(وجب الشكر علينا ما داعا لله داع)
قال الزرقاني وبعدهما:
(أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع)
وقال القسطلاني وقد وهم بعض الرواة وقال: إنما كان هذا الشعر عند مقدمه المدينة وهو وهم ظاهر لأن ثنيات الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم منمكة إلى المدينة، ولا يراها إلا إذا توجه إلى الشام كما قدمت ذلك انتهى.
وقوله بعض الرواة هو عبد الله بن محمد المعروف بابن عائشة، وقوله كما قدمت ذلك أي في الهجرة قاله الزرقاني، وفي البخاري لما رجع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من غزوة تبوك فدنى من المدينة قال إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا يطعتم واديًا إلا كانوا معكم حبسهم العذر وهذا يؤيد معنى ما روي: نية المؤمن خير من عمله، فإن نية نؤلاء خير من أعمالهم، فإنها بلغت بهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم وهم على فرشهم في بيوتهم، والمسابقة إلى الدرجات العلا بالنيات والهمم لا بمجرد الأعمال، قاله في المواهب وقوله واديًا قال البيضاوي هو كل منفرج ينفرج فيه السيل اسم فاعل من ودى إذا سال وشاع بمعنى الأرض، وقوله معكم أي بالنيات، ولأحمد وابي داود لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من سير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، ولابن حبان وأبي عوانة إلا أشركوكم في الأجر
[ ١ / ٤٠٤ ]
والمراد بالعذر ما هو أعم من المرض، قال المهلب يشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ (الآية) فإنه فاضل بين المجاهدين والقاعدين ثم استثنى أولى الضرر من القاعدين فكأنه أحلقهم بالفاضلين وقوله نية المؤمن الخ .. رواه الطبراني والديلمي مرفوعًا بهذا اللفظ ورواه البيهقي وغيره بلفظ أبلغ وكلها ضعيفة لكن بمجموعها يتقوى كما أفاده السخاوي. وقوله فإن نية هؤلاء خير الخ. أي فشاركوهم في الثواب، وزادوا راحة الأبدان، وقصد المصنف بهذا ما عساه يقال غاية ما أفاده الحديث المشاركة أما الزيادة المستفادة من أفعل التفضيل فلا ثم لضعفه جعله مؤيدًا بحديث الصحيح انتهى.
ومن الزرقاني ولما رجع ﵇ من تبوك نزل بذي أوان بفتح الهمزة وكسرها لغة بلفظ الأوان أي الحين، بلد بينها وبين المدينة ساعة من نهار فجاءه خبر مسجد الضرار من السماء فدعا مالك ابن الدخشم بضم الدال المهملة والشين والمعجمة بينهما خاء معجمة ساكنة ويقال الدخيشم بالتصغير ويقال بنون بدل الميم مكبرًا ومصغرًا الأوسي البدري، ومعن ابن عدي العجلاني البلوي حليف الأنصار شهد أحدًا، فقال ﵊ انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه، فانطلقا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فحرقاه وهدماه وذلك بعدما أنزل فيه: ﴿الذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ (الآية).
قال عامة أهل التفسير الذين اتخذوه كانوا اثني عشر منهم خذام بخاء مكسورة وذال معجمتين بن خالد وثعلبة بن حاطب ومعتب ابن قشير وعباد بن حنيف وبحزج بموحدة مفتوحة فمهملة ساكنة فزاي مفتوحة فجيم، بنوه يضارون به بني عمرو بن عوف أهل مسجد قباء الذي أسسه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما قدم المدينة وصلى فيه ورأى ذلك ناس من بني غنم بفتح المعجمة وسكون النون ابن عوف فقالوا في طائفة من المنافقين نبني نحن أيضًا مسجدًا كما بنوا فنقيل فيه فلا نحضر خلف محمد، فقال لهم أبو عامر الفاسق قبل خروجه إلى الشام
[ ١ / ٤٠٥ ]
ابنوا مسجدكم واستمدوا فيه بما استطعتم من سلاح وقوة فإني ذاهب إلى قيصر فآتي بجند من الروم فأخرج محمدًا وأصحابه، فكانوا يرصدون قدومه وقد خرج محاربًا لله ورسوله ولما بنوه لأغراضهم الفاسدة المضارة والكفر والإرصاد أرادوا أن يصلي فيه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليروج لهم ما أرادوه من الفساد والكفر أتاه جماعة منهم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله بنينا مسجدًا لذي العلة للمرضى والحاجة والليلة الممطرة، ونحن نحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة كما قال تعالى: ﴿وليحلفن إن أردنا إلى الحسنى﴾ أي هذه الأمور التي أظهروها والله يشهد أنهم لكاذبون.
وروي أنه ﵇ قال لبحزج ويلك ما أردت فقال والله ما أردت إلا الحسنى فنزلت الآية، ولما أتوه وهو يتجهز فقالوا له ذلك، قال ﵇ إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه فنزلت هذه الآية. وفي حديث عند البيهقي فأنزل الله تعالى: ﴿لا تقم فيه أبدا﴾ إلى قوله: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾. وقد قدمنا في الهجرة الخلاف في المراد بالمسجد الذي أسس على التقوى وأن الصحيح أنه مسجد قباء وفي صحيح مسلم أنه المسجد النبوي ولا منافاة فكل منهما أسس على التقوى (انظر المواهب وشرحها). ولما أشرف صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة قال هذه طابة، فلما رأى أحدًا قال هذا جبل يحبنا ونحبه.
فائدة:
قال في النشر: قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عامر: الذين اتخذوا بغير واو قبل الذين، وقرأ الباقون بالواو انتهى.
وقال الثعالبي على أن قوله وآخرون مرجون لأمر الله في المنافقين يكون الذين اتخذوا بإسقاط واو العطف بدلًا من آخرون أو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم الذين اهـ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وقال ابن جزي قرأ الذين بغير واو صفة لقوله وآخرون، أو على تقديرهم الذين، وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجين هم أهل مسجد الضرار، وقرئ بالواو عطفًا على آخرون وهذه القراءة جارية على قول من قال في المرجين أنهم الثلاثة الذين خلفوا نقله الشيخ الوالد حفظه الله تعالى في الريان وقال الزرقاني ومعتب بن قشير بقاف ومعجمة مصغر ترجم له في القسم الأول من الإصابة، ثم قال وقيل كان منافقًا وقيل أنه تاب وذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا انتهى.
وفي الزرقاني قبل هذا أنه ﵇ لما قدم المدينة وهدم مسجد الضرار عرضه على عاصم بن عدي ليتخذه دارًا، فقال ما كنت أتخذه وقد أنزل الله فيه ما أنزل، ولكن اعطه ثابت بن أقرن، فإنه لا منزل له فأعطاه، فلم يولد في ذلك البيت مولود قط ولا حمام ولا دجاج، وروى ابن المنذر عن ابن جبير وابن جريج وقتادة قالوا ذكر لنا أنه حفر في موضعه بقعة فأبصروا الدخان يخرج منها اهـ.
وقال الناظم:
(وضعفها البعوث دون مين)
يعني أن البعوث التي أرسلها ﵊ إلى جهاد الكفار ولم يخرج فيها بنفسه الشريفة ضعف الغزوات التي خرج فيها ﵇ أي قدرها مرتين فهي خمسون لأن الغزوات قد مر له أنها خمس وعشرون، وقوله ضعفها بكسر الضاد المعجمة والضمير المضاف إليه للغزوات، والمين: الكذب، والبعوث: جمع بعث، وهو في الاصطلاح من أرسله صلى الله تعالى عليه وسلم لقتال العدو ولم يحضر معه بنفسه ويسمى أيضًا عندهم سرية كما في المواهب وشرحها وسيرة العراقي وشرحها والغزوات جمع غزوة والمغازي جمع مغزى وأصل الغزو القصد، ومغزى الكلام مقصده، والغالب إطلاق الغزوة على كل عسكر حضره صلى الله تعالى عليه وسلم بنفسه الكريمة وقد تطلق علي على هو أعم من ذلك، فقد تطلق على ما وقع من قصده ﵇ للكفار بنفسه أو
[ ١ / ٤٠٧ ]