قال ابن إسحاق: وجلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب قريش في بدر تجاه الكعبة، فتذاكرا قومهما وما نزل بهم من القتل والأسر، وكان عمير بن وهب ممن يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة قبل الهجرة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فقال صفوان: والله ما في الحياة بعد اليوم خير، فقال له عمير: صدقت، أما والله لولا دين عليّ ليس له عندى قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتّى أعمل الحيلة وأقتله وأفتكّ ابنى من أيديهم. وكان عمير شجاعا، وكان صفوان ذا مال كثير، فانتهز الفرصة صفوان، وقال له: أمّا دينك فعليّ قضاؤه، وأما عيالك فهم مع عيالى أواسيهم ما بقوا، ولا يكون في يدى شئ فيحرمون منه. فعاهده عمير على ذلك، وقال: اكتم شأنى وشأنك، فقال صفوان: أكتم ذلك. ثم إن عميرا شحذ سيفه وسمّمه، وانطلق حتّى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وما أكرمهم الله تعالى فيه، وما فعل بأعدائهم، ويشكرون الله تعالى، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد ناقته متوشحا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير ابن وهب ما جاء إلا بشرّ. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ المسجد فقال: يا نبيّ الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه، قال: أدخله عليّ.
فأقبل عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- إلى عمير، فأخذ بحمائل سيفه، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا إلى رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث؛ فإنه غير مأمون. ثم دخل على رسول الله ﷺ، فلما راه رسول الله ﷺ وعمر اخذ بحمائل سيفه في عنقه، قال:
أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا عمير، وقال للنبى ﷺ: أنعم صباحا- وكانت
_________________
(١) هو أعدى أعداء رسول الله ﷺ من اليهود.
[ ٢٣١ ]
هذه تحية العرب في الجاهلية- فقال رسول الله ﷺ: أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛ أكرمنا بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى عندكم، قال: فما للسيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا، قال: أصدقنى يا عمير، ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: يا عمير قعدت أنت وصفوان بن أمية تجاه الكعبة فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال لى لخرجت حتّى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله تعالى حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما يأتى من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يعلمه أحد ولم يحضره إلا أنا وصفوان، وو الله إنى لأعلم أنه ما أتاك إلا من الله تعالى، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق- رضى الله تعالى عنه- فقال رسول الله ﷺ: فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القران وأطلقوا له أسيره، ففعلوا ذلك، ثم قال: يا رسول الله إنى كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى- إلى الإسلام- لعل الله يهداهم؟ فأذن له رسول الله ﷺ.
فلحق «١» بمكة وأظهر الإسلام، وأسلم ولده أيضا- رضى الله تعالى عنهما.
قال ابن إسحاق: وأسلم بعد فك الأسر جماعة منهم: أبو وداعة السهمي، وعبد الله بن خلف الجمحي، ووهب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، وأسلم السائب بن عبيد، وهو الأب الخامس للإمام الشافعىرضي الله عنه- وكان صاحب راية بنى هاشم يوم بدر من كفار قريش، وكان صاحب الراية أبو سفيان، لكن لغيبته في العير حملها السائب لشرفه، وأما الأب الرابع، فهو شافع بن السائب الذى ينسب إليه الإمام الشافعى ﵁، لقى النبيّ ﷺ وهو مترعرع فأسلم.
فإن الإمام الشافعىرضي الله عنه- هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد
_________________
(١) فى الأصل فألحق، وهو خطأ.
[ ٢٣٢ ]
مناف جد النبى ﷺ، فيجتمع الإمام الشافعى- رضى الله تعالى عنه- مع النبى ﷺ في جد الإمام الشافعى التاسع الذى هو جد النبى ﷺ الثالث، وهو عبد مناف.
ولما قدم ﵊ المدينة وكانت وقعة بدر، وأسر فيها من أسر من أهل مكة، قال ﵊ لأهل بدر: «إن بكم عيلة «١»، فلا يفلت منهم- يعنى الأسارى- أحد إلا بفداء أو ضربة عنق»، وقال: «استوصوا بهم خيرا» . وكان فداؤهم أربعين أوقية عن كل إنسان، إلا العباس عم النبى ﷺ؛ فإن فداءه كان مائة أوقية، فكان من لا مال له من الأسارى يقبل منه أن يعلّم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة، فإذا حذقوه كان فداءه، فيومئذ تعلّم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من الأنصار. ومن هنا تعلم أن النبى ﷺ كان حريصا على تعليم «٢» الكتابة التى هى التمدن الأوّلى للنوع البشري، وسيأتى بيان الوظائف والتعليمات التى كانت جارية في عهده ﷺ.
وقد منّ النبى ﷺ على نفر من أسراء بدر، وخلّى سبيلهم من غير شيء، ولما طلب ﷺ من العباس أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء، وقد كنت أسلمت أنا وأم الفضل وبقية ال بيتي، ولكن القوم أكرهونى على الخروج؟ فقال النبى ﷺ: كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، ولكنّ الله تعالى يجزيك عما أخذ منك. وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) «٣»
_________________
(١) أى فقر.
(٢) أى حريصا على أن يتعلم المسلمون الكتابة والقراءة. وفي الأصل الذى راجعنا عليه «تعلم» وهو خطأ واضح، وذلك أن النبى ﷺ لو كان حريصا على تعلم القراءة لأعطى العدو سلاحا للطعن فى الرسالة، نسأل الله العصمة من الزلل، وهو خطأ طباعى لا محالة.
(٣) قال ابن كثير: قال محمد بن إسحاق: حدثنى العباس بن مغافل عن بعض أهله عن عبد الله بن عباسرضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: «إنى قد عرفت أن أناسا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا منهم فلا يقتله، ومن لقى أبا الخترى بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما أخرج مستكرها» . فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل اباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألجمنّه بالسيف. -
[ ٢٣٣ ]
[الأنفال: ٧٠]، وقد أعطى الله العباس خيرا مما أخذ منه، وفي هذه الاية بشرى عظيمة للعباس؛ إذ أخذ أكثر مما أعطي، وغفر له ما أخطأ، ولما نزلت قال العباس: يا رسول الله وددت أنك أخذت منى أضعافا.
وفي البخارى أنه أتي بمال من البحرين (أى خراجها وهو أوّل خراج حمل إلى النبى ﷺ) وكان مائة ألف، فأمر بصبه في المسجد. وكان أكثر مال أتى به:
فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فسأله، فقال: خذ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مرّ بعضهم يرفعه إليّ، فقال: لا، فقال:
ازفعه أنت عليّ، فقال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال كالأوّل، فقال: لا. ثم نثر منه، ثم احتمله، فأتبعه ﷺ بصره عجبا من حرصه.
وذكر السهمى في «الفضائل» أن أبا رافع لما بشّر النبى) بإسلام العباس أعتقه.
ولما فدى العباس نفسه، ورجع إلى مكة وأظهر إسلامه، وجمع أمواله، هاجر إلى المدينة، ولازمه ﷺ في غزواته، كان ﷺ يكرمه ويعظمه «١»، ووصفه ﵊ فقال: «أجود الناس كفا، وأحناه عليهم»، وروى السهمى من حديث ابن عباس أنه ﵊ قال: «ألا أبشرك يا عم؟ قال:
_________________
(١) - فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، (قال عمر: والله إنه لأوّل يوم كنانى فيه رسول الله ﷺ أبا حفص) أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله ائذن لى فأضرب عنقه، فو الله لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما امن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفا إلا أن يكفّرها الله تعالى عنى بشهادة. فقتلرضي الله عنه- يوم اليمامة شهيدا. انظر تفسير ابن كثير بتوسع عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) [الأنفال: ٧٠] .
(٢) كان النبى ﷺ يقول: «العباس منى وأنا منه» رواه الترمذى والحاكم عن ابن عباس. «العباس عم رسول الله ﷺ وإن عم الرجل صنو أبيه» رواه الترمذي. وروى ابن عساكر عن عليّ: «العباس عمى وصنو أبى فمن شاء فليباه بأبيه» . وقد ذكر له محب الدين الطبرى فصلا خاصا به في كتابه «ذخائر العقبي» وهو فصل ممتاع، فانظره.
[ ٢٣٤ ]
بلى بأبى أنت وأمي، فقال ﵊: «إن من ذريتك الأصفياء، وعترتك الخلفاء» «١» .
وكان الذى أسر العباس أبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو، وكان قصيرا دميما، وكان العباس عظيم الخلق طويل القامة من مقبّلى الظعن- يعنى أنه كان يدرك فم الظعينة وهى راكبة على البعير، وهو على قدميه في الأرض.
وفي مسند البزار: قيل للعباس: كيف أسرك أبو اليسر ولو أخذته بكفك لوسعته؟! فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عينى كالخندمة- والخندمة جبل حول مكة- وذكر أبو عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أعانك عليه ملك كريم» .
ولما فدى العباس نفسه وابن أخيه عقيل بن أبى طالب قال لرسول الله ﷺ:
لقد تركتنى أتكفف قريشا فقيرا معدما، فقال له رسول الله ﷺ: فأين ما دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: ما أدرى ما يصيا بني، فإن حدث بى حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم؟ فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: أخبرنى به ربي، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وأشهد ألاإله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطّلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذ أخبرتنى بذلك فلا ريب. ا. هـ.
وأم الفضل هذه «لبابة الكبري» بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة زوج النبى ﷺ، وأختها «لبابة الصغري» أم خالد بن الوليد، وولدت أم الفضل للعباس سبعة نجباء: عبد الله بن عباس صاحب التفسير الذى قال فيه ﵊: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» . وإخوته الستة: عبيد الله، وعبد الرحمن، والفضل، وقثم، ومعبد، وكثير، (واختلف في كثير فقيل: إن أمه رومية)، وأختهم أم حبيب.
_________________
(١) عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فوجد العباس بن عبد المطلب ساجدا، فوقف حتّى رفع رأسه، فلما انفتل من صلاته قال ﷺ: «إن من ذريتك الأصفياء، ومن عترتك الخلفاء» (ذكره صاحب ذخائر العقبى) محب الدين الطبرى﵀.
[ ٢٣٥ ]
وفي أم الفضل يقول الشاعر:
ما ولدت نجيبة من فحل بجبل نعرفه وسهل
كسبعة من بطن أمّ الفضل أكرم بها من كهلة وكهل
عمّ النبيّ المصطفى ذى الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل
وكان له أيضا سوى هؤلاء ثلاثة من غير أم الفضل: عون، والحارث، وتمام، وكان أصغرهم تمام، وأمه رومية تسمى «سبا» ويقال شقيقه «كثير» المتقدم الذكر، وكان العباس يحمل «تماما» هذا ويقول:
تمّوا بتمّام فصاروا عشره يا رب فاجعلهم كراما برره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثمره
وقد أجاب الله دعاء العباس في بنيه الأكياس، كانوا كما أراد أبوهم واشتهي، كلهم له رواية ونهى. ومع ذلك فيقال: ما رؤيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بنى العباس بن عبد المطلب؛ ولدتهم أمهم أم الفضل في دار واحدة، استشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفى عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند، وكثير وأمه سبأ المذكورة أخذته الذبحة بينبعرضي الله عنهم أجمعين.
وخرّج محمد بن يزيد في «الكامل» أن العباس كان إلى منكب عبد المطلب، وكان عبد الله بن عباس إلى منكب العباس، وكان علي بن عبد الله إلى منكب أبيه عبد الله. وطاف عليّ هذا بالبيت، وهناك عجوز قديمة، وعليّ قد فرع «١» الناس كأنه راكب والناس مشاة، فقالت: من هذا الذى فرع الناس؟ فقيل: هو علي بن عبد الله ابن العباس، فقالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليرذلون «٢»؛ عهدى بالعباس وهو يطوف بالبيت كأنه قرطاس أبيض. انتهى.
_________________
(١) أى فاقهم طولا.
(٢) هو كناية عن أن أفاضل الناس يذهبون ويبقى الأقل فضلا.
[ ٢٣٦ ]
وقال بعضهم: أدرك الإسلام من العرب عشرة أنفار طوال جدّا، منهم عبادة ابن الصامت.
ومن جملة الأسارى أيضا نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، تأخر إسلامه إلى غام الخندق، وقيل: بل أسلم حين أسر، وذلك أن رسول الله ﷺ قال له: افد نفسك بأرماحك التى بجدّة، قال: والله ما علم أحد أن لى بجدة أرماحا غير الله، أشهد أنك رسول الله. ثم شهد معه حنينا، وأعانه عند الخروج إليها بثلاثة الاف رمح، فقال رسول الله ﷺ: كأنى أنظر إلى أرماحك هذه تقصف ظهور المشركين.
توفى نوفل بالمدينة سنة خمس عشرة، وصلّى عليه عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنهما.
وقيل: إن العباس أسلم قبل وقعة بدر، وكان يخفى إسلامه لمّا طلب منه ﷺ أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء وقد كنت أسلمت أنا وأم الفضل وبقية ال بيتي، ولكن القوم أكرهونى على الخروج «١»؟!، وقال النبى ﷺ: كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، ولكنّ الله تعالى يجزيك على ما أخذ منك، وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا، [الأنفال: الاية ٧٠] ولما نزلت قال العباس: يا رسول الله لوددت أنك كنت أخذت منى أضعافا، والمأخوذ منه مائة أوقية من الذهب، كما سبق انفا.
وقد منّ النبى ﷺ على نفر من أسراء بدر، وخلّى سبيلهم من غير شئ، وفدى نفرا كالعباس- رضى الله تعالى عنه-. ولما فدى العباس نفسه رجع إلى مكة وأظهر إسلامه، وجمع أمواله وهاجر إلى المدينة، ولازمه ﷺ في غزواته، وكان النبى ﷺ يعظمه، وكانت الصحابة تعظمه وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه، ولما قيل له: أيّما أكبر أنت أو النبى ﷺ)؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله «٢» .
قال ابن إسحاق: ولما بلغ النجاشىّ نصرة النبى ﷺ ببدر فرح فرحا شديدا، قال جعفر بن أبى طالبرضي الله عنه- وكان جعفر إذ ذاك بأرض الحبشة:
فأرسل إليّ النجاشى وإلى أصحابى ذات يوم، فدخلنا عنده فوجدناه جالسا على
_________________
(١) أى أنه لم يأت محاربا، وإنما جاء مكرها.
(٢) فى هذا اللفظ من الاداب ما فيه.
[ ٢٣٧ ]
التراب لابسا أثوابا خلقة، فقال: إنّى أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءنا من نحو أرضكم عين لي، فأخبرنى أن رسول الله ﷺ مع أعدائه بمحلّ يقال له بدر، فكانت النصرة لرسول الله ﷺ، فقال له جعفر: ما لك جالس على التراب وعليك هذه الثياب؟ قال: «إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى ﵇ أن حقا على عباد الله تعالى أن يحدثوا له تواضعا إذا أحدث لهم نعمة» قال: ولما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر، واستأصل رؤساءهم قالوا: إنّ ثأرنا بأرض الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا.
فأرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله ابن ربيعة- رضى الله تعالى عنهما، (فإنهما أسلما بعد ذلك)، ومعهما طائفة من كفار قريش إلى النجاشى ليدفع إليهما من عنده من المسلمين، وأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي، فلما وصلا إليه ردّهما خائبين، ولما بلغ ﷺ ذلك بعث إلى النجاشى عمرو بن أمية الضمرى رضى الله تعالى عنه- بكتاب يوصيه فيه على المسلمين الذين عنده بالحبشة.
وقد سبق التنويه إلى ذلك (فى الفصل الثانى من الباب الثانى في الهجرتين إلى الحبشة) .
وسيأتى الكلام على ذلك في قدوم جعفر من الحبشة في غزوة خيبر.
ويقال: إن عمرو بن العاص أسلم حينئذ على يد النجاشي، ولهذا يلغز، ويقال:
من هو الصحابى الذى أسلم على يد تابعي؟ ومنشأ هذا ما قاله بعض أهل السير حكاية عن عمرو بن العاص عن نفسه من أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا ما نهدى له، وكان أحب
[ ٢٣٨ ]
ما يهدى إليه من أرضنا الادم»
، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتّى قدمنا عليه، فو الله إنّا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل إليه ثم خرج من عنده، قال:
فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشى وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت إليّ من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا، قال: ثم قرّبته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب به أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا «٢» منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى ﵇ لتقتله؟! قال: قلت: أيها الملك، أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتّبعه؛ فإنه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابى إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ، لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام الميسم «٣»، وإن الرجل لنبيّ، أذهب والله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت:
والله ما جئت إلّا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إنى أبايعك على أن يغفر لى ما
_________________
(١) الادم: هو ما يصلح الطعام ويطيبه.
(٢) أى جزعا وخوفا.
(٣) جاء في الروض الأنف للسهيلى ج ٣ ص ٣٠٤: «من رواه «الميسم» بالياء فهى العلامة، أى قد تبين الأمر واستقامت الدلالة، ومن رواه (المنسم) بفتح الميم والنون، فمعناه: استقام الطريق ووجبت الهجرة» .
[ ٢٣٩ ]
تقدّم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله ﷺ: يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها. قال: فبايعته ثم انصرفت ا. هـ.
قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما.
واختلفت الصحابة فيما يفعل بالأساري؛ فمنهم من أشار بقتلهم، ومنهم من أشار بفدائهم.
قال في المواهب: وقد استقر الحكم في الأسارى عند الجمهور من العلماء: أن الإمام يخيّر فيهم، إن شاء قتل، كما فعل النبى ﷺ ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسارى بدر، وإن شاء استرقّ من أسر، وإن شاء من وأطلق من غير شيء، وهذا مذهب الشافعى وطائفة من العلماء.
ولما أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، وخرج من مضيق الصفراء «١»، قسم النقل (أى الغنيمة) وكانت إبلا وأفراسا ومتاعا، وسلاحا وأنطاعا، وثيابا وأدما كثيرا، كان قد حمله المشركون للتجارة في صحبة قريش، ونادى النبى ﷺ «من قتل قتيلا فله سلبه» «٢»، وأنزل الله تعالى في أصحاب بدر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال: ١] الاية. وأوّل من حل له أكل الغنائم واتخذها حرفة:
رسول الله ﷺ، وكانت الأنبياء من قبل يجاهدون ويقاتلون ويسترقون الأرقاء، ولكن ما كانت الغنائم يحل أكلها لهم، وإذا غنموا من أموال المجاهدة شيئا كانت تنزل نار فتحرقه، وكان ذلك علامة قبولهم.
وفي الطبراني بسند جيد عن أبى هريرة- رضى الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «اطّلع الله على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» أو
_________________
(١) الصفراء: من ناحية المدينة، وهو واد كثير النخل والزرع في طريق الحاج، بينه وبين «بدر» مرحلة
(٢) وفي لفظ اخر «من قتل كافرا فله سلبه» متفق عليه من البخارى ومسلم، ورواه الإمام أحمد وأبو داود.
[ ٢٤٠ ]
قال: «فقد وجبت لكم الجنة» .
ويضرب بأهل بدر المثل في عدم المؤاخذة، قال بعض الشعراء:
يا بدر أهلك جاروا وعلّموك التّجرّي
وقبّحوا لك وصلي وحسّنوا لك هجري
فليصنعوا كيف شاؤا فإنّهم أهل بدر
وقال ابن الفارض:
فليصنع القوم ما شاؤا لأنفسهم هم أهل بدر، فلا يخشون من حرج
[غريب الاتفاق] وأوّل أبيات الشاعر السابق فيها من المحسّنات البديعية- غير التلميح- نوع يقال له: «غريب الاتفاق» لا سيما إذا كان المخاطب اسمه «بدر»، وهو أن يتفق للشاعر أو الناثر وقعة أو نكتة يستخرجها من الكلام، أو من الوقائع، وهو عزيز الوقوع، وإن حصل للشاعر أو الناثر في ذلك قران سعد، سارت الركبان بقوله، كما اتفق لابن أبى حصينة المصرى في حسام الدين لؤلؤ صاحب الملك الناصر يوسف حين غزا الفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، وظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة يخاطب الفرنج:
عدوّكم لؤلؤ والبحر مسكنه والدرّ في البحر لا يخشى من الغير
ومنه قول الصفيّ الحلّى في بديعيته:
ومن غدا اسم أمّه نعتا لأمّته فتلك امنة من سائر النّقم
ومنه قول ابن الساعاتي، وقد قصد الملك الناصر يوسف- المتقدم ذكره- «بيت يعقوب» من حصون الشأم مخاطبا للإفرنج:
* دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف*
ومن غريب الاتفاق ما قيل من أن المأمون صنع تابوتا بديعا، يحمله حسان الغلمان على أكتافهم، ويطوفون به في خلال البستان، والمأمون جالس فيه، ومعه جوارى أبيه هارون الرشيد وجدّه موسى الهادي، فدعا الشعراء ذات يوم ليقولوا في ذلك شيئا، فأنشدوا ما عندهم إلا أبا نواس، فسأله المأمون، فتلا قوله
[ ٢٤١ ]
تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢٤٨] فلمّح بالسكينة لهيبة الخليفة المأمون، وبالبقية للجواري، وبموسى وهارون لأبيه وجدّه، وهذا وإن كان من غريب الاتفاق إلا أنه لا يخلو عن التهور والخروج عن اللائق «١» .
والمراد بأهل بدر في الحديث: الذين حضروا وقعتها مع النبى ﷺ، استشهدوا فيها أم لا؛ لأنهم ارتقوا إلى مقام يقتضى الإنعام عليهم بمغفرة ذنوبهم السابقة واللاحقة، فلا يؤاخذهم بها لبذلهم مهجهم في الله ونصرهم دينه، والمراد إظهار العناية بهم لا الترخيص لهم في كل فعل، والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون ذنبا، وإن قارفوه لم يصرّوا، وقال القرطبي: «هذا خطاب إكرام وتشريف، تضمّن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا لأن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وقوعه، ولقد أظهر الله تعالى صدق رسوله ﷺ في كل ما أخبر عنه بشئ من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، وإن قدر صدور شئ من أحدهم بادر إلى التوبة» .
والشهداء ثلاثة أقسام:
الأوّل: شهيد في حكم الدنيا والآخرة في ترك الغسل والصلاة عليه، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا.
والثاني: شهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من قاتل رياء وسمعة وقتل، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
والثالث: شهيد في الآخرة فقط وهو المطعون والمبطون والغريق والحريق والمحموم وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة، ومن قتله مسلم أو ذمّيّ أو باغ في غير القتال، فكل هؤلاء يغسلون ويصلّى عليهم، وهم شهداء في الدار الآخرة لا في الدنيا، قاله الإمام الرافعى لأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان غسّلا، وهما شهيدان بالإجماع.
_________________
(١) من شروط التشبيه أن يكون بين الطرفين وجه شبه، وليس كذلك هنا؛ إذ لا وجه للمشابهة بين الشياطين والملائكة، أخزى الله من قاله، ما أجرأه على القران!
[ ٢٤٢ ]
استطراد لمناسبة: قال عمر بن عبد العزيز: كان أبى إذا خطب ونال من عليّ يلجلج في كلامه، فقلت: يا أبت إنك تمضى في خطبتك، فإذا أتيت إلى ذكر عليّ عرفت منك تقصيرها، قال: أو فطنت لذلك؟ قلت: نعم، قال: يا بنى إن الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم لتفرّقوا عنّا إلى أولاده.
فلما ولى عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكبه في هذا الأمر العظيم لأجله، فكتب بتركه، وقرأ عوضه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] فحل هذا الأمر عند الناس محلا عظيما، وأكثروا مدحه حتّى قال كثير في أبياته في حق عمر بن عبد العزيز:
وليت ولم تشتم عليا ولم تخف بريّا، ولم تتبع مقالة مجرم
وقيل: إنه قال: إن سبب محبتى عليا أنى كنت بالمدينة أتعلم العلم، وكنت ألزم عبيد الله بن عبد الله ابن مسعود، فبلغه عنى شىء من ذلك، أى في سب بنى أمية لعلي، فأتيته يوما وهو يصلى فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلما فرغ التفت إليّ وقال: متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضى عنهم؟! قلت: ولم أسمع بذلك، قال: فما الذى بلغنى عنك في علي؟ فقلت: «معذرة إلى الله وإليك، والله لا أعود»، فما سمع بعد ذلك يذكر عليّا إلا بخير. أ. هـ.
ولا مانع أن يقال: إنه لحسن سريرته السرية، وسيرة عدله العمرية، لما رأى الحق للإمام عليّ أبطل من نفسه مثلبة سبّه على المنابر، وهذا ما يقضى به حسن الظن في حق هذا الخليفة الموصوف بالعدل في الباطن والظاهر، بدليل استبدال ذلك بالاية الشريفة وهى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ، فمن جملة ذلك الأمر بعدم السب والنهى عنه، إذ هو من الفحشاء والمنكر، لا سيما وأن الغالب في الخلفاء والسلاطين والملوك إنما يأمرون بما يأمرون به من تلقاء أنفسهم، كأمر الخليفة المعتضد العباسى بسب معاوية على المنابر، كما حكاه ابن جرير عنه، وإن صح أنه أمسك عن ذلك بعد أن أنشأ كتابا ليقرأ على المنبر فيه مثالب معاوية ومعايبه، حيث قيل له: إن أهل بيت عليّ منهم الخارجون عليك في كل ناحية؛ فإذا سمعوا سبّ معاوية مال إليهم كثير من الناس، وخرجوا عن طاعة العباسية، فيكون عمر بن عبد العزيز
[ ٢٤٣ ]
بادر بإزالة المنكر من بداية الأمر به، بدون أن ينتظر نصح ناصح، وهذا بفضله أكمل.
روى أنه لما سئل عن على ومعاوية، قال: «دماؤهم قد طهّر الله منها سيوفنا، أفلا نطهّر من الخوض فيها ألسنتنا؟!» .
* وفي منتصف شوال من هذه السنة الثانية، كانت غزوة بنى قينقاع (بفتح القاف وإسكان الياء وتثليث النون) بطن من يهود المدينة لهم شجاعة وصبر، وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت- رضى الله تعالى عنه- وعبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى المنافق، وحلفاء للخزرج، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد، ونبذوا العهد الذى كان ﷺ عاهداهم به وعاهد بنى قريظة والنضير: أن لا يحاربوه ويظاهروا عليه عدوّه، وقيل: على ألايكونوا معه ولا عليه، وقيل:
على أن ينصروه ﷺ على من دهمه من عدوه. فكانوا أوّل من غدر من يهود، وتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وتشبث به عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١]، فجمعهم ﷺ، وقال لهم: «يا معشر يهود احذروا من الله أن ينزل عليكم مثل ما نزل بقريش من النقمة (أى ببدر)، أسلموا فإنكم قد عرفتم أنى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله تعالى إليكم»، فقالوا: يا محمد إنك تظننا مثل قومك، ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة، إنّا والله لو حاربناك لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا. وقد قالوا ذلك لأنهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا وأشدّهم بغيا، فأنزل الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
[ال عمران: ١٢]، فبينما هم على بغيهم ومجاهرتهم بكفرهم، إذ جاءت امرأة كانت تحت رجل من الأنصار إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ منهم في أمر حليّ لها، فجاء رجل من بنى قينقاع فجلس من ورائها وهى لا تشعر، فحلّ درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت تكشّفت، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فاتبعه فقتله، فقتل اليهود المسلم، ونبذوا العهد إلى رسول الله ﷺ، فنزل فيهم: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الأنفال: ٥٨]، فتحصّنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ- ولواؤه كان أبيض بيد حمزة بن عبد المطلب رضى
[ ٢٤٤ ]
الله تعالى عنه- وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا سبعمائة نفس: أربعمائة حاسر «١»، وثلاثمائة دارع «٢»، فسألوا رسول الله ﷺ أن يخلى سبيلهم وأن يجلوا من المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، وله ﷺ الأموال والسلاح، فخمّست «٣» أموالهم، وأمر ﷺ أن يجلوا من المدينة، ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه، وطلبوا أن يمهلهم فوق الثلاث فقال: «ولا ساعة واحدة»، وتولّى إخراجهم بنفسه. وذهبوا إلى أذرعات- بلدة بالشام- ولم يدر الحول عليهم حتّى هلكوا أجمعين بدعوته ﷺ، حيث قال لابن أبيّ بن سلول: «لا بارك الله لك فيهم» . ووجد ﷺ في منازلهم سلاحا كثيرا، وأخذ ﷺ من سلاحهم ثلاث قسي، منها القوس «الكتوم» التى لا يسمع لها صوت إذا رمى بها، وهى التى رمى بها ﷺ يوم أحد، وأخذ ﷺ درعين منهما الدرع المسماة «بالسغدية» بسين مهملة وغين معجمة، ويقال:
إنها درع داود التى لبسها حين قتل جالوت، وأخذ ﷺ ثلاثة أرماح وثلاثة أسياف، وقبض رسول الله ﷺ أموالهم، وكانوا صاغة لا أرض لهم، وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة أبا لبابة.
* وفي هذه السنة: الثانية من الهجرة كانت غزوة السويق:
لما أصاب قريشا «٤» فى بدر ما أصابهم، نذر أبو سفيان ألايمس النساء والطيب حتّى يغزو محمدا، ويثار منه ومن أصحابه بمن أصيب من المشركين يوم بدر، فخرج في مائتى راكب من قريش لوفاء نذره، حتى نزل بمحل بينه وبين المدينة نحو بريد «٥»، ثم أتى لبنى النضير، وهم حيّ من يهود خيبر ينسبون إلى هارون بن عمران «٦»، تحت الليل «٧» فأتى حيىّ بن أخطب، وهو من رؤساء
_________________
(١) بلا درع.
(٢) يرتدى درعا.
(٣) أى قسمت خمسة أقسام.
(٤) فى الأصل «قريش» وهو خطأ.
(٥) البريد: فرسخان، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل يقدّر بحوالى ١٦٠٩ من الأمتار.
(٦) وهو هارون أخو موسى ﵉.
(٧) أى في ظلام الليل الشديد، وعبر بتحت؛ لأنه جعل الليل رداءه فهو تحته والليل فوقه.
[ ٢٤٥ ]
بنى النضير- وهو أبو صفية أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها- ليخبره من أخبار رسول الله ﷺ بما أحبّ معرفته، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له؛ لأنه خافه، وجاء إلى سلّام بن مشكم سيد بنى النضير، وصاحب كنزهم (أى المال الذى كانوا يجمعونه ويدخرونه للنوائب وما يعرض لهم، وكان حليّا يعيرونه لأهل مكة) «١» فاستأذن عليه، فأذن له واجتمع به وسقاه خمرا، فلما كان السحر خرج أبو سفيان ومن معه فلقي رجلا من الأنصار في حرث له، فقتله وقتل أجيرا كان معه، وحرق حرثهما، ورأى أنّ يمينه قد حلّت فمضى هاربا، وقد خاف الطلب. وبلغ رسول الله ﷺ خبره، فخرج رسول الله ﷺ في مائتين من المهاجرين والأنصار في طلبهم، وكان خروجه لخمس من ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة، وجعل أبو سفيان وأصحابه يخففون للهرب، فيلقون جرب السويق من قمح أو شعير مطحون، وهو عامة أزوادهم، فيأخذه المسلمون، ولم يلحقوا بهم. وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، وكانت غيبته خمسة أيام، ولإلقاء السويق من رحالهم لتخفيفها وأخذ المسلمين لذلك، سميت غزوة السويق، ولم يلق فيها كيدا.
* وفي هذه السنة مات عثمان بن مظعون رضى الله تعالى عنه.
* وفيها أيضا هلك أمية بن أبى الصلت- من رؤساء الكفار- قرأ الكتب «٢»، واطّلع على البعثة، فكفر حسدا؛ لأنه رجا أن يكون هو المبعوث، ونزل في حقه قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [الأعراف: ١٧٥]، وكان سافر إلى الشام ورجع عقيب وقعة بدر السابقة، فمرّ بالقليب وفيه قتلى
_________________
(١) كانوا يعطون الناس ويأخذون منهم إلى أن يتمكنوا مما يريدون. ومن أحداث اليهود أن جماعة منهم استعاروا ذهب المصريين- وقت خروجهم مع سيدنا موسى ﵊- بحجة أو بأخرى- وذهبوا بها ولم يردّوها لأصحابها- استحلوا هذا النهب بحجة أنهم شعب الله المختار، وهى دعوى عريضة لم يقم على صحتها دليل، بل قام الدليل على كذبها ألف مرة ومرة. وقد حكى القران عنهم أنهم قالوا «نحن أبناء الله وأحباؤه» فردّ عليهم هذه الفرية بقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: ١٨]، وصوّروا العجل الذى عبدوه من دون الله من هذه الأموال التى سرقوها من مصر.
(٢) أى التوراة والإنجيل والزبور.
[ ٢٤٦ ]
بدر، وكان ممن في القليب عتبة وشيبة ابنا خالي أمية، فجدع أذني ناقته، وقال قصيدة:
هلّا بكيت على الكرا م بنى الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حزنى مستكي نات يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكي ات المعولات من النوائح
ماذا ببدر والعقن قل من مرازبة جحاجح «١»
شمط وشبّان بهالي ل مناوير دحادح «٢»
أن قد تغيّر بطن مكّ ة فهى موحشة الأباطح «٣»
وهى قصيدة نهى رسول الله ﷺ عن روايتها؛ لأن أمية كان يحرض قريشا بعد وقعة بدر على المسلمين. ومع ذلك فله أشعار يفهم منها ميله إلى اعتقاد أن دين الإسلام حق، فمن ذلك قوله:
كلّ دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة زور
ولما أنشد لدى النبى ﷺ قوله:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبّحنا ربّى ومسّانا
ربّ الحنيفة لم تنفد خزائنها مملوءة طبق الافاق سلطانا
ألا نبيّ لنا يأتى فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس محيانا
بينا يربّوننا اباؤنا هلكوا وبينما نقتنى الأولاد أفنانا
وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا أن سوف يلحق أخرانا بأولانا
قال النبى ﷺ «إن كاد أمية ليسلم» «٤» . ويروى أن أمية بن أبى الصلت-
_________________
(١) الجحجاح: السيد.
(٢) الدحداح: القصير.
(٣) الأبطح: مسيل واسع، فيه حصى دقاق.
(٤) ولذلك قال رسول الله ﷺ: «امن شعر أمية بن أبى الصلت وكفر قلبه» رواه أبو بكر بن الأنبارى فى «المصاحف» والخطيب وابن عساكر عن عبد الله بن عباس.
[ ٢٤٧ ]
واسم أبى الصلت: عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفى- لما مرض مرضه الذى مات فيه جعل يقول: «قد دنا أجلى وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلنى في محمد» . ولما دنت وفاته أغمى عليه قليلا حتّى ظن من حضره من أهله أنه قد قضي، ثم أفاق وهو يقول: «لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا برئ فأعتذر، ولا قوى فأنتصر» . ثم إنه بقى يحدّث من حضره ساعة، ثم أغمى عليه ثانيا، حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما.
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألمّا
ثم أقبل على القوم فقال: «قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي» . وحدثهم قليلا حتى يئس القوم منه.
وكان أمية يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وإنه لما غشي عليه وأفاق قال:
كلّ عيش وإن تطاول دهرا صائر أمره إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لي في رؤوس الجبال أرعى الوعولا «١»
إنّ يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه الوليد يوما ثقيلا
اجعل الموت نصب عينك واحذر غولة الدهر إنّ للدهر غولا
ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبى ﷺ، وذكر عن سهل أن النبى ﷺ لما سمع قول أمية:
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا فلا شيء أعلى منك حمدا وأمجدا
قال: «امن شعره وكفر قلبه» . وكفر قلبه: عدم إيمانه بالنبى ﷺ، وما سلف ذكره- من عدّه ممن امن به ﷺ «كقس بن ساعدة» فالقصد منه اعتقاد نبوته ﷺ قبل مبعثه، لا الإذعان بعد المبعث، حيث حمله على عدم الإيمان الحسد والحمية الجاهلية وغلبة الشقاء.
_________________
(١) الوعل: تيس الجبل، وهو جنس من المعز الجبلية له قرنان قويّان.
[ ٢٤٨ ]
وكان خليفة رسول الله ﷺ في غيبته أبا لبابة، كما في غزوة بنى قينقاع.
وفي هذه السنة الثانية من الهجرة كانت وقعة «ذى قار» «١» بين بكر بن وائل وبين جيش كسرى أبرويز، والغلبة على الهرمزان، وانهزمت الفرس، وقتل الهرمزان.
وسبب هذه الوقعة المشهورة في أيام العرب «بيوم ذى قار» أن كسرى أبرويز غضب على النعمان بن المنذر وحبسه، فهلك في الحبس، وكان النعمان قد أودع حلقته- وهى السلاح والدرع- عند هانئ بن مسعود البكري، فأرسل أبرويز يطلبها من هانئ المذكور، فقال: «هذه أمانة، والحرّ لا يسلم أمانته»، وكان أبرويز لما أمسك النعمان قد جعل موضعه في ملك الحيرة: إياس بن قبيصة الطائي، فاستشار أبرويز إياسا المذكور، فقال إياس: المصلحة التغافل عن هانئ بن مسعود المذكور حتّى يطمئن ونتبعه فندركه. فقال أبرويز: إنه من أخوالك ولا تألوه تصحا، فقال إياس: رأي الملك أفضل. فبعث أبرويز الهرمزان في ألفين من الأعاجم وبعث ألفا من «بهرا» (قبيلة)، فلما بلغ بكر بن وائل خبرهم أتوا مكانا من «بطن ذى قار» فنزلوه، فوصلت إليهم الأعاجم واقتتلوا ساعة، وانهزمت الأعاجم هزيمة قبيحة، وأكثرت العرب الأشعار في ذكر هذا اليوم، وقيل: إن هذه الوقعة كانت في سنة أربعين من مولد النبى ﷺ، ولم تكن في عام وقعة بدر، وهذا القول هو الأقوى والأصح.
وفي هذه السنة كانت غزوة «قرقرة الكدر» «٢»:
_________________
(١) ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة، بينها وبين واسط، وفيها كانت الوقعة المشهورة بين العرب والفرس.
(٢) قرقرة الكدر، قيل بناحية المعدن، قريبة من الأرحضية- أو الرّحضية من نواحى المدينة قرية لبنى سليم والأنصار من نجد، وبها ابار عليها زرع كثير ونخل، وحذاءها قرية يقال لها الحجر- بينها وبين المدينة ثمانية برد، وقيل ماء لبنى سليم، به غزوة للنبى ﷺ.
[ ٢٤٩ ]
وهى أرض مما يلى جادّة العراق إلى مكة، بها طيور في ألوانها كدرة، عرف بها ذلك الموضع.
سببها: وذلك أنه ﷺ بلغه أن قوما من بنى سليم وغطفان يريدون الإغارة على المدينة، فسار إليهم في مائتين من أصحابه، وحمل اللواء عليّ بن أبى طالب- رضى الله تعالى عنه- فوصل إلى ذلك الموضع فلم يجد به أحدا منهم، وأرسل نفرا من أصحابه إلى أعلى الوادي، واستقبلهم في بطن الوادي، فوجد خمسمائة بعير مع رعاة لهم، فخمّس «١» الإبل، فخصّ كلّ واحد بعيران، ورجع إلى المدينة.
وقيل: كانت هذه الغزوة في المحرم سنة ثلاث، ويمكن أن يجمع بين القولين بأنها ابتدأت في أواخر شهر ذى الحجة، وبقيت إلى أوّل المحرم سنة ثلاث.
وفي هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير.
وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم.
_________________
(١) جعلها خمسة أقسام.
[ ٢٥٠ ]