يظهر أبو القاسم ﷺ. وعن غيره لم يبق في تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور ولا دابة إلا نطقت، وقوله رائد أي طالب له بسوء وقوله على الفساد جاهد، أي يتحمل للمشقة في تحصيله حتى كأنه استعلى عليه والنافث الساحر والعاقد من يعقد عقدا في خيط وينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه بيان لجاهد والموارد المواضع التى يجتمع بها الناس وطرق المياه المقصودة للاستقاء.
فائدة:
اختلف في مدة الحمل به ﷺ فقيل تسعة أشهر كاملة وبه صدر مغلطاي قال في الغرر وهو الصحيح وقيل عشرة أشهر وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة ذكرها في المواهب وشرحها.
(بيان مولد النبي الهادي) أي المرشد للخلق إلى الدين الحق (صلى عليه خالق العباد) أي أعطاه صلاة أي رحمة مقرونة بالتعظيم (عام قدوم) أي مجيء (الفيل) الذى قص الله تعالى ما فعل بأهله والعياذ بالله تعالى في سورة الفيل (للأقوام) أي قريش لهدم الكعبة، ومراده أن النبي ﷺ ولد عام الفيل، ابن الجوزي اتفقوا على أنه ولد عام الفيل وكذا قال ابن الجزار لكن قال مغلطاي في الاتفاق نظر لكثرة الخلاف (بإثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وفي الزرقاني في قصة إتيانه ﷺ لثقيف في شرح قول المواهب ولما انصرف عنهم اتبع أثره غروة بن مسعود ما نصه إثره بتثليث الهمزة وفتح المثلثة وإسكانها اهـ.
(خمسين من الأيام) أي ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوما، وهذا الذى ذكر الناظم هو الذى شهره القسطلاني تبعا لجماعة منهم السهيلي وقيل ولد بعده بخمسة وستين يوما وبه قال أبو جعفر محمد بن على قال ولد ﷺ يوم الإثنين لعشر خلون من ربيع الأول وكان قدوم الفيل لنصف المحرم فبين الفيل ومولده خمس وخمسون ليلة نقله في المنتقى، وذكر اليعمري في عيون الأثر عن الخوارزمي أن قدوم
[ ١ / ٥٠ ]
الفيل يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة وقيل ولد بعد قدومه بشهر وقيل بعد قدومه بأربعين يوما وقيل لم يولد عام الفيل بل ولد بعده قيل بسنتين وقيل بعشر سنين، قال مغلطاي وهذا الأخير لا يصح وقيل ولد بعد الفيل بخمس عشرة سنة ورد وقيل غير ذلك، والمشهور أنه ولد بعد الفيل لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوءته وتأسيسا لظهوره وقد كثرت الخوارق قبله إرهاصا بكسر الهمزة أي تأسيسا لرسالته كقصة الفيل وكثرة الهواتف به وإخبار الكهنة وغير ذلك. والصحيح الذى عليه الجمهور، بل حكى بعضهم عليه الاتفاق أنه ولد بمكة فقيل في الدار التى كانت بيد عقيل بن أبي طالب وصارت لمحمد بن يوسف أخي الحجاج وهي بزقاق المدكك بدال مهملة قيل ان المصطفى ﷺ وهبها لعقيل فلم تزل بيده حتى توفي عنها فباعها ولده محمد بن يوسف. وقيل إن عقيلا باعها بعد الهجرة تبعا لقريش حين باعوا دور المهاجرين فأدخل محمد بن يوسف ذلك البيت الذى ولد فيه النبي ﷺ في داره ولم تزل كذلك حتى حجت خيزران جارية المهدي أم هارون الرشيد فأفردت ذلك البيت وجعلته مسجدا يصلى فيه، وفي الروض أن الدار التى لمحمد بن يوسف بنتها زبيدة زوجة الرشيد مسجدا حين حجت وهي عند الصفا وقيل إنه ولد بالشعب بكسر الشين المعروف بشعب بنى هاشم وقيل ولد بالردم بفتح الراء وسكون الدال المهملتين أي ردم بنى جمح وقيل لم يولد بمكة بل ولد بعسفان، قال في النور وهي قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلا من مكة اهـ. لكن هذا القول لا يعول عليه، قال محمد بن عبد الباقي (في يوم الإثنين من الشهر الأغر) الغرة بياض في الوجه وغرة المال خياره وغرة القوم شريفهم والأغر الأبيض من كل شيء ووصفه بكونه أغر لإضاءته بوجود المصطفى ﷺ فيه دون غيره من الشهور، فيا لها من خصوصية ما أعظمها، ومراده به ربيع الأول (في ثالث الشهر) الذى هو ربيع (أو الثاني عشر) منه وهو المشهور عند الجمهور، قاله ابن كثير، قال محمد بن عبد
[ ١ / ٥١ ]
الباقي وهو الذى عليه العمل وبالغ ابن الجوزي وابن الجزار فنقلا فيه الإجماع، وقال القسطلاني هو الذى عليه عمل أهل مكة قديما وحديثا في زيارتهم موضع مولده في هذا الوقت (أو لثمان من ربيع الأول) أي بعد مضي ثمان منه، قال قطب الدين القسطلاني وهو اختيار من له معرفة بهذا الشأن واختاره الحميد الأندلسي وحكى القضاعي إجماع أهل الميقات عليه ورواه الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم وكان عارفا بالنسب وقيل ولد لعشرة مضين من ربيع حكاه مغلطاي والدمياطي وصححه، وقيل لثمان عشرة خلت منه وقيل لثمان بقين منه وقيل ولد لليلتين خلتا منه وقيل لسبع عشرة خلت منه، وقيل في يوم اثنين من ربيع غير معين. قال جامعه سمح الله له القول الأول في كلام الناظم لم أره والأقوال الأخر الثمانية حصلها القسطلاني سبعة منها في تعيين اليوم الذى ولد فيه من ربيع والثامن أنه غير معين منه وقيل ولد في ربيع الآخر وقيل في رمضان وقيل في يوم عاشورا، وهو غريب لا يعرف، وقيل ولد في رجب واختلف هل ولد بالليل أو النهار والمشهور أنه ولد في النهار مع بقاء الظلمة كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ولد عند طلوع الفجر وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال سمعت أبي وكان من أوعية العلم قال لما حضرت آمنة الولادة قال الله للملائكة افتحوا أبواب السماء كلها وأبواب الجنان وألبست الشمس يومئذ نورا عظيما وكان قد أذن الله تعالى أي أراد تلك السنة أي التى حمل فيها بالنبي ﷺ لنساء الدنيا الحاملات منهن أن يحملن ذكورا كرامة لمحمد ﷺ اهـ. وكانت تقول أتاني أت حين مر من حملي ستة أشهر في المنام وقال يا آمنة إنك قد حملت بخير العالمين فإذا ولدته فسميه محمدا واكتمي شأنك، قالت ثم أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه فسمعت وجبة عظيمة وأمرا عظيما هالني أي رؤية- عين بصيرة- كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادي فذهب عني الرعب ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء أي بآنية شربة أو أطلق الشربة على
[ ١ / ٥٢ ]
محلها وهو المشربة بكسر الميم مجازا من تسمية المحل باسم الحال فيه فتناولتها فشربتها. وفي رواية وكنت عطشى فشربتها فإذا هي أحلى من العسل فأصابني نور عال ثم رأيت نسوة كالنخل طوالا كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي فبينما أنا أتعجب وأنا أقول وا غوثاه من أين علمن بي؟ فقلن لى نحن آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بي الأمر وإني أسمع الوجبة في كل ساعة أهول وأعظم مما تقدم، فبينما أنا كذلك إذ بديباج بكسر الدال ويجوز فتحها نوع من الحرير أبيض قد مد بين السماء والأرض وإذا بقائل بقول خذاه عن أعين الناس قالت ورأيت رجالا قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق من فضة ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتي، مناقيرها من الزمرذ وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصري فرأيت مشارق الأرض ومغاربها ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات علما بالمشرق وعلما بالمغرب وعلما على ظهر الكعبة، قال شارحه ولعل الحكمة في ذلك الإشارة إلى أن دينه يعم المشارق والمغارب ويعلو مكة ويصير بيننا كالأعلام فأخذني المخاض، قال البيضاوي بفتح الميم وكسرها مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج، فوضعت محمدا ﷺ فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عني ثم سمعت مناديا ينادي طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته. وقولها من بنات عبد مناف شبهت بهن لاشتهارهن بين النساء بالطول والجمال. ومن عجائب ولادته أيضا روي عن عائشة ﵂ قالت كان يهودي قد سكن مكة فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله ﷺ قال يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلم، قال انظروا فإنه ولد في هذه الليلة نبي هذه الأمة بين كتفيه علامة فانصرفوا فسألوا فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودي معهم إلى أمه
[ ١ / ٥٣ ]