حصنا وهي النطاة بنون فطاء مهملة بوزن حصاة وحصن الصعب بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين وبالموحدة ابن معاذ، وعن معتب بشد الفوقية المكسورة الأسلمي أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا يا رسول الله جهدنا وما بأيدينا من شيء فلم نجد عنده شيئًا فقال اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليس بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها غنا وأكثرها طعاما وودكا ففتح الله عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه اهـ.
ومنها حصن ناعم بنون فألف فمهملة فميم وهو أول حصونها افتتح وعنده قتل محمود بن مسلمة ثم بعد ذلك بقليل دفع ﵇ كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق قاتل محمود إلي محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه وقيل أن مرحبا هو الذي قتل محمود بن مسلمة كما مرّ ومنها حصن قلعة الزبير بن العوام لكونه صار في سهمه، وكان اسمه حصن فنة لكونه على رأس جبل ومنها الشق بفتح المعجمة وكسرها والفتح أعرف وبالقاف المشددة ويشتمل على حصون منها حصن أبي وهو أول ما بدئ به من حصون الشق فتقاتلوا قتالا شديدا ثم تحامل المسلمون فدخلوه يقدمهم أبو دجانة وهرب من فيه من المقاتلة إلي حصن النزار بالشق فغلقوه وامتنعوا به أشد الامتناع وزحف صلى الله تعالى عليه وسلم في أصحابه إليهم فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميا بالنبل والحجارة، فأخذ صلى الله تعالى عليه وسلم كفا من حصا فحصب به حصنهم فزحف بهم ثم ساخ في الأرض حتى جاء المسلمون فأخذوا أهله باليد، ومنها حصن البراء بفتح الموحدة وكسر الراء المخففة وبالمد ومنها القموص بفتح القاف وضم الميم وسكون الواو فصاد مهملة وقيل بكاف مفتوحة ففوقية وقيل مثلثة مكسورة فتحتية ساكنة فموحدة ويقال بضم الكاف ومنه سبيت صفية، ومنها الوطيح بفتح الواو وكسر
[ ١ / ٣١١ ]
الطاء فتحتية ساكنة فمهملة كما ضبطه ابن الأثير وغيره. قال البكري سمي بالوصيح بن مازن رجل من ثمود ومنها السلالم بضم السين المهملة وقيل بفتحها وكسر اللام قبل الميم ويقال لها السلاليم على ما مر من ضم السين وفتحها وهو حصن بنى أبي الحقيقب وكان آخر حصونها افتتاحا وأخذ كنز آل أبي الحقيق بالتصغير وكان أولا في مسك حمار بفتح الميم وسكون السين أي جلده فلما كثر جعلوه في مسك ثور ثم في مسك جمل قيل وخص جلد الحمار لأن الأرض لا تأكله، وكانوا قد غيبوه في خريبة فدل الله رسوله عليه فأخبره بموضعه كما عند البيهقي عن عروة وله عن ابن عمر أن أهل خيبر شرطوا له صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا يكتموه شيئًا فإن فعلوا فلا ذمة لهم، فأتى بكنانة والربيع ابني أبي الحقيق فقال ما فعل مسك حيي الذي جاء به من بني النضير؟ قالا أذهبته الحروب والنفقات فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك. وروي أنهما لما كتماه دعى رجلا من الأنصار فأخبره بموضعه وقال ائتيني به، فأتاه به فضرب عنقهما وسبا أهليهما بالنكث الذي نكثاه، ولما قتل كنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق زوج صفية بنت حيي تزوجها ﵇ بعد أن استبرأها وجعل عتقها مهرها وقد كانت صارت لدحية الكلبي لما جاءه فقال اعطني يا رسول الله جارية من السبي فقال اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية. فجاء رجل فقال يا رسول الله أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير لا تصلح إلا لك؟ قال ادعوه فجاء بها فلما نظر إليها صلى الله تعالى عليه وسلم قال خذ جارية من السبي غيرها كذا في رواية البخاري.
وفي رواية لمسلم أن صفية وقعت في سهم دحية وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم اشتراها من دحية بسبعة أرؤس والأولى في طريق الجمع أن المراد بسهمه نصيبه الذي اختاره لنفسه لما أذن له في أخذ جارية. وإطلاق الشراء على ذلك مجاز لأنه لم يملكها إذ أذنه في أخذ مطلق جارية لم يرد به مثل هذه، وليس في قوله سبعة أرؤس ما ينافي رواية
[ ١ / ٣١٢ ]
البخاري: خذ جارية من السبي غيرها، إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة.
وذكر الشافعي أنه أعطاه أخت زوجها، وإنما أخذها صلى الله تعالى عليه وسلم لأنها بنت ملكهم، وليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها نسبا وجمالا، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة اختصاصه ﵇ بها فإن في ذلك رضا الجميع وهي بنت حيي بن اخطب بن سعية بفتح السين وسكون العين المهملتين فتحتية ابن عامر بن عبد بن كعب بن سبطلاوي بن يعقوب ثم من ذرية هارون أخي موسى ﵉، وأمها ضرة بفتح الضاد المعجمة بنت سموال من بنى قريظة، وكانت تحت سلام بن مشكم القرظي ثم فارقها فتزوجها كنانة النضيري وقتل عنها يوم خيبر وكانت عروسا، والعروس وصف يستوي فيه الذكر والأنثى ما داما في تعريسهما أياما، فاصطفاها ﵇ لنفسه، فخرج حتى بلغ سد الصهباء بفتح السين المهملة وضمها موضع على بريد من خيبر فحلت له أي طهرت من الحيض فبنى بها ﵊ فصنع حيسا بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة أي تمرا مخلوطا بسمن وأقط قال الشاعر:
(السمن والتمر جميعا والأقط الحيس إلا أنه لم يختلط)
فجعل في نطع وكان وليمة. والنطع بكسر النون وفتح الطاء المهملة وعليها اقتصر ثعلب وكذا في الفرع، ويجوز فتح النون وسكون الطاء وفتحهما وكسر النون وسكون الطاء انتهى من المواهب وشرحها.
وفي القاموس الحيس الخلط، وتمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه وربما جعل فيه سويق انتهي.
وفيه النطع بالفتح والكسر وبالتحريك وكعنب بساط من الأديم ولما بنى بها قال المسلمون هل هي إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه؟ فقالوا إن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين، فلما حجبها علموا أنها من
[ ١ / ٣١٣ ]
أمهات المؤمنين. قال الحافظ ولد صفية مائة نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله لنبيه.
قال الزرقاني يعني أن في أصولها ذلك. والظاهر أنه من جهة الآباء والأمهات كما قيل في قول ابن الكلبي: كتبت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا.
فائدة:
كانت صفية من الصفي بفتح المهملة وكسر الفاء وشد الياء وهو سهم يختاره ﵇ من الخمس، وقيل كان اسمها قبل السبي زينب، فلما صارت من الصفي سميت صفية. وفي هذه الغزوة حرم لحوم الحمر الأهلية، وقال كعب بن مالك يوم خيبر:
(ونحن وردنا خيبرا وفروضه بكل فتى عاري الأشاجع مزودي)
(جواد لدى الغياث لا واهن القوى جريئ على الأعداء في كل مشهد)
(عظيم رماد القدر في كل شتوة ضروب بنصل المشرفي المهند)
(يري القتل مدحا إن أصاب شهادة من الله يرجوها وفوزا لأحمد)
(يذود ويحمي عن ذمار محمد ويدفع عنه باللسان وباليد)
(وينصره في كل أمر يريبه يجود بنفس دون نفس محمد)
والفروض ثلم في النهر يستقى منها والله أعلم. والمذود كمنبر الحامي للحقيقة. وفي هذه الغزوة سمت زينب بنت الحارث زوجة سلام بن مشكم الشاة وأهدتها له صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي أبي داود أنها أخت مرحب وبه جزم السهيلي وللبيهقي أنها بنت أخي مرحب، وروي أنها جعلت تسأل أي الشاة أحب إليه ﵇ فيقولون أحبها الذراع، فعمدت إلي عنز لها فذبحتها وصلتها أي شوتها، ثم عمدت إلي سم بتثليث السين لا يطنئ بضم التحتية وسكون الطاء المهملة ونون بعدها همزة أي لا يلبث أن يقتل من ساعته وهو المعروف بسم ساعة، وقد شاورت يهود في اختيار سم من جملة سموم عينتها بأن سألت أيها أسرع قتلا، فاجتمعوا لها على هذا السم بعينه فسمت الشاة وأكثرت
[ ١ / ٣١٤ ]
في الذراعين والكتف، فوضعت بين يديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء بن معرور بمهملات الخزرجي الصحابي بن الصحابي، شهد بدرا وما بعدها حتى مات وتناول صلى الله تعالى عليه وسلم الذراع فانتهس بسين مهملة أي أخذ بمقدم أسنانه منها وتناول بشر عظما آخر، فلما ازدرد صلى الله تعالى عليه وسلم لقمته أي ابتلع ما انفصل بريقه منها فلا ينافي رواية ابن إسحاق أنه لم يسغها فلفظها، ازدرد بشر بن البراء ما في فيه وأكل القوم في الإمتاع أنهم ثلاثة وضعوا أيديهم في الطعام ولم يصيبوا منه شيئًا، وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمرهم بالحجامة وكأن معناه إن صح أنهم لم يبتلعوا لكنهم وضعوه في أفواههم، فأثر قليلا فأمرهم بالحجامة فقال صلى الله تعالى عليه وسلم ارفعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبرني أنها مسمومة.
وفيه أن بشر بن البراء مات من أكلته، قيل من ساعته وقيل بعد حول وبه جزم السهيلي. وروى الدمياطي أنه دفعها إلي أولياء بشر فقتلوها ورواه ابن سعد عن الواقدي بأسانيد متعددة، قال الواقدي وهو أثبت، وقال الزهري أسلمت فتركها.
وروى سليمان بن طرخان في مغازيه أنها قالت لما قال لها ما حملك على ذلك؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرك وإن كنت كاذبا أرحت الناس منك وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أشهدك ومن حضر أني على دينك وأن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. قال فانصرف عنها حين أسلمت. وجزم في الإصابة بأنها صحابية والله تعالى أعلم. انتهي من المواهب وشرحها.
ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي فقال يا رسول الله إن لي مالا بمكة عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة ومالا متفرقا في تجار مكة فأذن لي، فأذن له. قال إنه لابد لي أن أقول؛ قال قل؛ قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالا يستمعون الأخبار فلما رأوني ولم يكونوا
[ ١ / ٣١٥ ]