(ثم إلى الشام مع العم ارتحل والعمر في ثالثة العشر دخل)
المجرور الأول متعلق بارتحل والعم هو أبو طالب وفاعل ارتحل ضمير يعود على النبي ﷺ والعمر مدة الحياة وهو مبتدء وخبره دخل والجملة حالية أي ثم سافر النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبى طالب والحال أن عمره دخل في السنة الثالثة عشر، قال ابن الجوزي قال أهل السير والتواريخ وذلك لما أتت عليه ﷺ اثنتي عشرة سنة وشهران وعشرة أيام وفى سيرة مغلطاي اثنتي عشرة سنة وشهر، والذي اقتصر عليهـ في المواهب انه ابن اثنتي عشرة سنة قال الزرقاني: قاله الأكثر وقيل تسع سنين قاله الطبري وغيره وقيل ثلاثة عشر حكاه أبو عمر، قال الزرقاني بعد نقله لكلام ابن الجوزي ومغلطاي ويمكن حمل القول الأول يعني ما للمواهب عليه بأن المراد اثنتا عشرة سنة وما قاربها.
(فرده خاوفا من اليهود عليه أهل المكر والجحود)
فاعل رد عائد على العم والمنصوب للنبي ﷺ كالمجرور بعلى وخوفا مفعول لأجله وأهل نعت لليهود والمكر الخديعة والجحود الإنكار للشيء مع علم حقيقته ولا شك أن اليهود جحدوا المصطفى ﷺ، مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أي فرد أبو طالب النبي ﷺ إلى مكة أي رجع به إليها لأجل خوفه عليه من اليهود أهل الخديعة وجحدوا النبي ﷺ وأشار بهذا إلى ما روي أن أبا طالب أراد الخروج في ركب من قريش تاجرا إلى الشام فلما تهيأ للخروج صب به رسول الله ﷺ فرق له أبو طالب، وقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا، فخرج به حتى بالغ بُصري بضم الواحدة فرأى بحيرا الراهب وكان إليه علم النصرانية فخرج إليهم وكانوا قبل يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فنزل وهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم فأخذ بيد رسول الله ﷺ فقال هذا سيد المرسلين هذا سيد العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ قريش وما
[ ١ / ٩٣ ]
علمك بذلك؟ قال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا ولا يسجدان إلا لنبي وصبّ بصاد مهملة فموحدة مشددة اشتاق، قال السهيلي الصبابة رقة الشوق يقال صببت بكسر الباء أصب، وقراء ﴿أصب إليهن﴾، وروي أنهم لما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا ووذلك أنه رأى رسول الله ﷺ في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا ونزلوا ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة وأظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأي ذلك بحيرا نزل عن صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروه كلكم صغيركم وكبيركم أحراركم ووعبيدكم، فقال رجل منهم والله يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا صدقت ولكنكم ضيف وقد أحببت إكرامكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ لحداثة سنه في رحال القوم فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي! قالوا والله ما تخلف إلا غلام هو أحدث القوم سنا، قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر! فقال رجل من قريش ان كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا فقام إليه الحارث بن عبد المطلب فاحتضنه وأجلسه مع القوم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرا فقال له يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، لا تسألني باللات والعزى فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما، فقال له بحيرا بالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه ويقظته وهيأته
[ ١ / ٩٤ ]
وأموره ويخبره رسول الله ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوءة فلما فرغ أقبل على أبى طالب فقال ما هذا الغلام منك؟ فقال ابني، فقال ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام ان يكون أبوه حيا، قال انه ابن أخي، قال ما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به. قال صدقت! فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فو الله لإن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغتنه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فاسرع به إلى بلده. فخرج به أبو طالب سريعا حتى أقدم به مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
قوله تهصرت بالصاد المهملة المشددة أي مالت وتدلت، وروى أنه وجدهم سبقوه لفيئها فجلس فمال إليه في الشجرة، وروي أنه في هذه السفارة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله ﵇ فاستقبلهم بحيرا فقال ما جاء بكم؟ قالوا هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا لا، فبايعوه وأقاموا معه ورده أبو طالب. وفي الترمذي أن بحيرا قال أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه أبو بكر بلالا قال البيهقي هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي وضعفه الذهبي بأن أبا بكر لم يبلغ إذ ذاك عشر سنين وبأن بلالا لم يكن خلق، قال اليعمري ولم يملكه أبو بكر إلا بعد ذلك بأزيد من ثلاثين عاما وقال ابن حجر رواته ثقات وهذه اللفظة يحتمل أنها مدرجة مقتطعة من حديث آخر وهما أي غلطا من أحد رواته فلا يحكم على جميع الحديث بالضعف اهـ.
وبحيرا بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة قاله في المواهب، وإلى هذه القصة أشار أبو طالب بأبيات من قوله:
(فلما هبطنا أرض بصرى تشوفوا لنا فوق دور ينظرون جسام)
(فجاء بحيرا عند ذلك حاشدا لنا بشراب عنده وطعام)
(فقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا فقمنا جميع القوم غير غلام)
[ ١ / ٩٥ ]
(يتيم فقال ادعوه إن طعامنا كثير عليه اليوم غير حرام)
(فلما رآه مقبلا فوق رأسه ويوقيه حر الشمس ظل غمام)
(حنى ظهره شبه السجون وضمه إلى نحره والصدر أي ضمام)
(فلذلك من أعلامه وبيانه وليس نهار واضح كظلام)
(وعاد) هو أي النبي ﷺ أي رجع (مع مسيرة) غلام خديجة. قال في النور ولا ذكر له في الصحابة فيما أعلمه والظاهر انه مات قبل البعثة ولو أدركها لأسلم (للشام) في تجارة لخديجة ﵂ وكانت ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام فتكون عيرها كعامة عير قومها ووكانت تستأجر الرجال وكانت قريش قوما تجارا ومن لم يكن تاجرا منهم فليس بشيء عندهم فخرج ﷺ في تجارتها وله ﵇ خمس وعشرون سنة فيما رواه الواقدي وابن السكن وصدر به ابن عيد البر وقطع به عبد الغني قال في الغرر وهو الصحيح الذي عليه الجمهور وقيل سنه إحدى وعشرون قاله الزهري. وقال البرقي تسع وعشرون وقيل ثلاثون، حكاه ابن عبد البر. وقال ابن جريج سبع وثلاثون انظر المواهب وشرحها واقتصر الكلاعي على الأول (وهو) بسكون الهاء أي النبي ﷺ مبتدء (من الرحمن) متعلق بخبر المبتدء وهو قوله (في إكرام) أي تعظيم لا تعظيم يدانيه، وإحسان لا إحسان يوازيه فالتنكير للتعظيم وبين بعض إكرامه المتعلق بالظاهر بقوله (تظله) أي النبي ﷺ (الأملاك) جمع ملك يأتي أن ميسرة كان يرى عليه ملكين يظلانه في الهاجرة (في المسير) أي مسيره هذا (حين اشتداد الحر) الظرف متعلق بتظله (في الهجير) أي القائلة. وسبب هذه القصة أن أبا طالب قال للنبي ﷺ يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي. وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليست لنا مادة ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة تبعث رجالا من قومك يتجرون في مالها ويصيبون منافع فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما يبلغها من طهارتك وإن كنت أكره أن تأتي الشام وأخاف
[ ١ / ٩٦ ]
عليك من يهود ولكن لا نجد من ذلك بدًا فقال ﷺ لعلها ترسل إلى في ذلك. فقال أبو طالب إني أخاف آن تؤتى غيرك، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له وقبل ذلك صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه وقالت ما علمت انه يريد هذا وأرسلت إليه وقالت دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك فذكر ذلك لعمه فقال إن هذا لرزق ساقه الله إليك وخرج رسول ﷺ ومعه ميسرة في تجارة لخديجة حتى بلغ سوق بصرى لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة فنزل تحت ظل شجرة قريبا من صومعة نسطورا الراهب فاطلع إلى ميسرة وكان يعرفه فقال يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة فقال رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، وروي أن الراهب دنى إليه ﷺ وقبل رأسه وقدميه، فقال آمنت بك وأشهد أنك الذي ذكر الله في التوراة، فلما رأى الخاتم قبله وقال أشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى فإنه قال لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد ثم قال الراهب لميسرة في عينيه حمرة قال ميسرة لا تفارقه أبدا، قال الراهب هو هو، وهو آخر الأنبياء ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى فباع وأشترى وكان بينه وبين رجل اختلاف فى سلعة فقال الرجل أحلف باللات والعزى فقال ما حلفت بهما قط، فقال الرجل القول قولك ثم قال لميسرة وخلا به هذا نبي والذى نفسي بيده إنه لهو الذي تجد أحبارنا منعوتا فى كتبهم فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعا وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس ولما رجعا إلى مكة فى ساعة الظهيرة وخديجة فى علية بكسر العين والضم لغة أي غرفة لها رأت رسول الله ﷺ وهو على بعير وملكان يظلان عليه فأرته نساء ها فعجبن بذلك ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه
[ ١ / ٩٧ ]
وسلم فأخبرها بما ربح فسرت به.
وروي أن تجارتها ربحت ضعف ما كانت تربح وأضعفت له خديجة ما كانت سمته له، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت قال قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام وأخبرها بقول نسطورا وبقول الآخر الذي خالفه فى البيع اهـ ونسطورا بفتح النون وسكون السين وضم الطاء المهملتين وألفه مقصورة وقوله ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى قال السهيلي يريد ما نزل تحتها هذه الساعة ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء وإن كان لفظ قط فى رواية فقد تكلم بها على جهة التوكيد بالنفى ويبعد في العادة أن تخلو شجرة من نزول أحد تحتها حتى يجيء نبى إلا أن تصبح رواية من قال فى هذا الحديث أحد بعد عيسى. وقوله وكان ميسرة يرى إلخ .. فيه جواز رؤية الملائكة، اهـ. ملخصا من الكلاعي والمواهب وشرحها.
(وإذ إلى مكة عاد) إذ ظرف زمان مضاف للجملة بعده والعامل فيه نكاح الآتي أي وونكح خديجة حين عاد أي رجع من سفره مع ميسرة إلى مكة (و) الحال أنه ﷺ حين نكاحه إياها قد (افتتح) أي ابتدأ (ستا وعشرين) سنة (من العمر) قال فى القاموس العمر بالفتح وبضمتين الحياة وتزوجه بها عقب قدومه من الشام بشهرين وخمسة وعشرين يوما وذلك عقب صفر سنة ست وعشرين قاله ابن عبد البر نقله الزرقاني (نكح) أي تزوج (خديجة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي وكانت في الجاهلية تدعى بالطاهرة لشدة صيانتها وعفافها وكانت تسمى سيدة نساء قريش وأم خديجة فاطمة بنت زائدة ابن الأصم العامرية وللبدوي:
(وأمها فاطمة بنت الخضم زائدة القرم الهمام ابن الأضم)
خديجة (من بعد أربعيناه * مضت لها من عمرها سنينا) بدل من أربعين رواه ابن سعد واقتصر عليه اليعمري وقدمه مغلطاي والبرهان قال فى الغرار وهو الصحيح وقيل عمرها إذ ذاك خمس وأربعون وقيل ثلاثون سنة وقيل ثمانية وعشرون وقول المواهب أربعون سنة وبعض
[ ١ / ٩٨ ]