أما بعث حمزة فقد مرّ، وأما سرية عبيدة ففي المواهب التصدير بأنها بعد بعث حمزة وكانت إلى بطن رابغ في شوال على رأس ثمانية
[ ١ / ٤١١ ]
أشهر من الهجرة في ستين راكبًا أو ثمانين من المهاجرين وليس فيهم من الأنصار أحد وعقد له لواء أبيض حمله مصطح كمنبر بن أثاثة بضم الهمزة وتفتح كما في القاموس وخفة المثلثتين ابن عباد بن المطلب بن عبد مناف واسم مصطح عوف، ولقبه مصطح، فخرج عبيدة بمن معه حتى لقي جمعًا عظيمًا من المشركين عليهم أبو سفيان كما قال الواقدي أنه الثبت، أو عكرمة بن أبي جهل أو مكرز بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء فزاي ووجد بخط ابن عبدة أنه بفتح الميم وقال ابن خليل بضم الميم وكسر الراء، والمعتمد الأول، وهو ابن حفص بن الأحنف العامرين ولم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص رمي يومئذ بسهم فكان أول من رمى بسهم في سبيل الله أي جنسه فلا ينافي قول الواقدي أنه نثر كنانته فتقدم أصحابه وقد تترسوا عنه، فرمى بما في كنانته وهو عشرون سهمًا ما منها سهم إلا جرح إنسانًا أو دابة ثم انصرف القوم عن القوم وفرّ إلى المسلمين من المشركين المقداد بن عمرو وعتبة بن غزوان وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار قاله الزرقاني، وللعراقي بعد ذكره لبعث حمزة.
(فبعثه عبيدة بن الحارث لرابغ أو قبل ذا أو ثالث)
(بأنه شيع كلا منهما معا لذاك أشكل ذا وأبهما)
(وكان رمى بينهم لم يعدو أول من رمى بسهم سعد)
قال المناوي عقب قوله أو ثالث، أي وقيل قول ثالث بأنه أي المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم شيع كلًا منهما، ولارسالهما معًا أشكل ذا على بعض الناس وأبهم بضم الهمزة، قال القسطلاني هذا مشكل بقولهم أن بعث حمزة كان على رأس سبعة أشهر لكن يحتمل أن يكون المصطفى ﵇ عقد رايتهما معًا ثم تأخر خروج عبيدة لرأس الثمانية لأمر اقتضاه اهـ.
[ ١ / ٤١٢ ]
قال في الاكتفاء ويقال إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال في غزوة عبيدة هذه:
(أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث أرقت وأمر في العشيرة حادث)
(ترى من لؤي فرقة لا يصدها عن الكفر تذكير ولا بعث باعث)
(رسول اتاهم صادق فتكذبوا عليه وقالوا لست فينا بماكث)
(إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا وهربوا هرير المحجرات اللواهث)
(فإن يرجعوا عن غيهم وضلالهم فما طيبات الحل مثل الخبائب)
(وإن يركبوا طغيانهم وعقوقهم فليس عذاب الله عنهم بلابث)
إلى أن قال:
(ونحن أناس من ذئابة غالب لنا العز منها في الفروع الأثائث)
(فأولى برب الراقصات عشية حراجيج تخدي في السريح الرثائث)
(كأدم ظباء حول مكة عكف يردن حياض البير ذات النبائث)
(لئن لم يفيقوا عاجلًا عن ضلالهم ولست إذا ءاليت يومًا بحانث)
(لتبتدرنهم غارة ذات مصدق تحرم أطهار النساء الطوامث)
المحجرات الداخلات في الجحر بالضم يعني هر واهرير الكلاب الداخلة في الجحر تلهث عطشًا أو تعبًا وأولي أحلف والجراجيج الطوال وتخدي تسرع والسريح شبه النعل تلبسه أخفاف الإبل، والرثائث البوالي، والنبائث جمع نبيثة وهي تراب البئر، والطوامث الحيض.
تنبيه:
ذكر غير واحد أن الراجح أن هاتين السريتين قبل ودان ولذا اقتصر عليه في المواهب وأوردهما في الاكتفاء بعد غزوة الأبواء انظر الزرقاني.
ثم سرية سعد بن مالك الزهري آخر العشرة موتًا، بعثه ﵇ إلى الخرار بخاء معجمة مفتوحة وراءين مهملتين الأولى ثقيلة كما في الصغاني والمجد، والنور والمناوي، فما في نسخة محرفة من الشامي من
[ ١ / ٤١٣ ]
أنه بتشديد الزاي الأولى لا يلتفت إليه وهو ماء لبني زهير أو واد بالحجاز يصب على الجحفة وذلك في ذي القعدة بكسر القاف وفتحها على رأس تسعة أشهر وجعلها ابن عبد البر بعد بدر في السنة الثانية وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي البدري المعروف بابن الأسود لأنه تبناه في عشرين من المهاجرين يعترضون عيرًا لقريش، فخرجوا على أقدامهم يكمنون بالنهار ويمشون بالليل فصبحوا الخرار صبح خامسة فوجدوا العير قد مرت بالأمس فرجعوا ولم يلقوا كيدًا انظر المناوي، ومحمد بن عبد الباقي، وللعراقي بعد ما تقدم، فبعثه سعد إلى الخرار للعير فأتت رجعوا للدار يعني المدينة ثم بعد بدر الأولى سرية أمير المؤمنين عبد الله بن جحش، ابن رياب براء مكسورة فتحتية آخره موحدة الأسدي البدري المستشهد في أحد وذلك في رجب على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة وهم ثمانية أو اثني عشر من المهاجرين وليس فيهم من الأنصار أحد، روى البغوي عن سعد بن أبي وقاص بعثنا صلى الله تعالى عليه وسلم في سرية وقال لأبعثن عليكم رجلًا أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله بن جحش فكان أول أمير في الإسلام وقال اليعمري سمي في هذه السرية أمير المؤمنين وقال غيره سماه صلى الله تعالى عليه وسلم أمير المؤمنين، بعثهم إلى نخلة على ليلة من مكة والطائف وهي على لفظ واحدة، النخل، وهي موضع وهو الذي ينسب إليه بطن نخلة وهي التي اجتمع الجن بها وكبت له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما سارهما فتح الكتاب فإذا فيه: فإذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة فترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم ولا تستكره أحدًا على الخروج معك، فقال سمعًا وطاعة وأخبر أصحابه أنه نهاه أن يستكره أحدًا منهم فلم يتخلف أحد منهم يتعقب كل اثنين منهم على بعير وسلك على الحجاز حتى إذا كان ببحران بفتح الموحدة وضمها أضل سعد بن مالك وعتبة بن غزوان جملهما الذي كان يعتقبان عليه فتخلفا
[ ١ / ٤١٤ ]
في طلبه ومضى عبد الله في أصحابه حتى نزل بنخلة يرصد قريشًا فمرت عير لهم تحمل زبيبيًا وأدمًا بفتح الهمزة والدال أي جلودًا فيها عمرو بن الحضرمي واسمه عبد الله عباد أو ابن غمار وعم هذا وعامر والعلاء وأختهم الصعبة أسلمت هي والعلاء والصعبة هي أم طلحة بن عبيد الله وفي العير أيضًا عثمان بن نوفر بن عبد الله المخزوميان والحكم بن كيسان فنزلوا قربهم فهابوهم فحلق عكاشة رأسه وقيل واقد وأشرف عليهم فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار بضم العين وشد الميم أي معتمرون لا بأس عليكم منهم فقيدوا ركابهم وسروحوها وصنعوا طعامًا فتشاور المسلمون وقالوا نحن في آخر يوم من رجب، إن قتلناهم هتكنا حرمة الشهر الحرام وإن تركناهم الليلة دخلوا حرم مكة، فأجمعوا على قتلهم، فقتلوا عمرو بن الحضرمي رماه واقد بن عبد الله بسهم فقتله وأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة والحكم بن كيسان وأسلم عند رسور الله صلى الله تعالى عليه وسلم واستاقوا العير فكانت أول غنيمة في الإسلام، فقسمها ابن جحش وعزل الخمس قبل أن يفرض فقدموا المدينة فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، فأخر الأسيرين والغنيمة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائمها وتكلمت قريش أن محمدًا سفك الدماء وأخذ المال في الشهر الحرام فأنزل الله تعالى ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ (الآية)، ففرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه وفي ذلك يقول عبد الله بن جحش.
(تعدون قتلى في الحرام عظيمة وأعظم منه لو يرى الرشد راشدا)
(صدودكم عما يقول محمد وكفر به والله راء وشاهد)
(وإخراجكم من مسجد الله أهله لئلا يرى لله في البيت ساجد)
(فإنا وإن عيرتمونا بقتله وأرجف بالإسلام باغ وحاسد)
(سقينا من ابن الحضرمي رماحنا بنخلة لما أوقد الحرب واقد)
(دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا ينازعه غل من الحقد عاند)
[ ١ / ٤١٥ ]
قوله وأعظم منه أي وأشد منه، أي من القتل الواقع منا فيه، مبتدأ وخبره صدودكم، والجملة بينهما اعتراضية وجواب لو محذوف أي لعلم أن فعلكم أعظم وسقينا خبران ومفعوله الثاني قوله دمًا وغل بالضم طوق من حديد يجعل في العنق وأما بكسرها فالحقد كما في المصباح انظر الزرقاني.
وبعثت قريش إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في فداء الأسيرين عثمان والحكم بن كيسان مولى أبي جهل فقال ﵊ لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعدًا وعتبة إنا نخشاكم عليهما فإن قتلتموهما قتلنا صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة بعدها بأيام ففداهما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كل واحد بأربعين اوقية فأما الحكم فأسلم واستشهد ببئر معونة ذكره ابن إسحاق وابن عقبة، وروى الهيثم أنه تزوج آمنةبنت عفان أخت عثمان، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ومات بها كافرًا.
وللعراقي بعدما قدمته عنه:
(بعث ابن جحش بعده أو أول بنخلةفغنموا وقتلوا)
(في سلخ شهر رجب إنسانا وأنزل الله به قرآنا)
(أي يسألونك أزالت كربًا وبأمير المؤمنين لقبا)
وقوله أو أول أي وقيل أن بعث ابن جحش هو أول البعوث، قوله في سلخ شهر رجب أي آخره، وقوله به أي فيه، ثم بعد بعث بن جحش بعثه عليه السلامعمير بن عدي الأوسي ثم الخطمي بفتح المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى جده خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس، قيل إنه أول من أسلم من بني خطمة وكان أعمى بعثه إلى عصماء بفتح العين وسكون الصاد المهملتين والمد بنت مروان اليهودية زوجة يزيد بن زيد الخطمي الصحابي وكانت تؤذي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل عليها ليلًا وحولها نفر من ولدها نيام وهو أعمى كما مرّ فجسها بيده ونحى عنها ولدًا لها كانت ترضعه فوضع سيفه على صدرها حتى
[ ١ / ٤١٦ ]
أنفذه من ظهرها ثم صلى الصبح معه صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وأخبره بذلك، فقال ﵊ لا ينتطح فيها عنزان، فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت منه صلى الله تعالى عليه وسلم، فهي من كلامه الوجيز البليغ الذي لم يسبق إليه ﵊ أي لا يعارض فيها معارض ولا يطلب بديتها.
ولابن إسحاق أنه لما رجع إلى قومه وجد بنيها وهم خمسة رجال في جماعة يدفنونها فقال أنا قتلتها فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم فأهدرها صلى الله تعالى عليه وسلم ولم ينتطح فيها عنزان وسماه البصير لكمال إيمانه وقوة قلبه، وقال من أحب أن ينظر إلى رجل كان في نصرة الله ورسوله فلينظر إلى عمير بن عدي، فقال عمر انظروا إلى هذا الأعمى الذي يرى وسمي ابن دريد بن عدي عمر غشميرًا بمعجمتين قبل الميم، وقال فعليل من الغمشرة وهي أخذ الشيء بالغلبة، قال في الغصابة صحفه ابن دريد وإنما هو عمير لا شك فيه، ولا ريب انظر الزرقاني وللعراقي:
(فبعثه عميرًا الخطميا لقتل عصما هجت النبيا)
قال المناوي في شرحه وكان لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة أشهر من الهجرة، ثم بعده بعث سالم بن عمير بن ثابت الأوسي العقبي البدري أحد بني عمرو بن عوف وكان من البكائين بعثه ﵊ إلى قتل أبي عفك بفتح المهملة والفاء الخفيفة فكان يقتل رجل أعفك أي أحمق وهو يهودي كان في بني عامرو بن عوف وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض على النبي ﷺ ويهجوه، فقال ﵇ من لي بهذا الخبيث فقال سالم على نذر إن لم أقتل أبا عفك أو أموت دونه، فأمهل يطلب له غرة بكسر المعجمة وشد الراء المهملة أي غفلة حتى كانت ليلة صائفة أي حارة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم سالم به فأقبل إليه ووضع سيفه على كبده ثم اعتمد عليه
[ ١ / ٤١٧ ]