كما فى الزرقاني حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم، وأنا منكم وأنتم منى، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. اهـ. المراد من الإكتفاء.
ولما أتى أهل البيعة الثانية المدينة وأظهر الله الإسلام كتب الأوس والخزرج للنبي ﷺ أبعث لنا من يقرؤنا القرآن فبعث إليهم مصعب بن عمير فأسلم على يديه خلق كثير من الأنصار وأسلم فى جماعتهم سعد بن معاذ بن النعمان بن أمرئ القيس بن عبد الأشهل الأوسي، سيدهم، وافق حكمه حكم الله واهتز لموته عرش الرحمن وأسلم معه أسيد بضم الهمزة وفتح المهملة ابن حضير مصغر ابن سماك ابن عتيك الأشهلي أيضا فى يوم واحد وأسيد هو الأول وأسلم بإسلامهما جميع بنى عبد الأشهل وذلك أن سعدا لما أسلم أقبل إلى نادى قومه ومعه أسيد فقال يابني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم فقالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام علي حتى تؤمنوا بالله ورسوله فما أمسى فيهم امرأة ولا رجل إلا مسلما ومسلمة حاشى الأصيرم وهو عمرو بن ثابت بن وقش فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم يوم أحد واستشهد ولم يسجد لله سجدة، وأخبر صلى الله عليه في سلم أنه من أهل الجنة ولم يكن فى بنى عبد الأشهل منافق ولا منافقة بل كانوا كلهم مخلصين ﵃، ومن المواهب وشرحها وروي أن أهل مكة سمعوا هاتفا يهتف قبل إسلام سعد بن معاذ وهو يقول:
(فإن يسلم السعدان يصبح محمدا بمكة لا يخشى خلاف المخالف)
فقالت قريش لو علمنا من السعدان! قال عند ذلك:
(فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصرا ويا سعد سعد الخزرجين العطارف)
ولما تمت بيعة العقبة الثالثة ليلة ثاني أيام التشريق وكانت سرا عن
[ ١ / ١٥٨ ]
كقار قريش وعن كفار الأنصار الذين قدموا حجاجا مع أهل البيعة هم خمسمائة كما قال الحاكم وطابت نفسه ﷺ ان جعل الله له منعة أهل حرب ونجدة أمر رسول الله ﷺ من كان معه بالهجرة إلى المدينة بعد اشتداد الأذى عليهم من الكفار فشكوا ذلك إليه ﷺ فقال قد رأيت دار هجرتكم سبخة ثم مكث أياما ثم خرج مسرور فقال قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب فمن أراد منكم أن يخرج فليخرج إليها فخرجوا أرسالا وأقام ﷺ بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الخروج فكان أول من هاجر من أصحابه أبوسلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومى البدري أخو المصطفى ﷺ من الرضاعة وابن عمته برة وقال فيه أول من يعطي كتابه بيمينه أبوسلمة رواه ابن ابي عاصم ثم عامر بن ربيعة المذحجي أو العنزي بسكون النون من عنز بن وائل أحد السابقين وهاجر إلى الحبشة بزوجته وشهد بدرا وما بعدها وهاجرت معه أيضا إلى المدينة وهي ليلى بنت حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة قال أبو عمر وهي أول ظعينة قدمت المدينة وقال موسى بن عقبة أولهن أم سلمة وجمع بأن ليلى أول ظعينة مع زوجها وأم سلمة وحدها لأن بنى محزوم حبسوها عن زوجها ثم أذنوا لها فى اللحاق به فهاجرت وحدها حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة العبدري وكان يومئذ مشركا فشيعها حتى إذا أوفى على قباء قال لها زوجك فى هذه القرية ثم رجع ثم عبد الله بن جحش بأهله وأخيه أبى أحمد عبد بلا إضافة على الصحيح كما قال السهيلي تبعا لابن عبد البر وقيل اسمه ثمامة ولا يصح كان ضريرا يطوف أعلى مكة وأسفلها بلا قائد فصيحا شاعرا وعنده الفارعة بمهملة بنت أبى سفيان بن حرب قال أبو عمر وهاجر جميع بنى جحش بنسائهم ثم المسلمون أرسالا ومنهم عمار بن ياسر وبلال وسعد بن أبى وقاص ففى الصحيح أنهم هاجروا قبل عمر ثم عمر بن الخطاب وعياش بن أبى ربيعة المخزومي فى عشرين راكبا منهم سعيد بن زيد وواقد بن عبد الله وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن
[ ١ / ١٥٩ ]
المعتمر العدوي وخنيس بن حذافة السهمي وبنو البكير الأربعة والزبير وخولى بن أببي مالك بن أبي خولى واسم أبى خولى عمرو بن زهير وغيرهم ثم عثمان بن عفان وتتابع الناس بعده حتى لم يبقى أحد إلا من حبس بمكة أو أفتتن إلا على بن أبي طالب وأبو بكر رضي الله عن جميعهم وكان الصديق كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة إلى المدينة فيقول لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو، وعند البخاري فقال ﷺ على رسلك فإنى أرجو أن يؤذن لى فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبى أنت وأمى؟ قال نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر انتهى. ولما رأت قريش هجرة الصحابة وعرفوا أنه صار له أصحاب من غيرهم حذروا خروجه وعرفوا أنه أجمع لحربهم فاجتمعوا فى دار الندوة بفتح النون والواو مهملة ساكنة ثم هاء تأنيث وهي دار قصيى بن كلاب سميت بذلك لاجتماع الندي فيها يتشاورون والندي الجماعة ينتدون أى يتحدثون وهي أول دار بنيت بمكة كما قال ابن الكلبي وكانت قريش لا تقضي أمرا إلا فيها وكان اجتماعهم فيها يوم السبت ولذا ورد يوم السبت يوم مكر وخديعة يتشاورون فيما يصنعون فى أمره ﷺ وكانوا مائة كما فى المولد لابن دحية فأتاهم إبليس فوقف على باب الدار فى هيأة شيخ جليل عليه بت بفتح الموحدة وشد الفوقية كساء غليظ أو طيلسان من خز فقالوا من الشيخ قال من أهل نجد سمع بالذى أتعدتم له وحضر ليسمع ما تقولون وعسى ان لا يعدمكم رأيا ونصحا فقالوا ادخل فدخل فقال أبو البختري بفتح الموحدة وسكون المعجمة ابن هشام أحبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله فقال النجدي ما هذا برأي والله لئن حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه منه أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا برأي فانظروا
[ ١ / ١٦٠ ]