وقيل على ميلين منها، والبحر يرى من أعلى هذا الجبل، وفيه من كل نبات الحجاز وشجره، وفيه شجر البان، وفي القاموس ثور جبل بمكة فيه الغار المذكور في التنزيل، ويقال له ثور أضحل واسم الجبل أضحل نزله ثور ابن عبد مناة فنسب له.
وروي أنهما لما خرجا لقيهما أبو جهل فأعماه الله عنهما، وفي حديث أنه ﵇ لما صعد ثبيرا ناداه اهبط عني فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب، وإنما خاف ذلك لأنه لو لم يذكر ذلك مع علمه بأنه لا مكان فيه يستره كان غشًا، فناداه حراء إلي يا رسول الله، وهو مقابل ثبير مما يلي شمال الشمس وبينهما الوادي وهما على يسار السالك إلى منى، ولم يذهب إليه لسبق تعبده فيه فخشي أن يطلبوه فيه، وذهب إلى ثور دون غيره لحبه الفال الحسن، فقد قيل الأرض مستقرة على قرن الثور، فناسب استقراره فيه، وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال يا رسول الله ﷺ والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان به شيء نزل بي قبلك، فدخله فجعل يلتمسه بيده فكلما رأى حجرًا قطع من ثوبه وألقمه الحجر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع، فبقي حجر فألقمه عقبه، وفي رواية فأدخل فيه رجله إلى فخذه فجعلت الحيات والأفاعي تلسعنه فجعلت دموعه تتحدر، وفي رواية فدخل رسول الله ﷺ ووضع رأسه في حجر أبي بكر فنام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك لئلا يوقظ المصطفى ﷺ، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال مالك يا أبا بكر، فقال لدغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده، ولأب نعيم فلما أصبح قال لأبي بكر أين ثوبك فأخبره بالذي صنع، فرفع ﷺ يديه وقال: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة"، فأوحى الله إليه قد استجبنا لك، والظاهر أنه كان عليه غيره مما يستر جميع بدنه إذ لم ينقل طلبه لغيره ممن كان يأتيهما كابنه وابن فهيرة، انتهى من الزرقاني، فلما دخل ﷺ الغار هو وأبو بكر أنبت
[ ١ / ١٦٥ ]
الله على بابه الراءة، بالراء المهملة والمد والهمزة، فحجبت أعين الكفار، وهي أم عيلان ضرب من العضاه كما في المصباح، فأمر الله العنكبوت فنسجت على فم الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين فعششتا على بابه، ولما فقدت قريش رسول الله ﷺ طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة أثره، والقافة جمع قائف وهو الذي يعرف الأثر، فوجد الذي ذهب قبل ثور أثره، فلم يزل يتبعه حتى انقطع أثره لما انتهى إلى ثور، ولما انتهى قريش إلى فم الغار قال قائل منهم ادخلوا الغار، قال أمية بن خلف وما أربكم إلى الغار إن فيه لعنكبوتًا أقدم من ميلاد محمد، وعند الطبراني وخرجت قريش حين فقدوهما وجعلوا في النبي ﷺ مائة ناقة، وطافوا في جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذي فيه ﷺ، فقال أبو بكر إن هذا الرجل ليرانا، وكان مواجهه، فقال ﷺ كلا إن ثلاثة من الملائكة يسترنا بأجنحتها، فجلس ذلك الرجل يبول مواجهه في الغار، فقال ﷺ لو كان يرانا ما فعل هذا، وروي أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول الله ﷺ، وقال إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله ﷺ لا تحزن إن الله معنا، وفي رواية أن أبا بكر قال أما والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره، فقال لا تحزن إن الله معنا بالمعونة والنصر، ولما خرجا إلى الغار أمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يستمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى، فكان عامر يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما فاحتلبا وذبحا، فإذا غدى عبد الله من عندهما تبع عامر أثره بالغنم حتى يعفر أثرهما، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام بما يصلحهما، ولله در مجلي حلبة المديح النبوي حيث يقول، ولقوله قبول:
(وأغيرتا حين أضحى الغار وهو به كمثل قلبي معمور ومأهول)
[ ١ / ١٦٦ ]
(وجلل الغار نسج العنكبوت على وهن فيا حبذا نسج وتحليل)
(كأنما المصطفى فيه وصاحبه الصديق ليثان قد أواهما غيل)
(عناية ضل كيد المشركين بها وما مكايدهم إلا الأضاليل)
(إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما كأن أبصارهم من زيغها حول)
الغيل بالكسر الشجر الملتف، وجلل غطى، والعناية بكسر العين وفتحها، والأصاليل جمع إضليلة، وروي أنا أبا بكر قال: نظرت إلى قدمي رسول الله ﷺ وقد تفطرتا دمًا في الغار فاستبكيت، وعلمت أنه لم يكن تعود الحفى، والسين والتاء للمبالغة لا للطب، والحفى المشي بلا خف ولا نعل، وكان من قوله ﷺ لما وقف على الحزورة بفتح المهملة فزاء ساكنة فواو فراء سوق كانت بمكة أدخلت في المسجد ونظر إلى البيت: والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت منك، وأقام ﷺ في الغار هو وأبو بكر ثلاث ليال وخرجا منه ليلة الاثنين، كما مر، ولما أراد الخروج أتاهما صاحبهما الذي استأجرا ليدلهما على الطريق، وكان استيجارهما له قبل خروجهما من مكة، فدفعا إليه راحلتيهما وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما حين هدأت الأصوات كما قال ابن شهاب، وهو رجل من بني الديل، بكسر الدال وسكون التحتية، وقيل بضم أوله وكسر ثانية مهموزًا كما في الفتح، واسمه عبد الله بن أريقط بالقاف والطاء مصغر، وفي رواية الأموي أريقد بالدال بدل الطاء، والأول أشهر، قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز، أي أسرعه، وصنعنا لهما سفرة من جراب، وفي البخاري سفرة في جراب، قال الحافظ سفرة أي زاد في جراب؛ لأن أصل السفرة الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد، ومثله المزادة للماء، وكذا الرواية، فاستعملت هنا على أصل اللغة، وأفاد الواقدي أنه كان في السفرة شاة مطبوخة انتهى، وأتتهما بالسفرة أسماء بنت أبي بكر ونسيت أن تجعل لهما عصامًا فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب، بكسر الجيم وفتحها، والكسر أفصح قاله النووي، وفي القاموس أنه لا
[ ١ / ١٦٧ ]
يفتح أو لغية، وهو المزود، فسميت بذلك ذات النطاق، وفي رواية الكشميني بالتثنية، والنطاق ما يشد به الوسط، وفي البخاري أنها شقت نطاقها نصفين فشدت بأحدهما الزاد، واقتصرت على الآخر، فمن ثم قيل لها ذات النطاق، وذات النطاقين، بالإفراد والتثنية لهذين الاعتبارين، وعند ابن سعد شقت نطاقها نصفين فأوكت بقطعة منه الجراب، وشدت فم القربة بالباقي، وسميت ذات النطاقين، وقال الهروي سميت بذلك لأنها كانت تجعل نطاقًا على نطاق، انتهى من الزرقاني.
ولما تجهزا ركبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة مولى أبا بكر يخدمهما، يردفه أبو بكر ويعقبه وليس معهما غيره هو وابن الأريقط، ولم يعرف له إسلام كما قال الحافظ عبد الغني وتبعه النووي، وفي الإصابة لم أر من ذكره في الصحابة إلا الذهبي، وقال السهيلي ولم يكن إذ ذاك مسلمًا، ولا وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد، ولا يعترض بأن الواقدي ذكر أنه أسلم لأنه قيد بصحيح ومعلوم ضعف الواقدي خصوصًا مع الانفراد، وكأنه سلف الذهبي، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي، وعن أسماء قالت لما خرج رسول الله ﷺ أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا أين أبوك يا ابنة أبي بكر؟، قلت لا أدري والله، فرفع أبو جهل يده فكان فاحشًا خبيثًا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، ثم انصرفوا،، وفي رواية خرج منها قرطي، وهو بضم القاف، ولما ساروا أخذ بهم الدليل طريق الساحل أسفل عسفان، فمروا بقديد، بضم القاف مصغر موضع معروف على أم معبد الخزاعية واسمها عاتكة بنت خالد بن خليد مصغر، وآخره دال مهملة، وقيل ابن خليف بفاء بدل الدال مصغر، وقيل ابن منقذ بضم الميم وسكون النون وكسر القاف وذال معجمة، وهي صحابية، وكذا أخوها حبيش، وكذا زوجها أبو معبد صحابي له رواية، وكانت أم معبد برزة بفتح الموحدة وسكون المهملة، فزاي معجمة، أي عفيفة جليلة مسنة أو غيرها، وقيل هي المسنة التي برزت فلم تتخدر لسنها وخرجت عن المحجوبات جلدة قوية تحتبي، أي تجلس بفناء القبة، والفناء سعة أمام البيت، ثم تسقي وتطعم من يمر بها، وكان القوم
[ ١ / ١٦٨ ]
مرملين مسنتين بكسر النون والفوقية، أي أصابتهم السنة فطلبوا لبنًا ولحمًا، وعند أبي عمر فسألوها لحمًا وتمرًا يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئًا، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، بكسر الكاف وفتحها، أي جانبها خلفها بشد اللام الجهد بفتح الجيم وضمها أي الهزال عن الغنم، فسألها ﷺ هل بها من لبن، فقالت هي أجهد من ذلك، فقال أتأذنين لي أن أحلبها، بضم اللام وكسرها، قالت نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا، بفتح اللام وسكونها، أي لبنًا في الضرع فأحلبها، فدعا بالشاة أي طلبها أن تأتي، فالباء زائدة فيكون معجزة، فاعتقلها أي وضع رجلها بين ساقه وفخذه ليحلبها ومسح ضرعها وظهرها وسمى الله، فتفاجت، بشد الجيم أي فتحت ما بين رجليها ودرت، فدعاء بإناء يربض الرهط، بضم المثناة التحتية وكسر الموحدة، أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا من ربض المكان، فحلب فيه ثجًا، بمثلثة وجيم، أي حلبًا قويًا، فسقى أم معبد حتى رويت ثم سقى القوم حتى رووا، ثم شرب النبي ﷺ آخرهم، وقال ساقي القوم آخرهم شربًا، ثم حلب فيه مرة أخرى فشربوا عللًا بعد نهل، بفتح النون والهاء وتسكن ولام، أي شربا ثانيًا بعد الأول، ثم حلب فيه آخر وغادره عندها، فقال ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءك، وفي رواية فحلب ثجًا حتى علاه الثمال، وفي رواية حتى علاه البهاء، والثمال بضم المثلثة واحدة ثمالة وهي الرغوة بتثليث الراء، والبهاء لمعان رغوته ثم ركبوا وذهبوا، وفي بعض الروايات أنها ذبحت لهم شاة وطبختها فأكل هو وأصحابه، وملأت سفرتهم منها ما وسعت، قالت وبقي عندنا لحمها أو أكثر، وبقيت الشاة التي مسح ضرعها إلى زمن عمر، فقل ما لبثت أم معبد حتى جاء زوجها أبو معبد، قال السهيلي لا يعرف اسمه، وقال العسكري اسمه أكثم بفتح الهمزة والمثلثة ابن أبي الجون، ويقال ابن الجون، وهو خزاعي يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزلًا بضم الهاء وسكون الزاي، أي يتمايلن من الهزال، فلما رأى اللبن أبو معبد عجب وقال ما هذا يا أم معبد؟، أني لك هذا والشاء عازب، أي بعيدة المرعى حيال ولا حلوب بالبيت؟، فقالت
[ ١ / ١٦٩ ]
ولا الله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، فقال صفيه يا أم معبد، فقالت رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة بفتح الواو، أي الحسن، مليح الوجه، أي مشرقة، حسن الخلق، بضم الخاء واللام، لم تصبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم في عينه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سماه ولاه البهاء، كأن منطقه خرزات نظم طول يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفود محشود لا عباس ولا مفند، فقال أبو معبد هذا والله صاحب قريش، ولو رأيته لاتبعته، قوله ثجلة بفتح المثلثة على ما للقسطلاني، وبضمها على ما في النور والسبل، عظم البطن، ويروى بالنون والحاء أي نحول من نحل الجسم إذا قل لحمه والصعلة بفتح الصاد والعين المهملتين، صغر الرأس، وهي أيضًا دقة البدن ونحو له، وفي رواية سقلة بالسين والقاف، وفي أخرى صقلة بالصاد والقاف، أي نحول من صقلت الناقة ضمرتها، والوسيم الحسن، وكذلك القسيم والدعج بالتحريك شدة سواد العين والوطف بالتحريك الطول وفي رواية غطف بغين معجمة ومعناهما واحد، والصحل يفتح الصاد والحاء المهملتين هو كالبحة الموحدة، وأن لا يكون حاد الصوت والحور بالتحريك أن يشتد بياض بياض العين وسواد سوادها، وهو محمود محبوب، ولذا كان أغزل ما قالت العرب قول جرير:
(إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لا يحيين قتلانا)
(يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله إنسانًا)
والكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة والرجل أكحل وكحيل، والمرأة كحلاء وكحيل، والأزج بفتح الهمزة والزاي وشد الجيم الدقيق طرف الحاجبين، وفي القاموس الزجج محركة دقة الحاجبين في طول، أي
[ ١ / ١٧٠ ]
امتداد إلى مؤخر العين، والزجج خلقة، والتزجيج ما كان يصنع، قال:
(إذا ما الغانيات برزن يومًا وزججن الحواجب والعيوانا)
أي وكحلن العيون، والأقرن المقرون الحاجبين، ومثله في حديث علي وهو مخالف لما في حديث أزج الحواجب، سوابغ من غير قرن، قال ابن الأثير: وهو الصحيح، وقال غيره: أنه المشهور، وأجيب بأن بينهما شعرًا خفيفًا جدًا يظهر إذا وقع عليه الغبار في نحو سفر، وفي عنقه سطع بفتحتين أي ارتفاع وطول، وفي لحيته كثاثة بمثلثتين هي أن تكون غير دقيقة ولا طويلة، وصمت بفتح الميم والوقار بفتح الواو الحلم والرزانة، وإذا تكلم سما أي ارتفع على جلسائه، وقوله وكأن منطقه خرزات نظم الخ، لعل وجه التشبيه التناسب بين كلماته وشدة اتصال بعضها ببعض، فأشبهت الكلمات في تناسقها وفي تواليها الخرزات إذا تتابعت، وقوله حلو المنطق، الحلو في المطعوم مستلذ فاستعير لما يعجب السامع ويستلذ بسماعه، وفصل بفاء فصاد ساكنة، أي فاصل بين الحق والباطل، أو ذو فصل بين أجزائه كقول عائشة ما كان رسول الله صلى الله علي وسلم يسرد سردكم هذا، والنزر بسكون المعجمة، القليل، والهذر الكثير، ضبطه القسطلاني بفتح الذال المعجمة، وفي بعض شراح الشفا ضبطه بسكونها ولا تشنؤه من طول، وفي رواية ولا يشنا من طول، أي لا يبغض لفرط طوله، ولا تقتحمه عين من قصر أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارًا له، وكل شيء ازدريته فقد اقتحمته، قاله ابن الأنباري، ومحفود مخدوم، والحشود الذي عنده حشد بفتح المهملة وسكون المعجمة، وتفتح فدال مهملة، وهم الجماعة، وأجهر الناس أرفعهم صوتًا، وقوله وأحلاه وأحسنه بإفراد الضمير فيهما حملًا على لفظ الناس وربعة بسكون الباء وتحرك، أي متوسط، وقولها غصن أي كغصن بين غصنين تعني الصديق، ومولاه عامر بن فهيرة، ويحفون بضم الحاء يطوفون، والمفند الذي يكثر اللوم، فهو اسم فاعل انتهى وما مر من تفسير الأزج للقسطلاني، وفي الشفا والحاجب الأزج المقوس الطويل الوافر الشعر، وقال ابن سلطان المقوس بفتح الواو المشبه بالقوس في نوع من الإدارة
[ ١ / ١٧١ ]
فلا ينافه قول الطويل، وأزج الحواجب أدقها مع غزارة شعرها وتقوس أصلها، قال ابن سلطان في الجمع بين حديث أم معبد في وصفه بالقرن، وحديث ابن هالة بنفيه، ولعل منشأ الخلاف من جهة قرب الراء وبعده، وقال في الشفاء والأدعج شديد سواد الحدقة، وفي الحديث الآخر أشكل العين، وأسجر العين، وهو أنها في بياضها حمرة، قال شارحها قوله الحديث الآخر أي الذي رواه مسلم أشكل العين وأسجر العين وهما بمعنى، وقوله حمرة أي يسيرة. انتهى.
وقول الشارح فيما تقدم كقول عائشة رصي الله عنها، ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، الحديث في الترمذي في الشمائل ولفظه: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه، قال البيجوري في شرحه يسرد بضم الراء ومعناه يأتي بالكلام على الولاء ويتابعه ويستعجل فيه، وقولها كسردكم في نسخة بدون كاف، وقوله هذا أي الذي تفعلونه، فإنه يورث لبسًا على السامعين، وقوله بين فصل أي ظاهر مفصول ممتاز بعضه من بعض بحيث يتبينه من يسمع ويمكنه عده، وهذا أدعى لحفظه ورسوخه في ذهن السامع مع كونه يوضح مراده ويبينه بيانًا تامًا، بحيث لا تبقى فيه شبهة، وقوله من جلس إليه مراده من أصغى إليه وإن لم يجلس إليه. انتهى.
وما مر من تفسير كثاثة اللحية بأن تكون غير دقيقة ولا طويلة هو للقسطلاني، وقال البيجوري في تفسير قول الشمائل كث اللحية أي بفتح الكاف، وفي رواية كثيف اللحية، وفي أخرى عظيم اللحية، وعلى كل فالمعنى أن لحيته ﷺ كانت عظيمة، واشتراط جمع من الشراح مع الغلظ القصر متوقف على نقل من كلام أهل اللسان. انتهى كلامه.
وقال ابن سلطان في شرح الشفا: كث اللحية أي غزير شعرها، وكثير أصلها، وفي رواية كثيف اللحية، وفي أخرى عظيم اللحية، كما في شرح الشمائل لابن حجر المكي من قوله غير دقيقها ولا طويلها ينافي
[ ١ / ١٧٢ ]
الرواية والدراية؛ لأن الطويل مسكوت عنه، مع أن عظم اللحية بلا طول غير مستحسن عرفًا، فكما أن الطول الزائد على القبضة غير ممدوح شرعًا، ثم هذا لا ينافي ما ورد عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا من سعادة المرء خفة لحيته كما رواه الأربعة، فإن الكثيف والخفيف من الأمور الإضافية فيحمل على الاعتدال الذي هو الكمال في جميع الأحوال، ولا يبعد أن يحمل الكثيف على أصله، والخفيف على عدم طوله وعرضه، وأما قول الفقهاء اللحية الخفيفة هي التي تظهر في البشرة من تحتها، ومبنى الكلام الأحاديث هذه على المعنى اللغوي تصحيحًا واصطلاحًا. انتهى كلامه.
تنبيه
في الترمذي عن شعبة عن سماك بن حرب من حديث جابر بن سمرة: كان رسول الله ﷺ أشكل العين، قال شعبة قلت لسماك ما أشكل العين؟ قال طويل شق العين. انتهى.
قال البيجوري هذا التفسير خلت منه كتب اللغة المتداولة، ومن ثم جعله القاضي عياض وهمًا من سماك، والصواب ما اتفق عليه العلماء وجميع أصحاب الغريب من أن الشكلة حمرة في بياض العين، وأما الشهلة فهي حمرة في سوادها، والشكلة إحدى علامات النبوءة كما قال الحافظ العراقي، والأشكل محمود محبوب، قال الشاعر:
(ولا عيب فيها غي شكلة عينها كذاك عتاق الخيل شكل عيونها)
انتهى كلامه.
قالت أسماء بنت أبي بكر ﵄ ولما لم ندر أين توجه رسول الله ﷺ أتى رجل من الجن من مؤمنيهم بعد ثلاث ليال، ولا أعرف اسمه، قاله في النور، وفي رواية أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغني بأبيات شعر غناء العرب وإن الناس يتبعونه يسمعون صوته، ولا يرون شخصه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
(جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد)
[ ١ / ١٧٣ ]
(هما زلا بالبر ثم ترحلا فأفلح من أمسى رفيق محمد)
(فيال قصس ما زوى الله عنكم به من فعال لا يجاري وسؤدد)
(ليهنأ بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد)
(سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد)
(دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد)
(فغادرها رهنًا لديها لحالب يرددها في مصدره ثم مورد)
قوله جزى الله الخ .. في رواية جزى الله خيرًا، والجزاء بكفه ورفيقين مفعول، جزى وحلا من الحلول، وفي رواية قالا من القيلولة، وخيمتي تثنية خيمة، بيت تبنيه العرب من عيدان الشجر، ومن قديد إلى المشال ثلاثة أميال بينهما خيتما أم معبد، وقوله هما نزلا بالبر الخ .. هو ضد الإثم، وقوله فأفلح الفلاح أجمع اسم لأنواع الخير، وفي رواية هما رحلا بالحق وانتزلا به، وفي أخرى هما نزلاها بالهدى فاهتدت به، فقد فاز وزوى قبض، والفعال، بفتح الفاء وخفة العين الكرم ويجوز أن يكون بكسر الفاء جمعًا، قاله البرهان وتبعه الشامي، وقوله لا يجاري في رواية يجازي بالزاي واليهنأ بفتح اليء وتثليث النون ليسر، وكعب هو ابن عمرو أبو خزاعة، وقوله مكان في رواية مقام بفتح الميم والمرصد بفتح الميم والصاد مقعدها بمكان ترصد أي ترقب فيه المؤمنين لتواسيهم، وقوله سلوا أختكم عن شاتها أي التي حلب رسول الله ﷺ مرارًا في وقت واحد، مع أنها لم يطرقها فحل ولم تستطع الرعي من الهزال، فإنها معجزة باهرة لا تنكر، والصريح بالصاد والحاء المهملتين اللبن الخالص، وضرة الشاة بفتح الضاد المعجمة وشد الراء أصلها ضرعها، وهو فاعل تحلبت، ومزبد بصيغة اسم الفاعل علاه الزبد، نعت الصريح، وقوله فغادرها البيت أي ترك الشاة عندها ذات لبن مستمر، يردد الحالب الحلب عليها مرة بعد مرة لكثرة لبنها. انتهى، هذا التفسير من الزرقاني، قالت أسماء: فلما سمعنا قوله- أي الهاتف- عرفنا أين توجه رسول الله ﷺ، قال الكلاعي وغيره فلما سمع بذلك حسان بن ثابت قال يجاوب الهاتف، وقال في النور
[ ١ / ١٧٤ ]