المحاجن ثم بعد بروك الفيل أرسل الله عليهم طيرا أبابيل أي جماعات قال الشافعي أمام كل جماعة طائر يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق مع كل طائر ثلاثة أحجار حجر في منقره وحجران في رجليه وعلى كل حجر اسم من يقع عليه واسم أبيه لا تصيب أحدا منهم إلا أهلكته وكان الحجر يقع على رأس رجل فيخرج من دبره فإن كان راكبا خرج من مركبه فخرجوا هاربين يتساقطون بكل طريق ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل:
(أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب)
وأصيب ابرهة بالجدري وما مات حتى تساقطت أنامله أنملة أنملة وسال منه الصديد والقيح والدم وما مات حتى انصدع قلبه. وحكمة إظهار شناعة امر أبي رغال حتى صار يرجم دون نفيل مع أنه كان دليلا لهم ايضا أنه إنما جعل نفسه دليلا وقاية له من القتل فكان كالمكره على ذلك بخلاف أبي رغال فإن قومه تلقوا ابرهة بالسلم واختاروه دليلا له وهو بكسر الراء وخفة المعجمة واللام. اهـ.
من الزرقاني (فغاضت المياه) هذا من عجائب ولادته ﷺ يعنى فلما ولد ﷺ غاضت المياه أي نقصت تلك الليلة حتى لم يبق منها شيء ويعنى بالمياه بحيرة ساوة بسين مهملة بعدها ألف بعدها واو مفتوحة فهاء تأنيث تصغير بحرة وهي بحيرة عظيمة بين همذان وقم وكانت أكثر من ستة فراسخ في الطول والعرض وكانت تركب فيها السفن ويسافر إلى ما حولها من البلاد فنشف ماؤها في تلك الليلة بالكلية وأصبحت يابسة كأن لم يكن بها شيء من ماء حتى بنيت موضعها مدينة ساوة الموجودة إلى اليوم وفي المواهب أن بحيرة طبرية غاضت تلك الليلة قال في ترتيب المطالع وهي بالشام لزمتها التاء وهي تصغير بحرة وهي بحيرة عظيمة يخرج منها نهر، بينها وبين الصخرة ثمانية عشر ميلا، قال البكري طولها عشرة أميال وعرضها ستة أميال اهـ. لكن المعروف بالغيض إنما هو بحيرة ساوة من قرى بلاد فارس كانت بحيرة كبيرة إلى آخر ما قدمت من وصفها وقال
[ ١ / ٦٤ ]
فأما بحيرة طبرية فباقية إلى اليوم وأجيب بأن غيض كليهما ثابت في الأحاديث فمن أثبت غيض بحيرة طبرية أراد أنها نقصت نقصا لا ينقص مثله في زمان طويل وأن ماءها غار ثم عاد لما فيها من العيون النابعة التى تمدها الأمطار اهـ من الزرقاني.
وذكر في الشفا أن بحيرة طبرية غاضت. قال شارحه ابن سلطان وطبرية بفتحتين مدينة معروفة بناحية الأردن ذات حصن بينها وبين بيت المقدس نحو مرحلتين والبحيرة مصغرة مع أنها عظيمة وغيضها نقصها، هذا والمعروف ان الغائضة هي بحيرة ساوة من قرى بلاد فارس اهـ.
(والنيران* قد خمدت) كنصر وسمع يعنى أنه من عجائب ولادته ﷺ خمود نار فارس التى كانوا يعبدونها فإنها خمدت أي انطفأت تلك الليلة وكان لها ألف عام لم تخمد فكأنها طفئت بماء بحيرة ساوة قاله ابن سلطان وقال البوصيري:
(وعيون للفرس غارت فهل كان لنيرانهم بهاء إطفاء)
وروى الببهقي وأبو نعيم والخرائطي وابن عساكر وابن جرير كلهم من حديث مخزوم بن هانئ عن أبيه وأتت عليه مائة وخمسون سنة قال لما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأي المويذان فذكر الحديث بطوله قاله الزرقاني ورؤيا الموبذان التى أشار إليها تأتي قريبا إن شاء الله (وانصدع الإيوان) أي انشق وسقطت شرفاته والإيوان بالكسر وأصله بواوين فاعل كديوان ويقال بوزن كتاب وهو الصفة العظيمة يعنى إيوان كسرى بكسر أوله ويفتح لقب ملوك الفرس كقيصر لملوك الروم وتبع لملوك اليمن والنجاشي لملوك الحبشة قاله ابن سلطان وفي القاموس الإيوان بالكسر الصفة العظيمة كالأزج كالإوان ككتاب اهـ. يعنى انه من عجائب ولادته ﷺ ارتجاس إيوان كسرى وسقوط شرفاته ليلة ولادته والارتجاس الصوت الشديد
[ ١ / ٦٥ ]
من الرعد ومن هدير البعير كما ضبطه البرهان وفي نسخ ارتجاج بجيمين أي تحركه واهتزازه فكأنه لما صوت تحرك وهو بناء أزج بفتحتين أي بنى طولا فإنه ارتج حتى سمع صوته وانشق لا لخلل في بنائه وقد كان بناؤه بالمدائر محكما مبنيا بالآجر الكبار والجص، سمكه مائة ذراع في طول مثلها وقد أراد الخليفة الرشيد هدمه لما بلغه أن تحته ما لا عظيما فعجز عن هدمه وإنما أراد الله أن يكون آية باقية لنبيه ﷺ قاله الزرقاني.
(وخرس الملوك) يقال خرس كفرح، انعقد لسانه عن الكلام ومراده والله أعلم انهم لما رأوا منا ما حدث تلك الليلة من الحوادث الخارقة العادة علموا أنه حدث عظيم وخطب جسيم فارتج عليهم في الكلام لما رأوا من الحوادث العظام حتى صاروا يبعثون إلى من يظن به علم بهذا الشأن من علماء أهل الكتاب والكهان فهذا هو مراده بخرسهم والله أعلم. ألا ترى ما روي أن كسرى لما سقطت شرفات إيوانه لم يدر ما سبب ذلك ولم يتكلم فيه، فبعث عبد المسيح الغساني إلى سطيح يسأله هل له علم بذلك. روي أنه لما ولد ﷺ ارتعد إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وكتب إليه صاحب اليمن بأن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة وكتب إليه صاحب فارس بأن النيران التى كانوا يعبدونها خمدت تلك الليلة ولم تكن خمدت قبل ذلك بألف عام وكتب إليه صاحب الشام بأن وادي السماوة انقطع جريه تلك الليلة ثم أخبره المويذان ومعناه القاضي والمفتي بلغتهم أنه رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا فانتشرت في بلادهم، فأرسل عبد المسيح الغساني إلى سطيح الكاهن يستخبره علم ذلك وكان سطيح جسدا ملقى لا جوارح له ووجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب انتفخ وقد قيل له أني لك هذا العلم فقال لى صاحب من الجن استمع أخبار السماء من طور سيناء حين كلم الله موسى ﵇ فهو يؤدي إليه من ذلك ما يؤدي فلما تقدم عبد المسيح عليه وجده قد أشفى على الموت فسلم عليه فلم يرد عليه جوابا فأنشأ عبد المسيح يقول:
[ ١ / ٦٦ ]