فغير الاستمرار على الإيذاء لجسمه الشريف تعرضوا دائما لرميه بالسحر والكهانة والجنون، بعد ما سبق منهم قبل النبوة أنهم كانوا ينظرون إليه نظر كمال وإجلال، حتى سموه بالأمين قبل النبوة، واشتهر عندهم بهذا العنوان، ولم يجربوا عليه بعد إشهاره بذلك خللا ولا نقصا؛ فتناقض أمرهم فيه، واختل اعتقادهم بعد النبوة لعمى بصيرتهم، ورجعوا وصفوه بالجنون مثلا، ولم يكن لهم شبهة في ذلك إلا ما رأوه منه عند نزول الوحى من الاستغراق لتلقّيه، ومن خمرة الوجه وكثرة الغطيط، فعميت قلوبهم عن إدراك الفرق بين حالة نزول الملك وحالة الجنون، مما لا يخفى على أدنى عاقل، فكانوا ينظرونه كأنه رجل من بنى ادم، ولا يلتفتون إلى أمانته ولا إلى وصف النبوة.
فالمبالغة في أذى قريش للمسلمين هى التى أوجبت الهجرة إلى الحبشة مرتين، كما أن المبالغة- خصوصا في إيذائهﷺ- هى التى أوجبت الخروج إلى الطائف ثم الهجرة إلى المدينة.
[ ١٠٩ ]