والظاهر أنه إنما قاله بعد إسلامه:
(لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم وقدس من يسري إليهم ويغتدي)
(ترحل عن قوم فضلت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد)
(هداهم به بعد الضلالة ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد)
(وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا عمى وهداة يهتدون بمهتدي)
(وقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد)
(نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب الله في كل مشهد)
(وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد)
(ليهنأ أبا بكر سعادة جده بصحبته، من يسعد الله يسعد)
وفي المواهب وشرحها أخرج ابن سعد وأبو نعيم إن أم معبد قالت بقيت الشاة التي لمس ﵇ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة سنة ثمان أو سبع عشرة من الهجرة، زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وقيل لها ذلك لأن الريح كانت إذا هبت ألقت ترابًا كالرماد، وأجدبت الأرض إلى الغاية حتى أوت الوحوش إلى الإنس، وإلى عمر أن لا يذوق لحمًا ولا سمنًا ولا لبنًا حتى يحي الناس، أي يأتيهم الحيا، ويمتد المطر، فاستسقى بالعباس، قالت أم معبد وكنا نحلبها صبوحًا وغبوقًا، وما في الأرض لبن قليل ولا كثير، قال هشام راويه وأنا رأيتها وأنها لتادم أم معبد، وجميع حرمها أي أهل ذلك الماء، وذكر الزمخشري عن هند بنت الجون قالت نزل رسول الله ﷺ خمية خالتي أم معبد، فقام من رقدته، فدعاء بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومجّ عوجسة إلى جانب الخيمة، فأصبحت كأعظم ما يكون في لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد، ما أكل منها جائع إلا شبع، ولا ظمأن إلا روي، ولا سقيم إلا برئ، ولا أكل من ورقها بعير ولا شاة إلا در لبنها. انتهى المراد منهما.
وأخرج الشيخان عن البراء بن عازب أن أباه عازبًا سأل أبا بكر ﵄: كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم؟، قال ارتحلنا من مكة فأحيينا
[ ١ / ١٧٥ ]
يومنا وليلتنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل رأى من ظل نأوي إليه، فإذا أنا بصخرة فانتهيت إليها، فإذا بقية ظل لها، فنظرت بقية ظلها فسويته وفرشت لرسول الله ﷺ فروة وقلت اضطجع يا رسول الله، فاضطجع ثم ذهبت أنظر ما حوله هل أرى من الطلب أحدًا، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أريد، يعني من الظل، فقلت لمن أنت، قال لفلان رجل من قريش، فعرفته، فقلت هل في غنمك من لبن؟ قال نعم، قلت هل حالب أنت لي، قال نعم، فاعتقل شاة من غنمه فأمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، فقال هكذا، فضرب إحدى كفيه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن، وقد رويت ومعي لرسول الله ﷺ أدوات على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ، وقد استيقظ فقلت يا رسول اشرب، فشرب حتى رضيت، وقلت قد آن الرحيل يا رسول الله ﷺ، فارتحلنا. انتهى المراد من الاكتفاء.
ثم لما رحلوا من عند أم معبد كما عند مغلطاي تعرض لهم يوم الثلاثاء، وحكي الجوهري فتحهما، المدلجي بضم الميم وكسر اللام من بني مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة الكناني والحجازي، أسلم على يده ﷺ بالجعرانة مصرفة من حنين والطائف، وروى عنه ابن عباس وجابر وابن أخيه عبد الرحمن بن مالك بن جعشم وابن المسيب، وسبب تعرضه لهم ما في البخاري عنه، قال جاءنا رسل من كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية، كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجالس قومي أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال يا سراقة قد رأيت آنفًا إسودة بالسواحل، أراها محمدًا ﷺ وأصحابه، قال سراقة فعرفت أنهم هم، فقلت له إنهم ليسوا هم، ولكنت رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا، ثم أثبت ساعة، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن
[ ١ / ١٧٦ ]
تخرج بفرسي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت الحديث، وفيه أنه لما دنا منهم سقط عن فرسه واستسقم بالأزلام فخرج ما يكره لا يضرهم ثم ركبها ثانيًا، وقرب حتى سمع قراءة النبي ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسه في الأرض إلى الركبتين، فسقط عنها ثم خلصها، واستقسم بالأزلام فخرج الذي يكره، فناداهم بالأمان، وفي رواية ابن عقبة: وكنت أرجو أن أرده فأخذ المائة ناقة، وفي رواية عن أبي بكر: تبعنا سراقة ونحن في جلد من الأرض، فقلت هذا الطلب قد لحقنا، فقال: لا تحزن إن الله معنا، فلما دنا منا وكان بيننا وبينه رمحان أو ثلاثة، قلت هذا الطلب لقد لحقنا وبكيت، قال ﷺ ما يبكيك؟، فقلت: أنا والله ما على نفسي أبكي ولكن عليك.
وعند الإسماعيلي وغيره، فقال ﷺ اللهم اكفناه بما شئت، وفي حديث أنس عند البخاري: اللهم أصرعه، فصرعه فرسه، وللطبراني أن فرسه وقعت لمنخريها، وللإسماعيلي فساخت في الأرض إلى بطنها، فطلب الأمان، زاد ابن إسحاق فقال أنا سراقة أنظروني أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني ما تكرهونه، وللإسماعيلي قد علمت يا محمد أن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه ولكما أن أرد الناس عنكما ولا أضركما، فدعا له ﷺ، وللإسماعيلي وهذه كنانتي فخذ منها سهمًا، فإنك تمر على إبلي وغنمي بمكان كذا فخذ منها حاجتك، فقال لا حاجة لنا في إبلك ودعا لي، وذكر ابن سعد أنه لما رجع قال لقريش قد عرفت نظري بالطريق، وبالأثر وقد استبرأت لكم فلم أر شيئًا فرجعوا، وروي أن سراقة قال يخاطب أبا جهل بعد انصرافه عن النبي ﷺ:
(أبا حكم والله لو كنت حاضرًا لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه)
(علمت ولم تشك بأن محمدًا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه)
(عليك بكف القوم عنه فإنني أرى أمره يومًا ستبدو معالمه)
(بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرا يسالمه)
[ ١ / ١٧٧ ]
وسراقة هذا أظهر الله فيه علمًا من أعلام نبوته ﷺ، ففي الحديث أنه ﵇ قال له كيف بك إذا لبست سواري كسرى، وذكر ابن المنير أنه قال له ذلك لما لحقهما في الهجرة فعجب من ذلك، فلما أوتى بهما عمر وبتاجه ومنطقته، دعا سراقة فألبسه السوارين وقال ارفع يديك وقل الله أكبر الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج، ورفع عمر صوته ثم قسم ذلك بين المسلمين، ومما وقع لهم في الطريق ما أخرجه البيهقي عن ابن بريدة قال: لما جعلت قريش مائة من الإبل لمن يرد النبي ﷺ حملني الطمع، فركبت في سبعين من بني سهم فلقيته، فقال من أنت، قلت بريدة، فالتفت ﷺ إلى أبي بكر وقال برد أمرنا وصلح، فقال ممن أنت، قلت من أسلم، قال سلمنا، ثم قال ممن قلت من بني سهم، قال خرج سهمك يا أبا بكر، فقال بريدة للنبي ﷺ من أنت، قال أنا محمد بن عبد الله رسول الله، فقال بريدة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعًا، ولما بلغ المسمين بالمدينة خروج رسول الله ﷺ من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، بفتح المهملة وشد الراء، أرض ذات حجارة سود كانت بها وقعة يزيد المشهورة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم طلع رجل من اليهود على أطم، بضم الهمزة والطاء من أطامهم، والأطم الحصن، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه عليهم ثياب بيض يرفعهم السراب، فصاح بأعلى صوته يا بني قيلة، بفتح القاف وسكون التحتية بنت كاهل بن عذرة والدة الأوس والخزرج، وهذا جدكم، بفتح الجيم وشد المهملة، أي حظكم ومطلوبكم، وصاحب دولتكم قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة سراعًا بسلاحهم إظهارًا للقوة والشجاعة لتطمئن نفسه ﷺ بقدومه عليهم، ويظهر له صدقهم في مبايعتهم إياه، فنزل بقباء على بني عمرو ابن عوف على فرسخ من المسجد النبوي، وكان نزوله على كلثوم بن الهدم، وقام أبو بكر للناس
[ ١ / ١٧٨ ]
يتلقاهم، وجلس رسول الله ﷺ صامتًا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيى أبا بكر يظنه رسول الله ﷺ، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس عند ذلك، ولا ينافي ما هنا من إصابة الشمس له ﷺ ما مر من إظلال الغمامة له؛ لأن ذلك قبل البعثة كما صرح به القسطلاني وغيره، وأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة على ما في الصحيحين عن أنس واثنين وعشرين ليلة على ما ذكره موسى بن عقبة، من رواية محمد بن بريدة وحكاه الزبير بن بكار عن قوم من بني عمرو بن عوف وقيل ثلاثًا فقط، رواه ابن عائذ عن ابن عباس وأسس ﷺ مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج ﵇ من قباء وسلم مسجد قباء وقيل أقام فيه أربعة ثم خرج ﵇ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة في أرض بني سالم بن عوف فصلاها بمسجدهم في بطن وادي رانوناء براء مهملة، ونون كعاشوراء واسم المسجد غبيب بضم الغين المعجمة، وفتح الموحدة بتصغير غب كما ضبطه صاحب المغانم المطابة في فضائل طابة، وهو المجد صاحب القاموس واسم الوادي ذو صلب، ولذا سمي مسجد الجمعة، وهي أول جمعة صلاها ﵇، وأول خطبة خطبها في الإسلام، وقيل كان يصلي في مسجد قباء مدة إقامته، ثم بعد صلاة الجمعة ركب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم راحلته متوجهًا إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر خلفه إكرامًا له، وإلا فقد كان له راحلة كما مر، وأبو بكر شيخ كان قد أسرع إليه الشيب، والنبي ﷺ لا شيب فيه، وأبو بكر يعرف لأنه كان يمر عليهم تاجرًا، ورسول الله ﷺ لا يعرف لعدم تردده إليهم، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الذي بين يديك؟، فيقول هذا الرجل يهديني السبيل، فيحسب الحاسب أنه يعني الطريق الحسية وإنما يعني سبيل الخيرات، وكان ﷺ كلما مر على دار من دور الأنصار اعترضه رجالهم يدعونهم إلى المقام معهم، ويقولون له يا رسول الله هلم إلى القوة والمنعة والمنعة
[ ١ / ١٧٩ ]
بالتحريك مشترك بين العز والجماعة اللذين يحمونه، وإن سكنت النون فبمعنى العز فقط، وسمي ممن قال له ذلك عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة من بني سالم بن عوف وزياد بن لبيد وفروة بن عمرو، في رجال من بني بياضة وسعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وفي رجال من بني ساعدة وسعد بن الربيع وخارجة بن زيد بن أبي زهير، وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرجي، وأبو سليط وسليط بن القيس في رجال من بني عدي بن النجار، وهم أخواله ﷺ؛ لأن أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو منهم، ويقول ﵇ لكل منهم خلوا سبيلها يعني ناقته، فإنها مأمورة، حتى أتت دار مالك بن النجار فبركت على باب مسجده ﷺ، وهو يومئذ مربد، بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء فدال مهملة، الموضع الذي يجفف فيه التمر لسهل، وسهيل بني رافع بن عمرو، وهما يتيمان في حجر معاذ بن عفراء، كما عند ابن إسحاق وأبي عبيد، ويقال إنهما في حجر سعد بن زرارة، أي بالألف أحد سباق الأنصار، وفي رواية أبي ذر وحده سعد بلا ألف، والأول هو الصواب، قال الحافظ سعد تأخر إسلامه. انتهى، وذكره غير واحد في الصحابة، قال عياض: ولم يذكره كثيرون؛ لأنه ذكر في المنافقين، وحكى الزبير أنهما كانا في حجر أبي أيوب، قال في الفتح وأسعد أثبت، وقد يجمع باشتراكهم وبانتقال ذلك بعد أسعد إلى من ذكر واحدًا بعد واحد. انتهى من الزرقاني.
وقال الكلاعي فلما بركت ولم ينزل عنها ﷺ وثبت ومشت غير بعيد، ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه، ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جيرانها به، فنزل عنها رسول الله ﷺ فاحتمل أبو أيوب رحله فوضعه في بيته، ونزل عليه رسول الله ﷺ. انتهى المراد منه.
وفي حاشيته منسوبًا للسهيلي، فسر ابن قتيبة تلحلح أي بتقديم اللام بأن معناه لزم مكانه وأنشد:
[ ١ / ١٨٠ ]
(أنا من إذا قيل انفروا قد أتيتم أقاموا على أثفالهم وتلحلحوا)
وأما تقديم الحاء فمعناه زال عن موضعه، وهذا الذي قاله قوي من جهة الاشتقاق، ولكن الرواية في سيرة ابن إسحاق بتقديم الحاء، وهو خلاف المعنى. انتهى.
قال في المواهب وشرحها بعد أن ذكر بروكها أولا بالمربد ثم ثارت، وهو ﷺ عليها ومشت حتى بركت على باب أبي أيوب خالد بن زيد بن كلب من أكابر الصحابة من بني مالك بن النجار شهد بدرًا، والمشاهد ثم ثارت أي قامت وباركت في مبركها الأول عند المسجد، وألقت جيرانها بالأرض، وهو بكسر الجيم باطن العنق أو مقدمه من المذبح، وأرزمت بهمز فراء ساكنة فزاي مفتوحة أي صوتت من غير أن تفتح فاها، قاله أبو زيد، وقال صاحب العين معناه رغت ورجعت في رغائها، ويقال منه أرزم الرعد وأرزمت الريح انتهى. وروي رزمت بلا ألف أي نامت من الإعياء والهزال، ونزل عنها رسول الله ﷺ واحتمل أبو أيوب رحله بإذنه ﷺ وأدخله بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دور بني النجار أفضل دور الأنصار، والناقة المذكورة هي القصواء والجداء، وهل هما اثنتان أو واحدة لها لقبان؟ خلاف، وفي الألفية عضباء جدعاء هما القصواء، وقال الشهيلي والصحيح أن العضباء غير القصواء، قال أبو أيوب لما نزل على رسول الله ﷺ كنت في العلو، فلما خلوت على أم أيوب قلت لها رسول الله ﷺ أحق بالعلو منا تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحي، فبتنا تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب بحالة هنيئة، بل بشر ليلة، فلما أصبحت قلت يا رسول الله ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال لم يا أبا أيوب؟ قال قلت أنت أحلق بالعلو منا نزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحي، قال ﷺ الأسفل أرفق بنا، فقلت لا والذي بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدًا، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى تحول إلى العلو، وأبو أيوب في السفل، وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا رد فضله علينا تيممت أنا وأم
[ ١ / ١٨١ ]
أيوب موضع يده نبتغي بذلك البركة، وقد ذكر أن هذا البيت الذي لأبي أيوب بناه له ﵊ تبع الأول ابن حسان الحميري، وكان ممن تدين بالزبور وبين موته ومولد النبي ﷺ ألف سنة لما مر بالمدينة، روى ابن عساكر أنه قدم مكة وكسى الكعبة وخرج إلى يثرب وكان في مائة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة، ولما نزلها جمع أربعمائة رجل من الحكماء والعلماء وتبايعوا أن لا يخرجوا منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم، فقالوا إن شرف البيت وشرف هذه البلدة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد ﷺ، فأراد تبع أن يقيم وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه وأعطاهم عطاء جزيلًا، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابًا للنبي ﷺ فيه إسلامه، ومنه شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم، فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرًا له وابن عم، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم وأمره أن يدفعه إلى محمد ﷺ إن أدركه، وإلا فمن أدركه من ولد ولده أبدًا إلى حين خروجه، فتداول الدار التي بنى تبع للنبي ﷺ لينزلها إذا قدم المدينة الأملاك إلى أن وصلت إلى أبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج رسول الله ﷺ أرسلوا إليه كتاب تبع مع أبي ليلى، فلما رأه ﷺ قال له أنت أبو ليلى، ومعه كتاب تبع الأول، وقال وأهل المدينة الذين نصروه عليه وسلم من ولد أولئك العلماء، فعلى هذا فالمصطفى ﷺ إنما نزل في منزل نفسه لا في منزل غيره، وفرح أهل المدينة بقدومه ﷺ، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وصعدت ذات الخدور على الأجاجير، بجيمين جمع أجار، وفي لغة الأناجير بالنون، وهي السطوح، عند قدومه ﵇ يهنئنه ويقلن:
(طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع)
زاد رزين:
[ ١ / ١٨٢ ]
(أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع)
قال القسطلاني في المواهب أنشئ هذا الشعر عند قدومه ﵇ المدينة، رواه البيهقي، وأبو بكر المقري، بضم الميم وسكون القاف كما في الزرقاني عن ابن عائشة، وذكره الطبري، وقال خرجه الحلواني. انتهى، وسميت ثنية الوداع لأنه ﵇ ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة في بعض أسفاره، يعني غزوة تبوك كما في الزرقاني، أيضًا فودعه عندها وهذان يعطيان أن التسمية حادثة وقيل لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديمًا، فدل على أنه اسم قديم، وقال ابن بطال سميت بذلك لأنهم كانوا يشيعون الحاج إليها، ويودعونه عندها، وإليها يخرجون عند التلقي، قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي وهذا كله مردود، ففي صحيح البخاري وسنن أبي داوود والترمذي عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول الله ﷺ من تبوك خرج الناس كلهم يتلقونه من ثنية الوداع، وهذا صريح في أنها من جهة الشام لا من جهة مكة، قال ولهذا قال والدي عبد الرحيم في شرح الترمذي كلام ابن بطال، وهم وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة انتهى.
ونحوه في الفتح كما للزرقاني، قال القسطلاني وسبقه إلى ذلك ابن القيم، أي في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، فقال هذا وهم؛ لأن ثنية الوداع إنما هي من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك، لكن قال ابن العراقي ويحتمل أن تكون الثنية التي من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع، انتهى. قال الزرقاني قال الخميس يشبه إن هذا هو الحق، ويؤيده جميع الثنيات، قال ولا مانع من تعدد وقوع هذا الشعر مرة عند الهجرة، ومرة عند قدومه من تبوك، فلا ينافي ما في البخاري وغيره، ولما بركت الناقة على باب أبي أيوب خرج جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن:
(نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار)
[ ١ / ١٨٣ ]
فقال محمد ﷺ: أتحببنني أي بضم التاء، من أحب وبفتحها وكسر الموحدة من حب؟، قلن نعم يا رسول الله، فقال ﵇ يعلم أن قلبي محبكم بالميم، يعني معشر الأنصار، وفي رواية فقال والله وأنا أحبكن، فتفرق الناس في الطرق ينادون فرحًا جاء محمد، جاء رسول الله ﷺ، ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وهي أوبؤ أرض الله، وعك بالبناء للمجهول، أي حم أبو بكر وبلال وعامر بن فهيرة، وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:
(كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله)
قوله مصبح أي مصاب بالموت صباحًا، وشراك النعل سيره الذي على ظهر القدم، والمعنى أن الموت أقرب إلى الشخص من شراك النعل إلى الرجل، وذكر ابن شيبة أن هذا الرجز لحنظلة ابن سيارة، قاله يوم ذي قار وتمثل به الصديق ﵁، وكان عامر يقول:
(لقد وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه)
(كل امرئ مجاهد بطوقه كالثور يحمي أنفه بروقه)
والطوق الطاقة، والروق القرن، يضرب مثلًا في الحث على حفظ الحريم، ويذكر أن هذا الشعر لعمرو بن مامة، وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى بالبناء للفاعل أو المفعول يرفع عقيرته، أي صوته بالبكاء ويقول:
(ألا ليت شعري هل أبيتين ليلة بواد وحولي إذخر وجليل)
(وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل تبدون لي شامة وطفيل)
وقوله بواد يعني واد مكة، والإذخر بكسر الهمزة، وسكون الذال، وكسر الخاء المعجمتين حشيش مكة الخ، والرائحة الطيبة وجليل نبت ضعيف يحشى به البيوت، وهو الثمام، ومياه بالهاء، ومجنة بفتح الميم والجيم، والنون المشددة وتكسر الميم، موضع على أميال من مكة كان به سوق في الجاهلية وشامة وطفيل بفتح المهملة وكسر الفاء عينان بقرب مكة، كما ارتضاه الخطابي، وقواه السهيلي، وقيل جبلان، وزعم في القاموس أن شامة بالميم تصحيف من المتقدمين وأن الصواب بالباء، وأشار الحافظ لرده، فقال زعم بعضهم أن الصواب بالموحدة بدل الميم والمعروف بالميم
[ ١ / ١٨٤ ]