وهنتهم، وأمر صلى الله تعالى عليه وسلم مائتين من أصحابه حين طافوا وسعوا أن يذهبوا إلي أصحابه ببطن يأجج فيقيمون على السلاح ويأتي الآخرون يقضوا نسكهم، ففعلوا وأقام صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة ثلاثا كما اشترطه مع قريش في الهدنة وتزوج ﵇ في سفره هذا ميمونة بنت الحارث زوجها له العباس وأصدقها عنه العباس أربعمائة درهم، وكانت جعلت أمرها إلي العباس. وكانت أختها أم الفضل تحته، قال ابن عباس تزوجها وهو محرم، قال في المواهب وقد استدرك ذلك على ابن عباس وعد من وهمه، قال سعيد بن المسيب وهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها إلا بعد ما حل ووهل بكسر الهاء أي غلط لمخالفته للمروي عنها نفسها وعن أبي رافع وكان الرسول بينهما وعن سليمان بن يسار وكان مولاها فقد اتفقوا كلهم على أنه كان حلالا وقال يزيد بن الأصم عن خالته ميمونة تزوجني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونحن حلالان بسرف ورواه مسلم وهو بفتح السين وكسر الراء وبالفاء ما بين التنعيم وبطن مرو وهو إلي التنعيم أقرب وتوفيت بعد ذلك به. ويزيد هذا يقال أن له رؤية ولم تثبت وهو ابن أخت ميمونة.
غزوة مؤتة كذا ترجمها البخاري وابن إسحاق في طائفة. وفي بعض الروايات تسميتها غزوة جيش الأمراء ووجه تسميتها غزوة كثرة جيش المسلمين فيها وشدة ما لاقوا فيها من الحرب مع الكفار وسماها القسطلاني وابن أبي جمرة وغيرهما سرية لأنها طائفة من جيشه صلى الله تعالى عليه وسلم بعثها ولم يخرج معها أنظر الزرقاني وفي المواهب وهي بضم الميم وسكون الواو وبغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم المبرد وجزم ثعلب والجوهري وابن فارس بالهمز، وحكى غيرهم الوجهين وهي من عمل البلقاء بالشام دون دمشق وكانت في جماد الأولى سنة ثمان انتهى.
وفي الروض مؤتة مهموزة الواو قرية من أرض البلقاء بالشام وأما
[ ١ / ٣٢٣ ]
الموتة بلا همز فضرب من الجنون. وفي الحديث أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول في صلاته أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، وفسره الراوي فقال نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة انتهى، انتهى من الزرقاني.
وسببها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل الحارث بن عمير الأزدي ثم اللهبي بكسر اللام وسكون الهاء بكتاب إلي أمير بصرى من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني فمنعه شرحبيل بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء بن عمرو الغساني كافة معروف من أمراء قيصر وأوثقه فضرب عنقه قال في المواهب ولم يقتل لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رسول غيره. فبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثلاثة آلاف وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن قتل فجعفر بن أبي طالب أميرهم، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتضى المسلمون لرجل من بينهم يجعلونه عليهم، وروى أنه كان ثم يهودي فقال يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد أعهد فإنك لا ترجع إلي محمد إن كان نبيا، قال زيد فأشهد أنه رسول صادق بار، قالوا وعقد لهم ﵇ لواء أبيض ودفعه إلي زيد وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك إلي الإسلام فإن أجابوا وإلا فأقول لكم استعينوا بالله وقاتلوهم.
وخرج مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع فودعهم ولما ودع ابن رواحة بكى فقالوا ما يبكيك؟ فقال أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ آية ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ فلست أدرى كيف لي بالصدور بعد الورود. فلما ساروا نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال ابن رواحة.
[ ١ / ٣٢٤ ]
(لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا)
(وطعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا)
(حتى يقولوا إذا مروا على جدث أرشده الله من غاز وقد رشدا)
وذات فرع بكسر الفاء وسكون الراء وغين معجمة أي واسعة يسيل دمعها، والزبد محركة رغوة الدم، قاله الزرقاني. وقوله تنفذ الأحشاء يقال نفذه كنصره خرقه كأنفذه ورشد كفرح ونصر. ولما ودع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال:
(أنت الرسول فمن يحرم نوافله والوجه منه فقد أرزي به القدر)
(فثبت الله ما أتاك من حسن في المرسلين ونصرا كالذي نصروا)
(إني تفرست فيك الخير نافلة فراسة خالفت فيك الذي نظروا)
وقوله نظروا يعنى المشركين، قاله الكلاعي، وفي الزرقاني أنه حين اهـ إلي قوله فثبت الله قال له صلى الله تعالى عليه وسلم وأنت فثبتك الله يا بن رواحة. وحدث زيد بن أرقم قال: كنت يتيما لعبد الله بن رواحة فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته ينشد أبياته هذه:
(إذ أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء)
(فشأنك فانعمي فخلاك ذم ولا أرجع إلي أهلي وراء)
(وجاء المسلمون وغادرونى لأرض الشام مشتهى الثواء)
(هنالك لا أبالى طلع بعل ولا نخل أسافلها رواء)
قوله خلاك ذم أي فارقك الذم، فلست بأهل له ومشتهى الثواء أي الإقامة، أي لا أريد رجوعا والبعل الذي يشرب بعروقه من رطوبة الأرض؛ قال فلما سمعتهن بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل، قوله فخفقني أي ضربني، والدرة بالكسر التي يضرب بها، ثم مضى القوم حتى نزلوا معان بضم الميم على ما صوبه الوقشي وغيره. ونقل مغلطاي فتحها عن البكري ونقل عنه الروض ضمها بعين مهملة فألف فنون وهو جبل بالشام، وبلغ المسلمين أن هرقل نزل مئاب بفتح الميم من أرض البلقاء
[ ١ / ٣٢٥ ]
في مائة ألف من الروم وانضم إليهم من لخم وجذام وبهراء وبلي مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى يقال له مالك بن رافلة فأقام المسلمون ليلتين على معان لينظروا في أمرهم وقالوا نكتب إلي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونخبره الخبر فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له، فشجعهم عبد الله بن رواحة وقال يا قوم والله إن التي تكرهون لا التي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة وما نقالتهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله تعالى به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنين إما ظهور وإما شهادة، فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة. وقال ابن رواحة في محبسهم ذلك:
(جلبنا الخيل من أجا وفرع تغر من الحشيش لها العكوم)
(حذوناها من الصوان سبتا أزل كأن صفحتها أديم)
(فقامت ليلتين على معان فأعقب بعد فترتها جموم)
(فرحنا والجياد مسومات تنفس في مناخرها السموم)
(فلا وأبي مئاب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم)
(فعبأنا أعنتها فجاءت عوابس والغبار لها بريم)
(بذي لجب كأن البيض فيه إذا برزت قوانسها النجوم)
(فراضية المعيشة طلقتها أسنتها فتنكح أو تئيم)
وفرع بالضم موضع من أضخم أعراض المدينة، وقوله تغر السهيلي تغر بالراء أي يجمع بعضها إلي بعض والصوان فعال من الصون لأنه يصون حوافرها أي اتخذنا لها نعالا من حديد وجعلها سبتا لها مجازا وأظهر من هذا أن يكون أراد بالصوان يبيس الأرض أي لا سبت لها إلا ذلك ووزنه فعلان من قولهم نخلة صاوية أي بابسة والجموح الراحة والبريم خيط تحتزم به المرأة وقوله فراضية المعيشة أي المعيشة المرضية لأن أهلها راضون كذا رأيته معزوا للسهيلي، وقوله مسومات أي مضمرات حسان أو معلمة في وجوهها شية من السمت وهي العلامة وعليه فقيل العلامة هي الغرة والتحجيل وقيل الكي والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٦ ]