كان تغير بالحزن لفقد جعفر وإن أراد القمر نفسه فإنه حق أيضًا لأن المفهوم منه تعظيم المصاب كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم أما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه أراد شدة تأديب الأهل وتأفل بتثليث الفاء أي تغيب ماضيه كضرب ونصر وعلم وقوله وبجدهم روي بالحاء المهملة أيضًا أي شجاعتهم وإقدامهم.
ثم بعد مؤتة غزوة فتح مكة زادها الله تعالى تشريفًا وتعظيمًا قال ابن أبي جمرة وكانت في رمضان سنة ثمان، وكان المسلمون عشرة آلاف وقال الزهري وعروة اثني عشر ألفًا انتهى المراد منه.
وقال في الاكتفاء غزوة الفتح. وأقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة جماد الأخيرة ورجب ثم عدت بنو بكر بن عبد منات بعد كنانة بعد خزاعة انتهى المراد منه.
وقال في المواهب ممزوجًا ببعض كلام الزرقاني ثم فتح مكة زادها الله تعالى شرفًا وهو كما قال العلامة بن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين واستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدى للعالمين من أيد الكفار والمشركين والإضافة للتشريف وقوله جعله هدى للعالمين أي هاديًا لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس في دينه أفواجًا أي جماعات وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجًا أي سرورًا، والاطناب جمع طنب بضمتين وهو حبل الخباء شبه العز بالخباء المتين وأثبت له الأطناب تخييلًا والجوزاء يقال إنها تعرض في جوز السماء أي وسطها خرج إليها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للتين خلتا من رمضان كما رواه أحمد بسند صحيح وهو أصح مما قال الواقدي أنه خرج لعشر ليال خلون منه وليس بقوي وروى البيهقي عن الزهري أنه صبح مكة لثلاث عشرة ليلة خلت منه وروي عن الزهري أيضًا أنه قال لا أغدري أخرج في شعبان فاستقبل رمضان أو خرج في رمضان بعدما دخل وعند مسلم أنه دخل مكة لست عشرة ولأحمد لثمان عشرة وجمع بينهما بحمل إحداهما على ما مضى والأخرى على ما بقي. وسبب خروجه نقض العهد الذي وقع في الحديبية وذلك أن الصلح وقع على أن من أحب أن
[ ١ / ٣٣٤ ]
يدخل في عهده ﷺ دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقده صلى الله تعالى عليه وسلم وكانت خزاعة حلفاء عبد المطلب وكان ﵇ عارفًا بذلك وجاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه الصلام عارفًا بذلك وجاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب فقرأه عليه أبي بن كعب وهو باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هشام لخزاعة إذا قدم عليه سرواتهم وأهل الرأي غائبهم يقر بما قاضى عليه شاهدهم أن بيننا وبينكم عهود الله وعقوده وما لا ينسى أبدًا ليد واحدة والنصر واحد ما أشرف ثبير وثبت حراء وما بل بحر صوفه ولا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجددًا أبد الدهر سرمدا. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ولا حلف في الإسلام انتهى.
والحلف المنهي عنه ما كان على الفتن والقتال والغارات والذي قواه الإسلام ما كان على نصر المظلوم وصلة الأرحام ونصرة الحق وكان بين بني بكر وخزاعة حروب في الجاهلية وذلك أن مالك بن عباد من بن الحضرمي خرج تاجرًا فعدا عليه خزاعة فقتلوه وأخذوا ماله وكان حليف للأسود بن رزن بفتح الراء وكسرها فزاي ساكنة وتفتح فنون فعدت بنو بكر على خزاعي فقتلوه حمية للأسود فعدت خزاعة على بني الأسود وهم ذؤيب وسلمى بفتح السين وكلثوم فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم فبينما هم كذلك بعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فتشاغلوا عن ذلك فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية وهو يومئذ قائد بني الديل من بني بكر في بني الديل حتى بيت خزاعة على ماء عندهم بأسفل مكة يقال له الوتير بفتح الواو وكسر الفوقية وسكون التحتية آخره راء قال السهيلي وهو في كلام العرب الورد الأبيض سمي به الماء فأصاب منهم رجلًا يقال له منبه وكان ضعيف الفؤاد وكان معه رجل يقال له تميم فقال له منبه يا تميم انج بنفسك فوالله إني لميت قتلوني أو تركوني لقد أنبت فؤادي فأفلت تميم وأدركوا منبهًا فقتلوه واستيقظت خزاعة فاقتتلوا فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة لا إله له يا بني
[ ١ / ٣٣٥ ]
بكر، أصيبوا ثأركم وأمدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل بعضهم معهم ليلًا في خفية منهم صفوان بن أمية وعثمان بن شيبة وسهيل بن عمرو وحويط بن عبد العزاي ومكرز بن حفص، فلما دخلوا مكة لجأت خزاعة إلى دال بديل بن ورقاء الخزاعي ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظنون أنهم لا يعرفون وأن هذا لا يبلغه ﵊ وأصبحت خزاعة مقتولين على باب بديل فقال سهيل لنوفل قد رأيت الذي صنعنا بك وبمن قتلت من القوم وقد حصرتهم تريد قتل من بقي وهذا ملا نطاوعك عليه فاتركهم، فتركهم، وندمت قريش على ما صنعوا وعرفوا أنه نقض للعهد.
فائدة:
الديل بكسر الدال المهملة وسكون الياء كما قاله الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما وقال الأصمعي وسيبويه وأبو حاتم وغيرهم هو بضم الدال وكسر الهمزة وإنما فتحت في النسب كما فتحت ميم النمر في النمري ولام سلمة في السلمي فرارًا من توال الكسرات وكان عيسى بن عمر ويونس وغيرهما ويكسرونها من النسب. قال الأصمعي وهو شاذ وهو الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وقول الشامي بكسر الدال وسكون الهمزة وتسهيل فيه نظر لأن الذين قالوا بكسر الدال إنما قالوا بعدها تحتية لا همزة والذين همزة إنما قالوا بكسرها والدال مضمومة نقلها العلامة الزرقاني.
ولما انقضى القتال خرج عمرو بفتح العين وقيل بضمها بن سالم الخزاعي في أربعين را كبًا من خزاعة فقدموا عليه صلى الله تعالى عليه وسلم يخبرونه بما أصابهم ويستنصرونه فقام صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يجر ردائه ويقول لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي. وفي المعجم الكبير عن ميمونة قالت بات عندي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلة فسمعته يقول في متوضئه لبيك لبيك لبيك، ثلاثًا، نصرت نصرت نصرت ثلاثًا، فلما خرج قلت يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك لبيك لبيك لبيك ثلاثًا، نصرت نصرت نصرت ثلاثًا، كأنك تكلم إنسانًا؟ ! فقال هذا راجز بني كعب يستصرخني
[ ١ / ٣٣٦ ]
ويزعم أن قريشًا أعانت عليهم بني بكر ففي أخباره به قبل قدومه علم من أعلام النبوة وفي آخر الحديث فأقمنا ثلاثًا ثم صلى ﵇ بالناس صبح اليوم الثالث فسم‘ت الراجز ينشده:
(يا رب إني الخ والرجز المذكور هو قوله:
(يا رب إني ناشد محمدا)
(حلف أبينا وابيه الأتلدا قد كنتم ولدا وكنا والدا)
(ثمت أسلمنا ولم ينزع يدا فانصر هداك الله نصرا أيدا)
(ودع عباد الله يأتوا مددا فيهم رسول الله قد تجردا)
(ابيض مثل البدر يسموا صعدا إن سيم خسفا وجهه تربدا)
(في فيلق كالبحر يجري مزبدا إن قريشًا أخلوك الموعدا)
(ونقضوا ميثاقك المؤكدا وجعلوا لي فيك داء رصدا)
(وزعموا أن لست أدعو أحدا وهم أذل وأقل عددا)
(هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعًا وسجدا)
يقول قتلونا وقد أسلمنا. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم نصرت. ثم عرض عنان من السماء، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب. قاله الكلاعي والعنان بفتح المهملة ونونين بينهما ألف السحاب، قوله ناشد أي طالب ومذكر، وحلف بكسر المهملة وسكون اللام مناصرة، والأتلد أي الأقوم مما بيننا وبينه صلى الله تعالى عليه وسلم وقول الشامي أي القديم لا يناسب أفعل التفضيل وولد بضم الواو وسكون اللام لغة في ولد وذلك أن ولد بني عبد مناف أمهم من خزاعة وكذلك أم قصي وثمت حرف عطف أدخل عليها تاء التأنيث ونصرًا أيدا قويًا مستمرًا. وروي نصرًا اعتدا بفتح المهملة وكسر الفوقية أي حاضرًا مهيئًا ومددًا بفتحتين جيوشًا ينصروننا وقوله فيهم رسول الله أتى به لدفع توهم أنه يبعث سرية وتجرد روي بمهملة أي غضب وبجيم أي شمر وتهيأ لحربهم وسيم مبني للمفعول وخسفًا بفتح المعجمة وضمها أي أولى ذلا وتربد تغير وصعدا بضمتين والفيلق كصيقل الجيش وميثاقك: عهدك، والمؤكدا أي بالكتب والإشهاد ولست بضم التاء وروي بفتح التاء مع التاء في تدعوا وبيتونا أي قصدونا ليلًا من غير علم، وهجدا نومًا، جمع هاجد. قال السهيلي
[ ١ / ٣٣٧ ]
وأسلمنا من السلم لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد انتهى.
وتأوله بعضهم بأنهم حلفاء الذين يركعون ويسجدون ولا يخفى بعده. وفي رواية غير زياد هم قتلونا بصعيد هجدا. نتلوا القرآن ركعًا وسجدًا. وهذا يبطل التأويل انتهى من الزرقاني.
وقوله أن اعتدا بكسر التاء هو بالتحريك أيضًا كما في القاموس وكداء كسماء جبل بأعلى مكة وهو الذي دخل منه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل منه خالد ومن معه ومده البوصيري ضرورة في قوله وأكدى عند إعطائه القليل كداء، قاله شراحه، ورصده رقبه، والرصد محركة الراصدون، وروى الواقدي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال كأنكم بأبي سفيان قد جاء يقول جدد العهد وزدني في المدة وهو راجع بسخطه ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان فقالا لئن لن يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه فقال أبو سفيان قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وخفت من شرها، قالوا وما هي؟ قال رأت دمًا أقبل من الحجون يسير حتى وقف بالخندمية مريا ثم كان ذلك الدم كأن لم يكن فكرهوا الرؤيا فقال أبو سفيان هذا أمر لم نشهده ولم أغب عنه لا يحمل إلا علي والله ما شورت فيه ولا هويته حتى بلغني ليغزوننا محمد إن صدقني ظني وهو صادقي وما بد في أن آتي محمدًا فأكمله. فقالت قريش أصبت فخرج ومعه مولى وله على راحلتين وقدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل على بنته أم حبيبة فذهب ليجلس على فراشه صلى الله تعالى عليه وسلم فطوته عنه وقالت أنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال والله يا بنية لقد أصابك بعدي شر ثم أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئًا، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، قال ما أنا بفاعل. فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال أنا أشفع لكم والله لو لم أجد إلا الذر لجالدتكم به ما كان من حلفنا جديدًا فأخلفه الله وما كان متينًا فقطعه الله وما كان منه مقطوعًا فلا وصله الله ثم أتى عليًا وعنده فاطمة وعندها حسن غلام يدب بين
[ ١ / ٣٣٨ ]
يديها فقال يا علي إنك أمس القوم بي رحمًا وإن قد جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبًا فاشفع لي فقال علي ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم صلى الله تعالى عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال يا بنت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر. قالت والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس وما كان يجير أحد على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال لعلي يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني. قال والله ما أعلم شيئًا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الح بأرضك. فقال أوترى ذلك مغنيًا عني شيئًا؟ قال لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره فلما قدم على قريش قالوا وما وراءك؟ قال جئت محمدًا فكلمته فوالله ما رد علي شيئًا ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرًا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، وفي لفظ أعدى العدو، ثم أتيت عليًا فقال أنت سيد بني كنانة فأجر بين الناس، فناديت بالجوار، قالوا هل أجاز ذلك محمد، قال لا. قالوا رضيت بغير رضا وجئت بما لا يغني عنا ولا عنك شيئًا، والله ما زاد علي على أن لعب بك. فقال والله ما وجدت غير ذلك.
قال في المواهب فتجهز رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غير إعلام أحد بذلك، قال الزرقاني أي أولًا فلا ينافي ما عند ابن إسحاق وغيره أنه صلى الله تعالى عليه وسلم، أعلم الناس أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيأ وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس وبغته كمنع فاجأه، وقال حسان يحرضهم ويذكر مصاب رجال خزاعة:
(عناني ولم أشهد ببطحاء مكة رجال بني كعب تحز رقابهم)
(بأيدي رجال لم تسل سيوفهم وقتلى كثير لم تجس ثيابها)
(ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي سهيل بن عمر وحرها وعقابها)
(فلا تأمننا يا ابن أم مجالد إذا احتلبت صرفا واعضل نابها)
(فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا لها وقعة بالموت يفتح بابها)
[ ١ / ٣٣٩ ]
قوله عناني: عناه الأمر يعنيه ويعنوه أهمه وقوله بأيدي رجال يعني قريشًا وابن أم مجالد عكرمة بن أبي جهل، فكتب حاطب بن أبي بلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة ففوقية فعين مهملة مفتوحتين عمر بن عمير اللخمي حليف بني أسد اتفقوا على شهوده بدرًا كتابًا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك مع امرأة استأجرها سماها ابن إسحاق سارة والواقدي كنود قيل كانت مولاة للعباس وقيل مولاة عمر بن هاشم بن المطلب فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال ﵇ لعلي والزبير والمقداد كما أخرجه الشيخان عن علي وللبخاري عن علي أيضًا بعثني وأبا مرثد الغنوي والزبير وكلنا فارس قال الحافظ يحتمل أن الثلاثة كانوا معه فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكره الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدًا فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعًا له، فقال ﵇ انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ بخاءين معجمتين بينهما ألف على بريد من المدينة فإن بها ظعينة أي امرأة في هودج معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فخذوه منها. قال علي فانطلقنا تعادي بنا خيلنا بحذف إحدى التاءين أي تجري حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، ولابن إسحاق من مرسل عروة فأدركاها بالخليقة خليقة بني أحمد بقاف وخاء معجمة كسفينة منزل على اثنين وعشرين ميلًا من المدينة ولابن عقبة أدركاها ببطن ريم بكسر الراء وسكون التحتية وبالهمزة وبالميم واد بالمدينة فيحتمل أن الروضة اسم لمكان يشتمل عليهما وإلا فما في الصحيح أصح. قاله العلامة الزرقاني. قال فقلنا أخرجي بهمزة قطع الكتاب. قالت ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا. فقلنا ما كذب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بفتحتين؛ وللاصيلي بضم الكاف وكسر المعجمة مخففة، قلنا لتخرجن الكتاب بضم الفوقية وكسر الراء والجيم أو لنلقين الثياب بضم النون وكسر القاف، وللأصيلي بضم الفوقية وحذف التحتية فأخرجته، من عقاصتها بكسر المهملة الخيط الذي تعتقص به أطراف الذوائب. وقال المنذري هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله وقيل هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها، فأتينا به أي بالكتاب، رسول الله صلى الله تعالى عليه
[ ١ / ٣٤٠ ]
وسلم، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. فقال يا حاطب ما هذا؟ قال يا رسول الله لا تعجل علي. ولابن إسحاق أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت إني كنت مرءًا ملصقًا بضم الميم وفتح الصاد في قريش أي مضافًا لهم أي كنت حليفًا وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي ولم أفعله فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم أما إنه قد صدقكم. زاد البخاري في بدر لا تقولوا له إلا خيرًا فقال عمر يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم.
قوله لعل الله ورسوله الخ قال النووي هذا الترجي راجع إلى عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم انتهى.
وفي الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم وقد قال العلماء الترجي في كلام الله وكلام الرسول للوقوع وعند أحمد وأبي داود بالجزم بلفظ أن الله اطلع على أهل بدر واتفقوا أن هذه البشارة فيما يتعلق بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها فأنزل الله تعالى في حاطب ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة﴾ إلى قوله: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه﴾ قال في الفتح وإنما قال عمر دعني يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم اضرب عنق هذا المنافق مع تصديق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به ونهيه أن يقال له إلا خيرًا فيما كان عند عمر من الشدة في الدين وبغض المنافقين فظن أن من خالف ما أمر به ﵇ من اخفاء مسيره عن قريش يستحق القتل لكنه لم يجزم به فلذلك استأذن في قتله ولو جزم به لما استأذن وأطلق عليه منافقًا لإظهاره خلاف ما أبطن فلم يرد عمر أنه أظهر الإسلام وأخفى الكفر وعذر حاطب ما ذكره من خوفه على أهله وماله فإنه فعل ذلك متأولًا أن
[ ١ / ٣٤١ ]
لا ضرر فيه كما صرح به في قوله كتبت كتابًا لا يضر الله ورسوله واستشكل قوله اعملوا ما شئتم فإن ظاهره الإباحة وهو خلاف عقد الشرع. وأجيب بأن هذا خطاب تشريف وإكرام تضمن أنهم حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة وصاروا بها أهلًا لأن يغفر لهم ما يلحقهم من الذنوب بعد هذه الوقعة إن وقع وليس المراد أنهم أنجزت لهم مغفرة الذنوب اللاحقة بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما سيقع. فقد أظهر الله تعالى صدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا ولو قدر صدور شيء من أحدهم لبادر إلى التوبة ولازم الطريق المثلى يقطع بذلك من أحوالهم من اطلع على سيرهم ولذا لما شرب قدامة بن مظعون من أهلها أيام عمر وحدّه رأى عمر في المنام من يأمره بمصالحة قدامة. وقيل في الجواب أن ذنوبهم تقع إذا وقعت مفغورة وما أحسن قوله:
(وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع)
نقله الزرقاني عن ابن حجر والقسطلاني. ثم مضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزل بمر الظهران في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفًا كما مر فسبعت سليم وقيل ألفت وألفت مزينة وفي كل القبائل عددًا وأوعب المهاجرون والأنصار ولم يتخلف منهم أحد قاله الكلاعي وكان العباس أسلم قديمًا فخرج بأهله وعياله مهاجرًا ولقي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالجحفة وقيل بذي الحليفة وسار معه إلى الفتح وبعث ثقله إلى المدينة. قال البلاذري وقال له صلى الله تعالى عليه وسلم هجرتك يا عم آخر هجرة كما أن نبوءتي آخر نبوءة. وكان ممن لقيه بالطريق ابن عمه وأخوه من الرضاعة أرضعتهما حليمة. أبو سفيان بن الحارث ومعه ولده جعفر وكان غلامًا مدركًا وشهد هو وأبوه حنينًا وكان أبو سفيان يألف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل البعثة ولا يفارقه فلما بعث عاداه وهجاه وأجابه حسان عنه كثيرًا، قال القسطلاني وكان لقاءهما له ﵇ بالأبواء وأسلما قبل دخوله مكة وقيل لقيه هو وعبد الله بن أبي أمية ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب بين السقيا بضم السين وسكون القاف قرية جامعة والعرج بفتح فسكون قرية جامعة على ثلاثة أميال في المدينة بطريق مكة وبهذا
[ ١ / ٣٤٢ ]
القول جزم ابن إسحاق وعين المحل فقال لقياه بنقب العقاب فأعرض صلى الله تعالى عليه وسلم عنهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عنهما فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال. يعني قوله والله لا آمنت بك حتى تتخذ سلمًا إلى السماء فتعرج فيه، وأنا أنظر ثم تأتي بصك وأربعة من الملائكة يشهدون أن الله تعالى أرسلك، فقالت له أم سلمة لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك وهذا نهي لهما في الظاهر وهو في الحقيقة سؤال له ﵇ أن يقبل عليهما وتلطفت في العبارة أدبًا أن تخاطبه بصورة نهي، فلما خرج إليهما الخبر بذلك قال أبو سفيان والله ليأذنن أو لأخرجن بابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رق لهما ثم إذن لهما فدخلا عليه وأسلما وأنشد أبو سفيان:
(لعمرك إني يوم أحمل رايتي لتغلب خيل اللات وخيل محمد)
(لكالمدلج الحيران أظلم ليلة فهذا أواني حين اهدي واهتدي)
(الأبيات)
وقال علي لأبي سفيان إيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من قبل وجهة فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف، ﴿تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين﴾، فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولًا ففعل ذلك أبو سفيان فقال له صلى الله تعالى عليه وسلم لا تثريب أي لا عتب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
ويقال أن أبا سفيان ما رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حياء منه منذ أسلم. وقال عند موته لا تبكن علي فإني لم أنطق بخطيئة منذ أسلمت. ولما نزل ﵇ بمر الظهران أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار لتراها قريش فترعب من كثرتها قال الزرقاني ولم يأمر باقي من معه وهم ألفان بالإيقاد تخفيفًا ولم يبلغ قريشًا مسيره وهم مغتمون خائفون من غزوه إياهم فبعثوا أبا سفيان وقالوا خذ لنا أمانًا من محمد فخرج أبو سفيان وحكيم بن جزام وبديل مصغر بن ورقاء الخزاعي وأسلموا كلهم يوم الفتح حتى أتوا مر الظهران فلما
[ ١ / ٣٤٣ ]
رأوا العسكر أفزعهم ولابن أبي شيبة فإذا النيران قد أخذت الوادي كله، وفي البخاري فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان ما هذه النيران والله لكأنها نيران عرفة فقال له بديل بن ورقاء هذه نيران بني عمرو بفتح العين وفي رواية نيران بني كعب يعني بهما خزاعة، وعمر هو ابن لحي كما في الفتح وغيره فقال أبو سفيان عمرو أقل من ذلك أي من أن تكون هذه نيرانها يعني خزاعة فرأوهم ناس من حرس رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخذوهم فقالوا من أنتم؟ فقالوا هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه. فقال أبو سفيان هل سمعتم بمثل هذا الجيش نزل على أكباد قوم لم يعلموا بهم. وعند ابن إسحاق أن العباس خرج ليلًا على بغلته صلى الله تعالى عليه وسلم قال فوالله إني لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانًا ولا عسكرًا. فقال بديل هذه خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيروانها. قال فعرفت صوته، فقلت أبا حنظلة فعرف صوتي، فقال أبا الفضل، قلت نعم. قال ما لك فداك أبي وأمي، قلت ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الناس وأصباح قريش والله، قال لما الحيلة فداك أبي وأمي قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى أتى بك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فاستأمنه لك، فركب خلفي فسرت به كلما مر بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا؟ فإذا رأوا بغلته صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا عليها قالوا عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بغلته حتى مر بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا؟ وقام إلي، فلما رأى رأبا سفيان قال أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ثم خرج يشتد وركضت البغلة فسبقته واقتحمت عن البغلة فدخلت عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عهد، فدعني فأضرب عنقه، قلت يا رسول الله إني قد أجرته، فلما أكثر عمر في شأنه قلت مهلًا يا عمر فوالله لئن كان من رجال بني عدي بن كعب لما قلت هذا ولكنك قد علمت أنه من رجال بن عبد مناف، فقال
[ ١ / ٣٤٤ ]