالى عليه وسلم فيهجوه هو حسان، ثم رجع إلى المدينة فشبب أي تغزل بنساء المسلمين وآذاهم فقال ﵊ منلنا بابن الأشرف وفي رواية من لكعب بن الأشرف أي من ينتدب لقتله فقد استعلن لعدواتنان وهجائنا، فقد خرج إلى المشركين فجمعهم لقتالنا وقد أخبرني الله بذلك، فقال محمد بن مسلمة أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك. وفي رواية أنه ﵇ أمر سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا ليقتلوه ففعل. وفي رواية أنه ﵊ قال له إن كنت فاعلًا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، فشاوره فقال له توجه إليه واشكوا الحاجة وسله أن يسلفكم طعامًا.
ولابن إسحاق أنه مكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق به نفسه فذكر ذلك له صلى الله تعالى عليه وسلم فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب؟ قال يا رسول الله قلت لك قولًا لا أدري هل أفين لك به أم لا. قال إنما عليك الجهد.
ولما اجتمع القوم المذكورون على قتله أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا يا رسول الله لابد لنا أن نقول قولًا غير مطابق للواقع يسر كعبًا لنتوصل به للتمكن من قتله، قال قولوا ما بدى لكم فأنتم في حل من ذلك. ومشى معهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلمإلى بقيع الغرقد وقال انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم.
ثم رجع ﵇ إلى بيته وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه وكان حديث عهد بعرس فهتف به أبو نائلة وكان أخاه من الرضاعة فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها فقالت إنك امرء تحارب وإن أصحاب الحروب لا ينزلون في مثل هذه الساعة. قال إنه أبو نائلة لو وجدني نائمًا ما أيقظني، فقالت والله إني لأعرف في صوته الشر.
وفي البخاري أسمع صوته كأنه يقطر منه الدم، قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة لأجاب اهـ. فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه وقالوا هل لك يابن الأشراف أن
[ ١ / ٤١٩ ]
تمشي إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا فقال إن شئتم فخرجوا يتماشون ثم إن أبا نائلة شام يده بمعجمة وميم مخففة أدخلها في فود رأسه ثم شم يده، فقال ما رأيت كالليلة طيبًا أعطر ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم عاد بمثلها فأخذ بفود رأسه فقال اضربوا عدو الله.
وفي البخاري أن ابن مسلمة قال لأصحابه إذا ما جاء كعب فإني نائل بشعره أي آخذ به فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فاضربوه، فنزل إليهم ينفح منه ريح الطيب، فقال ما رأيت كاليوم ريحًا، فقال عندي أعطر نساء العرب، فقال ابن مسلمة أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال نعم. فشمه ثم أشم أصحابه، وفي رواية فقال ابن مسلمة إن هذا الرجل قد سألنا صدقة ونحن ما نجد ما نأكل وإني قد أتيتك أستسلفك، قال كعب وأيضًا والله لتملنه، وفي رواية وأحب أن تسلفنا طعامًا، قال وأين طعامك؟ قالوا أنفقناه على هذا الرجل وعلى أصحابه. قال ألم يأن لكم أن تعرفوا أنما أنتم عليه من الباطل اهـ؟ قال نعم، ارهنوني، قالوا أي شيء تريد؟ قال ارهنوني نساءكم؛ قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك؟ فقال فارهنوني أبنائكم. قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أيو وسقين هذا عار علينا ولكنا نرهنك اللامة، يعني السلاح، وإنما قالوا له ذلك لئلا ينكر عليهم مجيئهم بالسلاح.
وفي رواية أن أبا نائلة جاءه فقال له ويحك يابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عني. قال افعل. قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبل حتى جاع العيال، فقال كعب: أما والله لقد كنت أخبرك أن الأمر سيصير إلى ما أقول. فقال إني أردت أن تبيعنا طعامًا ونرهنك، وإن معي أصحابي على مثل رأيي وقد أردت ان آتيك بهم فتبيعهم ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء فقال إن في الحلقة لوفاء، وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه. قال الحافظ ويحتمل أن كلًا منهما كلمه في ذلك لأن أبا نائلة
[ ١ / ٤٢٠ ]
أخوه من الرضاعة وابن مسلمة ابن أخيه. وفي رواية الواقدي وكان كعب يدهن بالمسك المفتت والعنبر حتى يتلبد في صدغيه اهـ. فضربوه فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئًا. قال ابن مسلمة فذكرت مغولًا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله والمغول لكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو شبه سيف قصير تغطيه الثياب أو حديدة دقيقة لها حد ماض وثنته بضم المثلثلة وشد النون المفتوحة سرته. وإنما قتلوه على هذا الوجه لأنه نقض عهده ﷺ وهجاه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدًا ثم جاء مع أهل الحرب معينًا عليه، قاله المازري، قال عياض وقيل لأن محمد بن مسلمة لن يصرح له بالأمان وإنما كلمه في أمر البيع واشتكى إليه ولا يحل لأحد ان يقول أن قتله كان غدراص، وقد قال ذلك إنسان في مجلس على كرم الله وجهه فأمر به فضربت عنقه، وروي أنهم لما قتلوه حملوا رأسه في مخلاة إلى المدينة وأصاب الحارث بن أوس ذباب سيف من أسياف الصحابة فجرح رأسه أو رجله ونزفه الدم فاحتملوه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فتفل ﵇ على جرحه فلم يوذه، فقال عباد بن بشر في ذلك شعرًا:
(صرخت به فلم يعرض لصوتي وأوفى طالعًا من رأس خدر)
(فعدت له فقال من المنادي فقلت أخوك عباد بن بشر)
(وهذي درعنا رهنًا فخذها لشهر إن وفى أو نصف شهر)
(فقال معاشر سغبوا وجاعوا وما عدموا الغنى من غير فقر)
(فأقبل نحونا يهوي سريعًا وقال لنا لقد جئتم لأمر)
(وفي أيماننا بيض جداد مجربة بها الكفار نفر)
(فعانقه ابن مسلمة المردى به الكفار كالليث الهزبر)
(وشد بسيفه صلتا عليه فقطره أبو عبس بن جبر)
(وكان الله سادسنا فأبنا بأنعم نعمة وأعز نصر)
(وجاء برأسه نفر كرام هم ناهيك من صدق وبر)
[ ١ / ٤٢١ ]