فخرج العذري طليعة وحده ووجد آثار النعم والشاء فرجع إلى النبي (ﷺ) فأخبره، فلما دنا منهم لم يجد إلا النعم والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا فرقا للرعب منه (صلى الله تعالى عليه وسلم) ونزل ﵇ بساحتهم فأقام بها وبث السرايا وفرقها ولم يصيب منهم أحدا ودخل المدينة في العشرين من ربيع الآخر فتكون غيبته عن المدينة خمسا وعشرين ليلة ولعله جد في السير لما مر أن بعد دومة من المدينة خمسة عشر انتهى من المواهب وشرحها. وفي الاكتفاء بعد أبيات حسان ما نصه: ثم انصرف رسول الله (صلى الله تعالى عليه وسلم) إلى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وهي سنة أربع من مقدمة المدينة ثم غزا دومة الجندل ثم رجع قبل أن يصلها ولم يلق كيدا (صلى الله تعالى عليه وسلم) انتهى بحروفه.
تنبيه:
ذكر الكلاعي غزوة الخندق عقب غزوة دومة والذي في المواهب ذكر غزوة المريسيع قبل الخندق تبعا لابن سعد وقال أنها كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس. قال الزرقاني ورواه البيهقي عن قتادة وعروة وغيرهما ولذا ذكرها أبو معشر قبل الخندق ورجحه الحاكم وهو الذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق ورجحه، وقال أي ابن حجر بعد كلام، فظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان قبل الخندق لأنها كانت في شوال سنة خمس أيضا انتهى المراد من كلام الزرقاني. وسأتكلم عليها إن شاء الله عند قول الناظم الآتي بني المصطلق لأنها هي المريسيع غزوة الخندق وتسمى الأحزاب. أما تسميتها بالخندق فلأجل الخندق أي الحفر الذي حفر حول المدينة في شاميها من طرق الحرة الشرقية إلى طرق الحرة الغربية وأما تسميتها بالأحزاب فلاجتماع طوائف من الكفار عليها وهم قريش وغطفان وسليم واليهود
[ ١ / ٢٤٥ ]
حتى بلغوا عشرة آلاف وانزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيِرْ إلى قوله: قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ وكان من سببها أنه (صلى الله تعالى عليه وسلم) لما أجلى بني النضير خرج نفر من اليهود منهم سلام بالتشديد عند ابن الصلاح وغيره ورجح الحافظ التخفيف مستندا لوقوعه في أشعار العرب، كقول أبي سفيان:
(سقاني فرواني كميتا مدامة على ظمئ مني سلام ابن مشكم)
ابن مشكم بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الكاف وسلام بن أبي الحقيق بحاء مضمومة فقاف مفتوحة فتحتية ساكنة ثم قاف أخرى وحيي بضم الحاء مصغرا بن أخطب بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة كما في الزرقاني وكنانة بن الربيع النضيريون وهوذة بفتح الهاء وسكون الواو فذال معجمة فهاء تأنيث ابن قيس وأبو عمار الوائليان فقدموا على قريش ودعوهم إلى حربه ﵇، وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش إنكم أهل الكتاب الأول والعلم فما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه. وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إلى قوله تعالى: وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه وتواعدوا على وقت يخرجون فيه ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤا غطفان من قيس عيلان ودعوهم إلى حربه ﵇ وأخبروهم أنهم سيكونون معهم وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك وجعل اليهود لغطفان نصف تمر خيبر كل عام تحريضا لهم على الخروج، فخرجت قريش في أربعة آلاف وحملوا اللواء على عثمان بن أبي طلحة وقائدهم أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن بدر الفزاري في فزارة كسحابة قبيلة وكانوا ألفا وكتبوا إلى حلفائهم من أسد فخرج طليحة الأسدي فيمن تبعه من أسد والحارث المري بضم الميم وشد الراء في قومه وكانوا أربعمائة وهو أحد الفرسان المشهورين وأسلم بعد تبوك في وفد قومه وخرجت أشجع
[ ١ / ٢٤٦ ]