مهلًا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من إسلام الخطاب فقال صلى الله تعالى عليه وسلم اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به، فذهبت به فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وما أكرمك وما أوصلك والله إلا لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغني شيئًا بعد قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما والله هذه فإن في نفسي منها شيء حتى الآن. فقال له العباس ويحك أسلم قبل أن تضرب عنقك، فشهد شهادة الحق وأسلم. قال العباس قلت يا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إن ابا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا قال نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما سار قال صلى الله تعالى عليه وسلم احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة أي أنفه، وفي رواية حطم بفتح الحاء المهملة الخيل بفتح المعجمة وسكون التحتية، أي ازدحامها، وحبسه العباس هناك ليرى الجميع فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة، على أبي سفيان والكتيبة بوزن عظيمة قطعة من الجيش من الكتب بفتح فسكون وهو الجمع قال الواقدي وأول من قدم ﵇ خالد بن الوليد في سلم وهم ألف أو تسعمائة معهم لواءان يحملهما خالد بن الوليد في سليم وهم ألف وتسعمائه معهم لواءان يحملهما العباس بن مرداس وخفائف بضم المعجمة بن ندبة بمض النون وراية مع الحجاج بن علاط فقال من هؤلاء؟ فقال خالد بن الوليد، قال الغلام؟ قال نعم. قال ومن معه قال بنو سليم، قال مالي وبني سليم؟ ثم مر على أثره الزبير بن العوام في خمسمائة من المهاجرين وأفتاء العرب فقال من هؤلاء؟ قال الزبير بن العوام، قال ابن أختك؟ قال نعم. فمرت بعدهما كتيبة في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذر فقال من هذه؟ قال غفار بكسر الغين المعجمة، قال مالي ولغفار؟ أي ما كانت بيني وبينهم حرب، ثم مرت أسلم بفتح اللام كما في القسطلاني في المناقب في
[ ١ / ٣٤٥ ]
أربعمائة فقال من هؤلاء؟ قال أسلم، قال ما لي ولأسلم؟ ثم مرت بنو كعب بن عمرو، قال هؤلاء حلفاء محمد ﷺ، ثم مرت مزينة فيها مائتا فرس، قال من هؤلاء؟ قال مزينة، قال مالي وما لمزينة قد جاءتني تتقعقع من شواهقها، ثم مرت جهينة في ثمانمائة، قال من هؤلاء؟ قال جنهينة، قال ما لي ولجهينة، والله ما كان بيني وبينهم حرب قط، وفي رواية زيادة أشجع وتميم وفزارة وفي البخاري زيادة سعد بن هذيم وهو سعد بن زيد بن ليث بن سود بضم المهملة بن أسلم بضم اللام كما في ابن حجر والزرقاني والقسطلاني بن الحاف بمهملة وفاء ابن قضاعة حتى مر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الكتيبة الخضراء التي لم ير مثلها معه المهاجرون والأنصار مع كل بطن من الأنصار لواء وراية وهم في الحديد لا يرى منهم إلا الحدث ولعمر فيها زجل بصوت عال وهو يقول رويدا يلحق أو لكم آخركم، وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد فيها. قال ابن هشام والعرب تكني بالخضرة عن السواد وبه عنها ولعله إيثار للون المحبوب لنفرة النفوس من السواد، وفي البخاري يقال فيها ألفا دارع أي بالتثنية وكان على الأنصار سعد بن عبادة معه الراية فقال يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة أي يوم حرب لا مخلص منه أو يوم قتل يقال لحم فلان إذا قتله اليوم تستحل الكعبة أي يقتل من أهدر دمه ولو تعلق بأستارها وقتال من عارض من أهل مكة وبإزالة ما يزعمون أنه تعظيم لها من أصنام وصور وقد وقع جميع ذلك فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار بالمعجمة المكسورة وخفة الميم أي الهلاك تمنى أن ت كون له قوة فيحمي قومه قاله عجزا، وقيل معناه هذا يوم الغضب للحرم إن قدر عليه وقيل معناه هذا يوم يلزمك فيه حفظي وحمايتي بقربك للمصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فسمع مقالة سعد رجل من المهاجرين فقال يا رسول الله ما نأمن أن تكون لسعد في قريش صولة وللواقدي أن عثمان وعبد الرحمن قالا ذلك جميعًا، فقال لعلي الحقه وخذ الراية منه وكن أنت تدخل بها وروى الأموي أن أبا سفيان قال له صلى الله تعالى عليه وسلم لما حاذاه أمرت بحذف الاستفهام بقتل قومك؟ قال لا وذكر له ما قال سعد ثم ناشده الله
[ ١ / ٣٤٦ ]
تعالى والرحم فقال يا أبا سفيان اليوم يوم المرحمة أي الرأفة اليوم يعز الله تعالى قريشًا أي بالإسلام وإنقاذهم من الضلال وحجزهم عن الوقوع في المهالك.
وأرسل ﵇ إلى سعد فأخذ الراية منه ودفعها لابنه قيس ورأى ﵇ أن اللواء لم يخرج عنه إذ صار إلى ابنه. ولابن عساكر أن سعدًا لما قال ذلك عارضت امرأة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت يا نبي الهدى إليك لجا الخ
فلما سمع الشعر دخلته رأفة فأمر بالراية فأخذت من سعد ودفعت لابنه. وللواقدي أنه أبى أن يسلمها إلا بأمارة منه ﵇ فأرسل إليه بعمامته. وعنعد أبي يعلي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دفع الراية إلى الزبير فكان معه لواء المهاجرين ولواء الأنصار والظاهر في الجمع بين هذه الثلاثة كما للحافظ أن عليًا أرسل لينزعها ويدخل بها ثم خشي تغيير خاطر سعد فأمر بدفعها إلى ابنه فخشي سعد أن يقع من ابنه شيء يكرهه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فسأله أن يأخذها منه، فأخذها الزبير وعند الواقدي والأموي أن الشعر لضرار بن الخطاب الفهري قال أبو الربيع وهو من أجود شعره قال الحافظ وكان ضرارًا أرسل به المرأة ليكون ذلك أبلغ في انعطافه ﵇ على قريش والشعر المذكور هو:
(يا نبي الهدى اليك لجا حيي قريش ولات حين لجائي)
(حين ضاقت عليهم سعة الأر ض وعاداهم إله السماء)
(والتقت حلقة البطان على القو م ونودوا بالصيلم الصلعاء)
(إن سعدًا يريد قاصمة الظهـ ر بأهل الحجون والبطحاء)
(خزرجي لو يستطيع من الغيـ ـظ رمانا بالنسر والعواء)
(وغير الصدر لا يهم بشيء غير سفك الدما وسبي النساء)
(قد تلظى على البطاح وجاءت عنه هند بالسوءة السوءاني)
(إذ ينادي بذل حي قريش وابن حرب بذا من الشهداء)
(فلئن أقحم اللواء ونادا يا حماة الأدبار أهل اللواء)
(ثم ثابت إليه من بهم الخز رج والأوس أنجم الهيجاء)
[ ١ / ٣٤٧ ]
(لتكونن بالبطاح قريش فقعة القاع في أكف الإماء)
(فانهينه فإنه أسد الأسـ ـد لدى الغاب والغ في الدماء)
(إنه مطرق يريد لنا الأمـ ـر سكوتا كالحية الصماء)
ولجا بالألف للضرورة وهو بالهمزة من باب نفع وتعب كما في المصباح وروي آخره وأنت خير لجاء، وسعة بفتح السين وهو كناية عن شدة كربهم حتى كأن الأرض لم تسعهم، وقوله وعاداهم إلخ أي فعل لهم فعل المعادي فسلط عليهم ما لا طاقة لهم به وحلقتا البطان تثنية حلقة والبطان بكسر الموحدة حزام يجعل تحت بطن البعير، كناية عن شدة الأمر، والصيام بفتح المهملة وسكون التحتية وفتح اللام وميم الداهية وكذا الصلعاء بفتح المهملة وسكون اللام وكأنه بحذف حرف العطف وقاصمة الظهر كاسرته يعني الخصلة المانعة لهم من كل الأمور حتى كأنها كسرت ظهورهم فصاروا لا حراك لهم والنسر بفتح النون نجم والعواء بفتح المهملة وشد الواو والوغر بفتح الواو وكسر المعجمة وبالراء من الوغرة وهو شدة توقد الحر، ويهم بفتح فضم وتلظى تلهب وهند هي بنت عتبة والسوءة السوءاء الخلة القبيحة وأقحم اللواء ارسله في عجلة والأدبار جميع دبر وهو الظهر وثابت بتثلثة فألف فموحدة رجعت وبهم بضم ففتح جمع بهمة للفارس الذي لا يدري من أين يؤتى من شدة بأسه والهيجاء الحرب والفقعة بكسر الفاء فقاف فعين جمع فقاع بكسر الفاء وفتحها وسكون القاف ضرب من الكمأة أبيض رخو يشبه به الرجل الذليل والقاع والمكان المستوى والأسد بضم فسكون والغاب أجم الأسد والغ بالمعجمة أنظر الزرقاني.
وفي القاموس أن الفقع بالفتح ويكسر وجمعه كعنبة وفي الجوهري أن المفتوح جمع فقعه كجبإ وجبأة جمع الفقع بالكسر فقعة كقرد وقردة ويشبه به الرجل الذليل لأن الدواب تنجله بأرجلها انتهى.
وروي أن ابا سفيان لما مر به المسلمون قال يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا، فقال إنها النبوءة، فلما جاء قومه صرخ بأعلى صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة فأخذت شاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم والحميت بفتح المهملة
[ ١ / ٣٤٨ ]
وكسر الميم وسكون التحتية ففوقية الزق، نسبته إلى السمن والدسم بدال فسين مكسورة، الكثير الودك، والأحمس بحاء وسين مهملتين الذين لا خير عنده؛ من قولهم عام أحمس أي لا مطر فيه (انظر الزرقاني) فقال ويحكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم بما لا قبل لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. قالوا قاتله الله، فما تغني دارك عنا. قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس في دورهم وإلى المسجد.
ولما انتهى ﵇ إلى ذي طوى وقف على راحلته ووضع رأسه تواضعًا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه بضم المهملة والنون بينهما مثلثة ساكنة أي لحيته ليكاد يمس رحله، ولما وقف هناك قال ابو قحافة لابنة له وقد كف بصره أظهريني على أبي قبيس فأشرفت به عليه فقال ماذا ترين قالت أرى سوادًا مجتمعًا، قال تلك الخيل. قالت وأرى رجلًا يسعى بين ذلك السواد مقبلًا ومدبرًا قال ذلك الوزاع يعني الذي يأمر الخيل، ثم قالت والله انتشرت السواد، فقال قد والله أذن، دفعت الخيل فأسرعي إلى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته. ولما دخل ﵇ المسجد أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فقال ﷺ هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه. قال أبو بكر هو أحق أن يمشي إليك من أن تمشي إليك، فأجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال أسلم، فأسلم. ورآه صلى الله تعالى عليه وسلم وكأن رأسه ثغامة فقال غيروا من شعره ودخل يومئذ خالد بن الوليد من أسفل مكة من مدى بالضم والقصر وكان على المجنبة اليمنى وهو بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون المشددة كما في الزرقاني وكان أبو عبيدة على الحسر بضم الحاء المهملة وتشديد السين المهملة فراء وهم الذين لا دروع لهم وكون أبي عبيدة على الحسر رواه أحمد والنسائي وروى مسلم أن أبا عبيدة كان على البياذقة بفتح الموحدة وخفة التحتية فألف فذال معجمة فقاف فتاء تأنيث أي الزجالة، فارسية معربة، فلما دخل خالد من كدى وجد بها جموعًا من بني بكر وناسًا من هذيل ومن الأحابيش فقاتلوا خالدًا ورموه بالنبل فقاتلهم فانهزموا، أقبح الانهزام وقتل من بني بكر نحوًا من عشرين رجلًا ومن هذيل ثلاثة أو أربعة
[ ١ / ٣٤٩ ]
وعند ابن سعد والواقدي وقتل أربعة وعشرون رجلًا من قريش ويحتمل الجمع بأنه من مجاز الحذف أي من حزب قريش حتى انتهى بهم القتل إلى الحزورة بفتح المهملة والواو وبينهما زاي ساكنة ثم راء فهاء تأنيث كانت سوقًا بمكة ثم أدخلت في المسجد وهربوا حتى دخلوا الدور وارتفعت طائفة منهم على الجبال، ونظر رسول الله صلى الله عليه تعالى عليه وسلم إلى البارقة فقال ما هذه البارقة وقد نهيت عن القتال؟ فقالوا نظن أن خالدًا قوتل وبدء بالقتال. قال ابن عقبة وقال صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اطمأن لخالد، لم قاتلت وقد نهيتك عن القتال؟ فقال هم بدؤونا بالقتال وقد كففت يدي ما استطعت. فقال ﵇ قضاء الله خير وقتل يومئذ من خيل خالد رجلان شذا عنه سلكا طريقًا غير طريقه وهما حبيش بمهملة ثم موحدة ثم تحتية ثم معجمة كما رواه الأكثر وروي أنه بمعجمة فنون فتحتية فمهملة والصواب الأول كما في الإصابة وهو مصغر على كلا الضبطين ابن الأشعري بشين معجمة وعين مهملة وهو لقب واسمه خالد بن سعد الخزاعي أخو أم معبد صاحبة قصة الهجرة وثانيهما كرز بضم الكاف وسكون الراء ابن جابر بن حسل بمهملتين بكسر فسكون ابن الأحب بمهملة مفتوحة فموحدة مشددة الفهري وكان من رؤساء المشركين وهو الذي أغار على سرحه ﵇ في بدر الأولى وأسلم قديمًا وبعثه صلى الله تعالى عليه وسلم في أثر الرعبينيين وأصيب من خيل خالد أيضًا سلمة بن الميلاء الجهني، ولما دخل ﵇ مكة عهد إلى امرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن أبي سرح بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملة ابن الحارث القرشي العامري وكان قد أسلم وكتب الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم ارتد وفر يوم الفتح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس فاستأمن له فزعموا أنه ﵇ صمت طويلًا ثم قال نعم. فلما انصرف عثمان قال لمن حوله لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل هلا أومأت إلي، فقال إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين. وأفاد سبط بن الجوزي أن
[ ١ / ٣٥٠ ]
الرجل عباد بن بشر وقيل عمرو حسن إسلامه وكانت له ولله الحمد المواقف المحمودة في الفتوح، وهو الذي افتتح إفريقية ومنهم ابن خطل بفتح المعجمة وفتح الطاء المهملة قيل اسمه عبد الله وقيل هلال ورده القسطلاني واسم خطل عبد مناف من بني تميم ابن فهر، ذكر الواقدي أن ابن خطل خرج إلى الخندمة ليقاتل على فرس وبيده قناة فلما رءا خيل الله دخله الرعب حتى ما يستمسك من الرعدة فرجع حتى أتى الكعبة فنزل عن فرسه وطرح سلاحه ودخل تحت أستار البيت. فأمر ﵇ بقتله فقتل وفي المواهي أن أصح ما ورد في تعيين قاتله أنه أبو برزة بفتح الموحدة والزاي بينهما راء ساكنة نضلة بنون مفتوحة ومعجمة ساكنة ابن عبيد الأسلمي وقيل قتله الزبير وقيل اشترك فيه أبو برزة وسعيد بن حريث المخزومي وقيل استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق إليه سعيد فقتله وإنما أمر ﵇ بقتله لأ، هـ كان مسلمًا فبعثه ﵇ مصدقًا وبعث معه رجلًا من الأنصار وكان الأنصاري يخدمه فنزل منزلًا فأمره أن يصنع له طعامًا ونام فاستيقظ ولم يصنع شيئًا فعدى عليه فقتله ثم ارتد مشركًا. ولأنه كان له أمتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وممن أمر بقتله أيضًا قينتان لابن خطل كانتا تغنيان بهجوه ﵇ والقينة الأ/ة غنت أ/ لا وكثيرًا ما يطلق على المغنية، وهما فرتنا بفاء مفتوحة وراء ساكنة فمثناة فوقية فنون فألف وقريبة بالقاف والراء والموحدة مصغرًا وضبطه الصغاني بفتح القاف وكسر الراء أسلمت إحداهما وقتلت الأخرى. ولغير ابن إسحاق أن فرتنا هي التي أسلمت ومنهم سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف وهي التي وجد معها كتاب حاطب بن بلتعة وقيل كانت مولاة للعباس وكان ابن خطل يلقي عليها هجاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تغني به، ومنهم عكرمة ابن أبي جهل أسلم وحسن إسلامه روي أنه هرب ليلقي نفسه في البحر أو يموت تائهًا في البلاد وكانت امرأته أم حكيم بنت عمه الحارث أسلمت قبله فاستأمنت له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وروي أنه لما رجع معها جعل يطلب جماعها فتأبى وتقول
[ ١ / ٣٥١ ]
أنت كافر وأنا مسلمة فقال أن أمرًا منعك مني لا أمر كبير. فلما وافى مكة قال ﵇ لأصحابه يأتيكم عكرمة مؤمنًا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي، ومنهم الحويرث بالتصغير بن نقيد بنون وقاف مصغرًا بن وهب بن عبد بن قصي كان يعظم القول في النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وينشد هجاءه ولما حمل العباس فاطمة وأم كثلوم ابنتي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نخس الحويرث الجمل بهما فرمى بهما الأرض وشارك هبارا في نخس جمل زينب لما هاجرت وقتله علي ومنهم مقيس بميم فقاف ثم سين مهملة ابن صبابة بمهملة مضمومة وموحدتين الأولى خفيفة الليثي وكان أخوه هشام بن صبابة قد قتله رجل من الأنصار خطأ في غزوة ذي قرد يظنه من العدو فجاء مقيس المدينة مظهرًا للإسلام فأخذ الدية فلما وجد غرة من قاتل أخيه مقيس المدينة مظهرًا للإسلام فأخذ الدية فلما وجد غزة من قاتل أخيه عدا عليه فقتله ثم لحق بقريش مشركًا فأهدر دمه وقتله نميلة تصغير نملة ابن عبد الله الليثي رجل من قومه فقالت أخت مقيس في ذلك:
(لعمري لقد أخزى نميلة رهطه وفجع أضياف الشتاء بمقيس)
(فلله عينا من رأى مثل مقيس إذا النفساء أصبحت لم تخرس)
ومقيس بكسر الميم وسكون القاف وفتح التحتية وآخره سين مهملة وخرس المرأة صنع لها الخرسة بالضم وهي طعام النفساء، ومنهم هبار بفتح الهاء وتشديد الموحدة بن الأسود بن مطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ناخس جمل زينب وكان شديد الأذى للمسلمين، أسلم رضي الله تعالى عنه بالجعرانة ومنهم كعب بن زهير وأسلم بعد ذلك ومدح، ومنهم هند بنت عتبة ذكرها الحاكم فيمن أهدر دمه أسلمت فأتته ﵇ بالأبطح وقالت الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتمسني رحمتك يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله مصدقة به ثم كشفت نقابها فقالت أنا هند بنت عتبة. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم مرحبًا بك. ومنهم وحشي بن حرب أسلم وأتاه ﵇، قال فلما رآني، قال وحشي!؟ قلت نعم يا رسول الله! قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة فحدثته فلما أفرغت قال ويحك غيب وجهك عني، فكنت
[ ١ / ٣٥٢ ]
أتنكب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله؛ ومنهم الحارث بن طلاطل الخزاعي قتله علي ذكره أبو معشر كذا في المواهب وشرحها وذكر غير واحد أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو جمعوا أناسًا بالخندمة بالخاء المعجمة ونون جبل في أسفل مكة ليقاتلوا المسلمين فناوشوهم شيئًا من القتال فقتل ابن الميلاء من خيل خالد وقتل من المشركين اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا، وفي ذلك يقول جماش بن قيس بجيم مكسورة وميم مخففة وشين معجمة يخاطب امرأته حين لامته على الفرار وقد كان يصلح سلاحه ويعدها أن يخدمها بعض المسلمين ويقول:
(إن تقبلوا اليوم فما لي عله هذا سلاح كامل وأله)
(وذو غرارين سريع السله)
ولما فر ولامته قال:
(إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمه)
(أبو يزيد قائم كالمؤتمه واستقبلتهم بالسيوف المسلمه)
(يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربا فلا تسمع إلا غمغمه)
(لهم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي باللوم أدنى كلمه)
والآلة بفتح الهمزة الحربة العريضة النصل والسلاح وجميع أداة الحرب، وذو غرارين تثنية غرار بالكسر وهو حد السيف، والغمغمة أصوات الأبطال عند القتال، والنهيت الزئير والهمهمة تردد الزئير في الصدر، قاله في القاموس وقوله وأبو بقلب الهمزة وأبو يزيد سهيل بن عمرو والمؤتمة كمطفل امرأة لها أيتام وجمعها مئاتم والمؤتمة الاسطوانة قاله في الحلة السيرا ويروى هذا الشعر أي الأخير للمرعاش الهذلي.
وفي البخاري وغيره أنه ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وهو بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء زود بنسج من الدروع على قدر الرأس وفي مسلم أنه خطب الناس وعليه عمامة سوداء وكانت الخطبة عند باب الكعبة وجمع بينهما باحتمال أنه أول دخوله على رأسه المغفر ثم أزاله ولبس العمامة، وأن العمامة ملفوفة فوق المغفر إشارة للسؤدد أو كانت تحت المغفر، وقاية لرأسه الشريف
[ ١ / ٣٥٣ ]
من صدا الحديد وفي البخاري من أسامة أنه قال قبل أن يدخل مكة بيوم يا رسول الله أين تنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ وكان عقيل وارث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه علي ولا جعفر، لأنهما كانا مسلمين وأخرجه الفاكهاني وقال في آخره ويقال أن الدار التي أشار إليها كانت دار هاشم ثم صارت لعبد المطلب فقسمها بين ولده ثم صار له صلى الله تعالى عليه وسلم نصيب أبيه اهـ.
وقوله في دارك بحذف الاستفهام؟ وفي البخاري قال عليه الصالة والسلام منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر أي في حال كفرهم أن لا يبالغوا بني هاشم ولا يناكحوهم وحصروهم في الشعب يعني بالخيف المحصب، قال الحافظ والخيف ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع عن المسيل الماء.
وفي البخاري عن أم هانئ بنت أبي طالب أنه ﵇ يوم فتح مكة اغتسل في بيتها ثم صلى الضحى ثمان ركعات ثم رجع إلى حيث ضربت خيمته وأجارت أم هانئ حموين لها أي رجلين من أقارب زوجها وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت فدخل علي علي أي ابن أبي طالب فقال والله لاقتلنها فأغلقت عليهما بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما رآني قال مرحبًا وأهلًا بأم هانئ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ فالرجلان المذكوران الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية وقيل ثانيهما عبد الله بن أبي ربيعة، وأما ما روي من أنهما الحارث وهبيرة زوجها فليس بشيء لأن هبيرة هرب عند الفتح إلى نجران ومات بها مشركًا، قاله الحافظ؛ ولما كان الغد من يوم الفتح في عشرين من رمضان قام ﵇ خطيبًا على باب البيت بعدما خرج منه بحمد الله ثم قال أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا أو يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص فيها لقتال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقولا إن الله تعالى قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما حلت لي
[ ١ / ٣٥٤ ]
ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها الآن كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خير أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. قال اذهبوا فأنتم الطلقاء بضم الطاء وفتح اللام وقاف أي الذين أطلقوا فلم يقترفوا ولم يسترقوا والطليق الأسير إذا أطلق والمراد بالساعة التي أحلت له ﵇ من طلوع الشمس إلى العصر قوله إن الله حرم مكة أي أظهر تحريمها للملائكة وإن لم توجد يومئذ لكن أرضها موجودة إذ هي أول ما وجد من الأرض فتحريمها أمر قديم وشريعة سالفة ولا ينافيه ما في مسلم أن غبراهيم حرم مكة فإن إسناد التحريم إليه من حيث أنه بلغه ويسفك بكسر الفاء وقد تضم وهما لغتان والسفك صب الدم ويعضد بفتح التحتية وكسر المعجمة أي يقطع بالمعضد وهو آلة كالفاس قال الحافظ والمأذون له فيه القتال لا قطع الشجر وذكر الواقدي أنه قبض مفتاح السقاية من العباس ومفتاح البيت من عثمان، وروى ابن أبي شيبة انه أتى بدلو من زمزم فغسل منها وجهه ما تقع منه قطرة إلا في يد إنسان إن كانت قدر ما يحسوها حساها وإلا مسح جلده والمشركون ينظرون، فقالوا ما رأينا ملكًا قط أعظم من اليوم. قال في المواهب وقد أجاد العلامة الشقراطسي حيث يقول في قصيدته المشهورة:
(ويوم مكة إذ أشرفت في أمم تضيق عنها فجاج الوعث والسهل)
(خوافق ضاق ذرع الخافقين بها في قاتم من عجاج الخيل والإبل)
(وجعفل قذف الأرجاء ذي لجب عرمرم كجناح الليل منسجل)
(وأنت صلى عليك الله تقدمهم في بهو إشراق نور منك مكتمل)
(ينير فوق أغر الوجه منتجب متوج بعزيز النصر مقتبل)
(بسمو أمام جنود الله مرتيًا ثوب الوقار لأمر الله ممتثل)
(خشعت تحت بهاء العز حين سمت بك المهابة فعل الخاضع الوجل)
(وقد تباشر أملاك السماء بما ملكت إذ نلت منه غاية الأمل)
(والأرض ترجف من زهو ومن فرق والجو يزهر إشراقًا من الجذل)
(والخيل تختال زهوًا في أعنتها والعيس تنثال رهوًا في ثنى الجدل)
(لولا الذي خطت الأقلام من قدر وسائق من قضاء غير ذي حول)
[ ١ / ٣٥٥ ]
(أهل ثهلان بالتهليل من طرب وذاب يذبل تهليلًا من الذبل)
(الملك لله هذا عز من عقدت له النبوءة فوق العرش في الأزل)
(شعبت صدع قريش بعدما قذفت بهم شعوب شعاب السهل والقلل)
(قالوا محمد قد زادت كتائبه كالأسد تزئر في أنيابها العصل)
(فويل مكة من آثار وطأته وويل أم قريش من جوى الهبل)
(فجدت عفوًا بفضل العفو منك ولم تلمم ولا بأليم اللوم والعذل)
(أضربت بالصفح صفحًا عن طوائلهم طولًا أطال مقيل النوم في المقل)
(رحمت واشج أرحام أتيح لها تحت الوشيح نشيج الروع والوجل)
(عاذوا بظل كريم العفو ذي لطف مبارك الوجه بالتوفيق مشتمل)
(أزكى الخليقة أخلاقًا وأطهرها وأكرم الناس صفحًا عن ذوي الزلل)
(زان الخشوع وقار منه في خفر ارق م، خفر العذراء في كلل)
(وطفت بالبيت محبورًا وطاف به من كان عنه قبيل الفتح في شغل)
(وحل أمن ويمن منك في يمن لما أجابت إلى الإيمان عن عجل)
(وأصبح الدين قد حفت جوانبه بعزة النصر واستولى على المل)
قوله أشرفت أي علوت عليها وظهرت على أخذها، وتضيق بالتاء والياء،،الفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع بين جبلين والوعث بفتح الواو وسكون المهملة ومثلثة المكان الواسع الدهس بمهملأة فهاء مفتوحتين فمهملة تغيب فيه الأقدام ويشق المشي فيه، والسهل بسكون الهاء وفتحها ضرورة ونسخة بضمتين جمع سهل ما لان من الأرض ولم يبلغ أن يكون وعثًا، والإضافة بيانية؛ وخوافق بالجر بدل من أمم بتقدير الضمير أي منها والمراد راياتها من خفقت الراية تخفق بكسر الفاء وضمها أؤ صفة لأمم من خفق الأرض بنعله وخفق في البلاد ذهب، والبرق لمع والطائر طار فوصفها بسرعة السير ولمعان الحديد وصوت وقع الحوافر وبالرفع مبتدأ أي لها خوافق أي رايات أو خبر أي هي يعني الأمم، والذرع الواسع والخافقان المشرق والمغرب؛ وقاتم مغبر وعجاج بفتح المهملة أي غبار؛ والجحفل الجيش الزائد على أربعة آلاف. قال في المحكم إن كان فيه خيل وقذف الأرجاء بفتح القاف والذال المعجمة وبضمها أي متباعد النواحي واللجب بالتحريك كثرة الأصوات وعرمرم بفتح أوله وثانيه أي كثير العدد وشبهه بالليل في سده الأنف واسوداده
[ ١ / ٣٥٦ ]
لكثرة السلاح، وفي نسخة كزهاء السيل بضم الزاي أي قدره ومنسحل بسين وحاء مهملتين اسم فاعل أي مسرع في سيره وتقدمهم بضم الدال أي تتقدم عليهم أي التقدم المعنوي لأنك الآمر المطاع لا الحسي لأنه قدم الكتائب أمامه؛ والبهو البناء العالي ومكتمل أي تام شبه جسده الشريف بالبناء المرتفع واستعار له اسمه وأضافه إلى إشراق النور المحيط به أو استعار البهو للجيش وأراد بالنور ما علاه من البهاء والمعنى وأنت تقدمهم في جيش عظيم كالبناء المرتفع في عدم الوصول إليه وذلك البناء ذو نور مشرق وقوله عقدت بالبناء للمفعول أي أظهرت والأزل بالتحريك القدم والمجرور متعلق بعقدت وفوق العرش حال منه والمراد به مجرد التعظيم لأن النبوءة موجودة حقيقة في الأزل قبل وجود الأشياء فلا عرش وشعبت بفتح المعجمة والمهملة، أصلحت والصدع الشق وشعوب بفتح المعجمة وضم المهملة علم للمنية لا ينصرف من شعب إذا فرق بأنها تفرق الجماعات فشعب من الأضداد وشعاب بالنصب جمع شعب بالكسر فيهما وقذفت اي رمت والقلل جمع قلة وهي هنا رأس الجبل وقالوا أي أهل مكة وزادت كثرت وتزأر تصوت والعصل بضمتين جمع أعصل وهو الناب الشديد المعوج وويل كلمة يعبر بها عن المكروه والجوى الحزن والهبل الثكل وقوله فجدت عفوًا إلخ .. أي سهلًا من غير كد في السؤال وقوله بفضل العفو أي ترك العقوبة مع القدرة عليها فمعنى العفو مختلف وتلمم من ألم بالشيء إذا دنا منه أو نال منه يسيرًا يعني أنه ﵇ لم يقابل أهل مكة باللوم فضلًا عما فوقه بل صفح عنهم أي ترك عقابهم مع القدرة عليهم فهو بمعنى العفو وطوائلهم جمع طائلة أي عداوة وطولًا بالفتح أي تفضلًا ومنًا وواشج بمعجمة وجيم أي مختلطة وإضافته لأرحام من إضافة الصفة للموصوف أي أرحامًا مختلطة وأتيح بالبناء للمجهول قدر ونائبه نشيج بفتح النون وكسر المعجمة وبالجيم وهو بكاء يخالطه شهيق والوشج بفتح الواو وكسر المعجمة وبالجيم ما نبت من القنا ملتفًا وقيل عامة الرماح والمعنى أن الذين رحمتهم قرابتهم شديدة الاتصال بك فأزلت عنهم البكاء لما اشتد روعهم ووجلهم من سطوة جيشك والروع والوجل مترادفان واللطف بالتحريك وزان من الزينة وفاعله وقار
[ ١ / ٣٥٧ ]
والخفر محركة شدة الحياء والكلل بكسر الكاف جمع كلة بكسرها أيضًا وهو ستر رقيق ومحبورًا منعمًا والمنتجب المتخير من أصل نجيب أي كريم والمقتبل المستقبل الخير على كسر الياء وبفتحها المقابل بالخير من قولهم رجل مقتبل الشباب أي لم ير فيه أثر كبر. وقوله ينير بضم التحتية أي يضيء النور المذكور فوق أغر الوجه أي أبيضه ومتوج لابس للتاج الذي تلبسه الملوك وهو شبه عصابة تزين بالجوهر ويسموا يعلو ومرتديًا حال والوقار العظمة والسكينة وترجف بضم الجيم تهتز أي كادت تهتز، قال تعالى: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ أي كادت تبلغها إذ لو بلغتها لماتوا والزهو السرور والفرق الفزع فهي تهتز من أجل السرور بهذا الجيش لإزالته ما كان بها من الفساد ومن الفزع من صولته والجو ما تحت السماء ويزهر بفتح الهاء يضيء والجذل الفرح وتختال زهوًا أي تتبختر في مشيتها كبرًا وعجبًا فتغاير معنى الزهو هنا مع ما سبق والأعنة جمع عنان بالكسر وهو سير اللجام والعيس الإبل البيض يخالط بياضها شقرة وتنثال بفتح الفوقية وسكون النون فمثلثه فلام تنصب من كل جهة ورهوًا بالمراء أي ذات رهو وهو السير السهل وقال الطرابلسي أي ساكنة أو متتابعة انتهى.
وكأن المراد بسكونها أنها انتصبت مطمئنة بلا فزع وثنى بكسر المثلثة وفتح النون والجدل بضمتين جمع جديل وهو الزمام المجدول أي المضفور وثنى الجدل ما انثنى منها أي التوى على أعناق الإبل والزمام ما كان في الأفق وحول بكسر ففتح أي تغير وأهل بفتحات واللام ثقيلة أي رفع صوته وثهلان بمثلثة مفتوحة جبل معروف والتهليل قول لا إله إلا الله ويذبل كينصر اسم جبل والذبل الرماح الذوابل وهي التي لم تقطع من منابتها حتى ذبلت أي جفت وإذا قطعت كذلك كانت أجود وأصلب وتهليلًا صياحًا من أجل الفزع أنتهى. وغالب التفسير للزرقاني وبعضه للقسطلاني.
ولما فتح الله مكة على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم قال الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه فلما قضى الوحي قال يا معشر الأنصار، قالوا
[ ١ / ٣٥٨ ]
لبيك يا رسول الله قال قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قالوا قلنا ذلك يا رسول الله قال فما اسمي إذًا؟ كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم، فأقبلوا إليه يبكون يقولون والله يا رسول الله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله. فقال صلى الله تعالى عليه وسلم فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم. الضن بكسر الضاد المعجمة وشد النون أي البخل والشح به، أي أن يشركنا فيه أحد غيرنا كما ضبطه الشامي ولعله الرواية وإلا ففتحها لغة أيضًا ويعذرانكم بكسر الذال يقبلان عذركم وفي فضالة بفتح الفاء ابن عمير بن الملوح بضم الميم وفتح اللام والواو المشددة الليثي أن يقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فلما دنى منه قال له ﵇ أفضالة؟ قال، عم يا رسول الله. قالأ ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله. وضحك ﵇ ثم قال استغفر الله ثم وضع يده المباركة على صدره، فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئًا أحب إلي منه، قال فضالة فرجعت إلى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت هلم إلى الحديث، فقلت لا. وانبعث يقول:
(قالت هلم إلى الحديث فقلت لا يابا على الله والإسلام)
(لو ما رأيت محمدًا وقبيله بالفتح يوم تكسر الأصنام)
(لرأيت دين الله أضحى واضحًا والشرك يغشى وجهه الإظلام)
وطاف ﵇ بالبيت سبعًا على القصواء والسلمون معه ومحمد بن مسلمة آخذ بزمام الناقة وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وقيل يوم الاثنين. قال الزرقاني ولا عاضد له وكان حول البيت ثلاث مائة وستون صنمًا فكلما مر بصنم أشار إليه بقضيبه، وفي مسلم بسية القوس وهي سكر المهملة وتخفيف التحتية ما عطف من طرفه وهو يقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، فيقع الصنم لوجهه وللطبراني فلم يبق وثن استقبله إلا سقط على قفاه مع أنها كانت ثابتة في الأرض قد شد لهم إبليس أقدامها بالرصاص فلما فرغ من طوافه نزل عن راحلته ولابن أبي شيبة عن عمر فما وجدنا مناخًا في المسجد حتى أنزل على أيدي الرجال وصح عن ابن عمر قال أقبل
[ ١ / ٣٥٩ ]
رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح على ناقته القصواء وهو يقرأ سورة الفتح يرجع صوته بالقراءة وهو مردف أسامة ومعه بلال وعثمان بن طلحة بن أبي طلح’ بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ثم دعى عثمان بن طلحة فقال ائتني بالمفتاح فذهب إلى أمه سلافة بضم السين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء بنت سعيد الأنصارية وأسلمت بعد فأبت أن تعطيه المفتاح وعن الواقدي أنها قالت له واللات والعزى لا أدفعه إليك، فقال لا لات ولا عزى قد جاء أمر غير ما كنا فيه والله لتعطينه أو ليخرجن هذا السيف من صلبي، فأعطيته إياه فجاء به إليه صلى الله تعالى عليه وسلم ففتح الباب، وعثمان. هذا له صحبة وهجرة ولا ولد له وأبوه طلحة قتل بأحد كافرًا ثم دفع المفتاح إلى عثمان وقال خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم. وقال القسطلاني ويقال له أي لعثمان الحجبي بفتح الحاء المهملة والجيم زاد في الفتح ولآل بيته بحجبهم الكعبة ويعرفون الآن بالشيبيين نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وشيبة هذا من مسلمة الفتح وهو ابن عم عثمان بن طلحة المتقدم وعثمان لا ولد له كما مرّ.
خاتمة:
قال أكثر العلماء أن مكة فتحت عنوة واحتجوا بما وقع التصريح به في الأحاديث الصحيحة من الأمر بالقتال ووقوعه من خالد بن الوليد وتصريحه ﵇ بأنها أحلت له ساعة من نهار ونهيه عن التأسي به في ذلك. وعن الشافعي أنها وقعت صلحًا بما وقع من التأمين ولإضافة الدور إلى أهلها ولأنها لم تقسم وأجبت بأن التأمين إنما يكون صلحًا إذ كف المؤمن عن القتال وقريش لم تلتزم ذلك بل استعدوا للحرب وقاتلوا فقاتلهم الصحابة حتى هزموهم ودخلوها عنوة وأجيب عن الثاني بأن ترك القسمة لا يستلزم عدم العنوة وقد تفتح البلدة عنوة ويترك لهم دورهم وغنائمهم وقد فتح أكثر البلاد عنوة فلم تقسم وذلك في زمن عمر وعثمان وقد زات مكة بأمر يمكن أن يدعى اختصاصها به دون بقية
[ ١ / ٣٦٠ ]
البلاد وهي دار النسك ومتعبد الخلق وقد جعلها الله تعالى حرمًا سواء العاكف فيه والبادي انظر فتح الباري والمواهب وشرحها، وأقام صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة بعد فتحها تسع عشرة وروي خمس عشرة ليلة وهو يقصر الصلاة لأنه لم ينو إقامة، قال الكلاعي ومما قيل من الشعر في فتح مكة قول حسان، وذكر ابن هشام أنه قالها قبله:
(عفت ذات الأصابع فالجواء إلى عذراء منزلها خلاء)
(ديار من بني الحسحاس قفر تعفتها الروامس والسماء)
(وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء)
(فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء)
(بشعثاء التي قد تيمته فليس لقلبه منها شفاء)
(كأن سبيئة من بيت راس يكون مزاجها عسل وماء)
(إذا ما الاشربات ذكرن يومًا فهن لطيب الراح الفداء)
(نوليها الملامة أن ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء)
(ونشربها فتتركنا ملوكًا وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء)
(عدمنا خليلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء)
(ينازعن الأعنة مصغيات على أكتافها الأسل الظماء)
(تظل جيادنا متمطرات تلطمن بالخمر النساء)
(فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء)
(وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء)
(وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء)
(وقال الله قد أرسلت عبدًا يقول الحق أن نفع البلاء)
(شهدت به فقوموا صدقوه فقلتم لا نقوم ولا نشاء)
(وقال الله قد يسرت جندًا هم الأنصار عرضتها اللقاء)
(لنا في كل يوم من معد سباء أو قتال أو هجاء)
(فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء)
(ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء)
(بأن سيوفنا تركتك عبدًا وعبد الدار سادتها الإماء)
(هجوت محمدًا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء)
(أتجهوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء)
[ ١ / ٣٦١ ]
(فمن يهجو ورسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء)
(فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء)
(لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء)
وكذلك ذكر موسى بن عقبة أن حسان قال هذا في مخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الفتح وأنه لما دخل مكة نظر إلى النساء يلطمن الخيل بالخمر فالتفت إلى ابي بكر رضي الله تعالى عنه فتبس لقول حسان يلطمن بالخمر النساء، السبيئة ككريمة الخمر وبيت رأس موضع بالشام تنسب إليه الخمر والمغث الخصام وكداء بالفتح والمد من أعلى مكة وهو الذي دخل منه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكدى بالضم والقصر من أسفلها وهو الذي دخل منه خالد ومن معه، وأما ما في مرسل عروة أن خالدًا دخل من كداء بالفتح والمد من أعلاها وأنه ﵇ دخل من أسفلها من كدى فهو مخالف للأحاديث الصحيحة المسندة في البخاري كما قاله الحافظ وغيره. وقوله الأسل أي الرماح وفي مسخة الأسد جمع أسد وتمطرت الخيل جاءت بعضها يسبق بعضا وأنكر الخيل غير يطلمهن بتقديم الطاء على اللام أن ينفضن بخمرهن ما عليهن من غبار ونحوه وفي القاموس، التلطيم ضربك الخبزة بيدك ومنه قول حسان رضي الله تعالى عنه يلطمن بخمر النساء ورواية يلطمهن أي بتقديم اللام ضعيفة أو مردودة أي تمسح النساء العرق عنهن بالخمر انتهى منه.
ومصغيات أي مميلات رؤوسهن كالمستمع، وعرضتها بالضم أي همتها، ونحكم بضم الكاف نرد ونمنع من حكمت الدابة بالتحريك وهي ما أحاط بح نكي الفرس من اللجام. وقال الشاعر:
(ابني حنيفة احكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا)
والمعنى أنا نفحمهم فتكون قوافينا لهم الحكمة للدابة، وقوله مغلغلة قال في القاموس ورسالة مغلغلة محمولة من بلد إلى بلد انتهى.
وبرح الخفاء ظهر أو ذهب فسر بهما وقوله ويمدحه أي ومن يمدحه. ومن شعر الفتح قول ابن الزبعري رضي الله تعالى عنه:
(منع الرقاد بلابل وهموم والليل معتلج الرواق بهيم)
(مما أتاني أن أحمد لامني فيه فبت كأنني محموم)
[ ١ / ٣٦٢ ]