انتهى. من الزرقاني.
تنبيه:
أصل العقيرة الساق المقطوعة، وأصل هذا كما قال الأصمعي أن رجلًا انعقرت رجله فرفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك وإن لم يرفع رجله، قال ثعلب فهذا من الأسماء التي استعملت على غير أصلها، وهذان البيتان ليسا لبلال، بل تمثل بهما، وإنهما لبكر بن غالب الجرهمي، أنشدهما لما بعثهم خزاعة من مكة، ولما أخبرت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بذلك قال: اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححهما لنا، وانقل حماها إلى الجحفة، قوله حبب إلينا المدينة الخ فاستجاب الله دعاءه، فكانت أحب إليهم من مكة، كما جزم به السيوطي، وقوله اللهم بارك لنا الخ قد أجاب الله دعاءه فطيب الله هواها وترابها وساكنها والعيش بها، قال ابن بطال وغيره: من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة، قال الشامي: ويكفي المد منها ما لا يكفيه بغيرها، وهذا أمر محسوس لمن سكنها، والجحفة بضم الجيم وسكون المهملة قرية جامعة نحو خمس مراحل من مكة، وظهرت فيها معجزة عجيبة، فهي من يومئذ وبيئة لا يشرب أحد من مائها إلا حم ولا يمر بها طائر إلا حم وسقط وكانت يومئذ مسكن اليهود والذي نقل عن المدينة شدتها وسلطانها وكثرتها، بحيث لا يعد الباقي بالنسبة إليها شيئًا.
(ثم بها أقام) أي ثم بعد نزوله ﷺ بالمدينة أقام بها، أي لم يزل ساكنها (حتى احتضرا) أي توفي ﷺ بها، أي المدينة، والفعل مبني للمفعول، والمحتضر بفتح الضاد الذي حضره أجله أو حضرته الملائكة لنزع روحه، قال الشادلي المحتضر بفتح الضاد وكسرها الميت؛ لأن أجله حضره، قال العدوي في حاشيته هذه العلة تناسب الفتح، وفي زروق والمصباح بفتح الضاد، ولم يذكروا الكسر، أو لأن الملائكة تحضره لنزع روحه، أو لحضور أجله غالبًا، قال وهذه العلل كلها تناسب
[ ١ / ١٨٥ ]
الفتح اسم مفعول، وإما بالكسر اسم فاعل فهو من قام به الاحتضار. انتهى المراد منه.
وعلى هذا الأخير فيصح كون الفعل في كلام الناظم مبنيًا للفاعل، والأول سالم من الإسناد، فهو حسن في ضبطه والله أعلم.
(بها فكانت أشرف البقاع) قوله فكانت الخ .. مسبب عن قوله ثم بها أقام حتى احتضرا بها، واسم كان ضمير يعود على المدينة المنورة، وأشرف بالنصب خبره والبقاع البلاد، يعني أن المدينة إنما كانت أفضل من جميع البلاد لسكنى النبي ﷺ فيها حيًا وميتًا، وإلى ما ذكر ذهب عمر بن الخطاب ﵁ وأكثر أهل المدينة ومالك وأصحابه سوى من ياتي ذكره، واختاره بعض الشافعية، وذهب الأكثر إلى تفضيل مكة، وبه قال الشافعي وابن وهب ومطرف وابن حبيب واختاره ابن عبد البر وابن رشد وابن عرفة والأدلة كثيرة من الجانبين، حتى قال الإمام ابن أبي جمرة بتساوي البلدين، واختار السيوطي الوقف عن التفضيل لتعارض الأدلة في الحجج المبينة، وجزم في خصائصه بأن المختار تفضيل المدينة، قاله الشيخ محمد بن عبد الباقي في شرح الموطأ، ولما كانت التربة التي ضمت أعضاءه ﷺ خارجة عن هذا الخلاف، بل هي أفضل من جميع بلاد الله تعالى حتى من الكعبة ومن السماء بل ومن العرش، كما نقله السبكي، أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: (أما ضريحه) ﷺ أي قبره الشريف، (ف) هو أفضل من جميع البقاع، (بالإجماع) من جميع الأمة، قال الشيخ عبد الباقي، عند قول الشيخ خليل، والميدنة أفضل ثم مكة على قول مالك، وهو قول أهل المدينة، وعكس الشافعي وابن وهب وابن حبيب وأهل الكوفة، ومحل الخلاف في غير الموضع الذي ضم أعضاءه ﷺ، وهو مراد من عبر بغيره فإنه أفضل من جميع بقاع الأرض حتى الكعبة، ومن السماوات والعرش والكرسي واللوح والقلم والبيت كما للسيد السمهودي، ولعله أراد البيت المعمور، فلا يتكرر مع الكعبة، فإنها أفضل من بقية المدينة اتفاقًا، وأما المسجدان بقطع النظر عن الكعبة وعن القبر
[ ١ / ١٨٦ ]
الشريف، فمسجد المدينة أفضل، وما زيد من مسجده الشريف حكمه حكم مسجده عند الجمهور، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وصرح به الشافعية غير النووي، وقيل رجع عن ذلك، قال أبو هريرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو زيد في هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي، وعن عمر ﵁ قال لو مد مسجد رسول الله ﷺ إلى ذي الحليفة لكان منه، والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، وقيل بتفضيل الأرض لخلق الأنبياء منها، ودفنهم فيها، والمراد بموضع قبره ما يمس أعضاءه كما مر، لا أعم، وإن كان لغي الماس حرمة أيضًا كجلد المصحف، وقال الدماميني والروضة تنضم أيضًا لموضع القبر، بالإجماع على تفضله بالدليل الواضح، إذ لم يثبت لبقعة أنها من الجنة بخصوصها إلا هي، كما قال عبد الباقي ويلي مكة بيت المقدس فهو أفضل، ولو من المساجد المنسوبة له ﷺ، كمسجد قباء. انتهى المراد منه.
وقال الإمام الحطاب عند قوله والمدينة أفضل الخ هذا هو المشهور، وقيل مكة أفضل ثم المدينة بعد إجماع الكل على أن موضع قبره ﵇ أفضل بقاع الأرض، ونقل الحطاب عن العلماء أن الصلاة تضاعف فيما زيد في المسجد النبوي، كما تضاعف في القديم منه، وقال مالك لما سئل عن الصلاة فيما زيد منه، قال ما أراه ﵇، أشار بقوله صلاة في مسجدي هذا، إلا لما سيكون بعده من مسجده؛ لأن الله تعالى أطلعه على ذلك حتى أشار إليه. انتهى.
وقال الشبراخيتي والمدينة عندنا وجميع السلف ومنهم عمر ﵁ أفضل، انتهى. نقله الوالد حفظه الله تعالى في اللوامع، وفي شرح الزرقاني للمواهب عن البروماوي الحق أن مواضع أجساد الأنبياء وأرواحهم أشرف من كل سواها من الأرض والسماء ومحل الخلاف في أن السماء أفضل أو الأرض غير ذلك. انتهى، يعني وأفضل تلك المواضع القبر الشريف بالإجماع، واستشكله العز بن عبد السلام بأن معنى التفضيل في الموضعين أن ثواب العمل في أحدهما أكثر من الآخر، وكذا
[ ١ / ١٨٧ ]
التفضيل بين الأزمان، وموضع القبر الشريف العمل فيه حرام، فيه عقاب شديد، ورد عليه تلميذه العلامة القرافي بأن التفضيل للمجاورة والحلول كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محدث ولا يلابس بقذر لا لكثرة الثواب وإلا لزم أن لا يكون جلد المصحف، بل ولا المصحف نفسه أفضل من غيره، وهو خلاف المعلوم من الدين بالضرورة، وأسباب التفضيل أعم من الثواب، وقال السبكي قد يكون للتفضيل لكثرة الثواب، وقد يكون لأمر آخر، وإن لم يكن عمل فإن القبر الشريف ينزل عليه من الملائكة والرحمة وله عند الله من المحبة، لساكنه ما تقصر العقول عنه، فكيف لا يكون أفضل الأمكنة، وقال السمهودي والرحمات النازلات بذلك المحل يعم فيضها الأمة، هي غير متناهية لدوام ترقياته ﷺ وهو منبع الخيرات، وفي الشفاء ومن إعظامه ﵇ إكرام مشاهده وأمكنته، ولهذا كان مالك ﵀ لا يركب بالمدينة دابة ويقول أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله ﷺ بحافر دابة، وأفتى مالك فيمن قال تربة المدينة ردية أن يضرب ثلاثين درة، وأمر بحبسه، وكان له قدر، وقال ما أحوجه إلى ضرب عنقه، وروي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرًا وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيًا منشدًا:
(ولما رأينا رسم من لم يدع لنا فؤاد لعرفان الرسوم ولا لبا)
(نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة لمن بان عنه أن نلم به ركبا)
ولما أشرف بعض المريدين على مدينة الرسول ﷺ أنشأ يقول متمثلًا:
(رفع الحجاب لنا فلاح لناظر قمر تقطع دونه الأوهام)
(وإذا المطي بنا بلغن محمدًا فظهورهن على الرجال حرام)
(أقربتنا من خير من وطئ الثرا فلها علينا حرمة وذمام)
قال القاضي وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل، وتردد بها جبريل وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح، واشتملتن تربتها على جسد سيد البشر، صلى
[ ١ / ١٨٨ ]
الله عليه وسلم، وانتشر عنها من دين الله ما انتشر، إلى أن قال تعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها، وتقبل ربوعها، وجدرانها، وللمؤلف يعني نفسه: