ماتت بعده ﷺ بخمسة أشهر وقيل بستة أشهر وكان ﷺ يقول لها: «أتت أمي بعد أمي»، أي كأمي في رعايتك لي، وتعظيمي والشفقة علي أو في رعايتي لك واحترامي لك وكانت تدل عليه ﷺ وكان العمران يزورانها بعده. ومن مناقبها ما رواه ابن سعد أنها لما هاجرت أمست بالمنصرف دون الروحاء فعطشت فدلى عليها دلو من السماء برشاء أبيض فأخذته فشربت حتى رويت فكانت تقول ما أصابني بعد تلك الشربة عطش ولقد تعرضت للصوم في الهواجر فما عطشت بعد تلك الشربة، قاله الزرقاني مفرقا، وقوله حضنته في القاموس حضن الصبي حضنا وحضانة بالكسر جعله في حضنه أو رباه اهـ.
وفي عبد الباقي وغيره زيادة الفتح (ثم بعد الأم * غدى كفيل الجد) غدى بمعنى صار واسمها مستتر يعود على النبي ﷺ وخبرها كفيل يعني أنه ﷺ كفله جده عبد المطلب بعد موت أمه آمنة أي ضمه إليه ورق له رقة لم يرقها على ولده وكان يقربه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ويجلس على فراشه وأولاده لا يجلسون عليه وذكر ابن اسحاق أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه من بنيه أحد إجلالا له وكان ﷺ يأتي حتى يجلس عليه فتذهب أعمامه يوخرونه فيقول عبد المطلب دعوا ابني ويمسح على ظهره بيده ويقول ان لابني هذا لشأنا (ثم العم) أي ثم بعد موت جده عبد المطلب وله مائة وعشرون سنة وقيل عشر ومائة وقيل أربعون ومائة كفله عمه أبو طالب واسمه عبد مناف وكان عبد المطلب أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله دون الحارث وقيل أن عبد المطلب أقرع بينه وبين الزبير وهو شقيق عبد الله أيضا وخرجت القرعية لأبي طالب، وكان عيال ابي طالب إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل المصطفى معهم شبعوا فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذيهم أو يعشيهم يقول كما أنتم حتى يأتي ابني فيأتي فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإذا كان لبنا شرب أو لهم ثم يشربون فيروون كلهم
[ ١ / ٨٦ ]
من قعب واحد، وإن كان أحدهم يشرب قعبا وحده فيقول أبو طالب إنه لمبارك. وروى أبو نعيم عن ابن عباس قال كان بنو أبي طالب يصبحون عمشا ر مصا ويصبح محمد ﷺ صغيلا دهينا كحيلا وكان أبو طالب يحبه حبا شديدا لا يحب أولاده كذلك ولذا لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج به متى خرج ووذكر ابن قتيبة انه كان يوضع له الطعام ولصبية أبي طالب فيتطاولون إليه ويتقاصر هو تكرما منه ونزاهة نفس وأخرج ابن عساكر عن جلهمة بضم الجيم وتفتح ابن عرفطة بضم العين والفاء قال قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول اعمدوا اللاة والعزى وقائل منهم اعمدوا مناة فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل؟ قالوا كأنك عنيت أبا طالب! قال إيها! فقاموا جميعهم فقمت فدققنا عليه الباب فخرج إلينا فثاروا إليه فقالوا يا أبا طالب اقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب معه غلام يعنى النبي ﷺ كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ الغلام بأصبعه أي أشار به إلى السماء كالمتضرع المتلجئ وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ههنا وههنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي هذا يقول أبو طالب يذكر قريشا حين تمالؤوا عليه ﷺ يده وبركته عليهم من صغره:
(وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عاصمة للأرامل)
(يلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل)
في قصيدته الآتية إن شاء الله تعالى في ذكر الحصار.
قوله أقحط الوادي بالبناء للفاعل والمفعول والقتماء التي يعلوها سواد غير شديد أي كأنه شمس يوم الغيم حين ينجلي سحابها، الرقيق فانها حينئذ تكون مشرقة مقبولة للناس ليست محرقة والقزعة:
[ ١ / ٨٧ ]
القطعة من السحاب. وقوله من ههنا إلخ .. أي من جميع الجهات، وأغدق السحاب كثر ماؤه واغدودق مرادف له والنادي أراد به أهل الحضر، والبادي أهل البادية والثمال الملجأ والغياث وقيل المطعم في الشدة والفواضل الأيادي الجسيمة، عطف خاص على عام وأبيض مجرور برب مقدرة على ما صدر به الحافظ كالكرماني والسيوطي وجزم به في المغني وهو منصوب. قال الحافظ بإضمار أعني أو أخص، قال والراجح أنه بالنصب عطف على سيدا في البيت قبله وهو:
(وما ترك قومي لا أبا لك سيدا يحوط الذمار عند ذرب مواكلي)
انتهى.
وبه قطع الدماميني في مصابيحه ورد على ابن هشام واستظهره في شرح المغني. ومرفوع خبر مبتدء محذوف قاله الكرماني وأفاده القسطلاني عن ضبط الشرف في نسخته من البخاري والذمار بالسكر ما يحق على الإنسان حمايته والذرب بذال معجمة بوزن كتف وسكنت راؤه تخفيفا الحاد والمواكل المتكل على غيره والأرامل المساكين من رجال ونساء انظر المواهب وشرحها، ولما اختلف في سنه ﵊ حين وفاة أمه وحين وفاة جده عبد المطلب، فقيل ماتت أمه وله أربع سنين وقيل خمس وقيل ست وقيل سبع وقيل ثمان وقيل تسع وقيل هو ابن اثنتي عشرة سنة وشهر وعشرة أيام وقيل مات جده وله ثمان سنين وقيل وشهر وعشرة أيام وقيل تسع وقيل ست وقيل ثلاث وفيه نظر بين الراجح من ذلك فقال:
(وخلفته أمه ابن أربع سنين والجد ابن ضعفها فعي)
قوله خلفته أي تركته خلفها أي ماتت عنه وابن في الموضعين منصوب على الحال والجد بالرفع عطف على أمه يعني أنه ﷺ ماتت عنه أمه الشريفة وهو ابن أربع سنين وكفله بعدها جده أربع سنين ومات عنه وهو ابن ثمان سنين، أما موت أمه وهو ابن أربع فصدر به مغلطاي وتبعه في المواهب وحكاه العراقي والقول بأنه ابن ست قطع به ابن إسحاق وصدر به العراقي وزاد عليها مائة يوم
[ ١ / ٨٨ ]
واقتصر الحافظ على أنه ابن ست سنين وثلاثة أشهر وأما كون جده مات وهو ابن ثمان سنين فجزم به ابن إسحاق وتبعه العراقي وتلميذه الحافظ هذا كله من المواهب وشرحها وموت أمه الكريمة كان بالأبواء بفتح الهمزة واد بين مكة والمدينة وقيل بشعب أبي ذؤيب رجل من سراة بنى عمرو بالحجون بفتح المهملة وضم الجيم جبل بمعلاة مكة الشعب بكسر المعجمة منفرج بين جبلين أو الطريق في الجبل وفي القاموس ودار رائعة أي براء بعدها ألف فتحتية بمكة فيه مدفن آمنة أم النبي ﷺ قال ابن عباس لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله أي أخوال جده عبد المطلب بنى عدي بين النجار بالمدينة تزورهم ومعها أم أيمن فنزلت به دار التابعة رجل من بنى عدي وهذه الدار دفن فيها عبد الله بن عبد المطلب كما مر فأقامت به عندهم شهرا فكان ﷺ يذكر أمورا كانت في مقامه كذلك ونظر ﷺ إلى الدار وهو في المدينة فقال ها هنا نزلت بي أمي، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إلى قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول هو نبي هذه الأمة، وهذه الدار دار هجرته يعنى المدينة، فوعيت ذلك كله من كلامهم ثم رجعت به أمه قاصدة إلى مكة سريعا خوفا عليه، ﵇ من اليهود، فلما كانت بالأبواء توفيت. وعن أسماء بنت رهم بضم الراء المهملة عن أمها قالت شاهدت آمنة أم النبي ﷺ في علتها التي ماتت بهاو محمد ﵊ غلام يفع بفتح الفاء أي مرتفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت أمه إلى وجهه وقالت:
(بارك فيك الله من غلام يا ابن الذي من حومة الحمام)
نجى بعون الملك المنعام فدي غداة الضرب بالسهام»
بمائة من إبل سوام ان صح ما أبصرت في المنام»
(فأنت مبعوث إلى الأنام تبعث في الحل وفي الحرام)
تبعث بالتحقيق والإسلام دين أبيك البر إبرهام»
[ ١ / ٨٩ ]