وقد سبق لنا في الفصل الأوّل من الباب الأوّل: أن (ثويبة) جارية أبى لهب لمّا بشّرته بولادته ﷺ أعتقها عتقا منجزا، ثم جعلها ترضعه بعد ولادته أياما، فخفّف الله عنه العذاب كل يوم اثنين الذى هو يوم مولده، ولعل تخفيف عذابه
_________________
(١) الإيوان: مجلس كبير على هيئة صفّة واسعة، لها سقف محمول من الأمام على عقد يجلس فيها كبار القوم.
[ ٥٩ ]
بالنّظر لذنب غير الكفر، حيث لا مانع من تخفيفه، أو هذا التخفيف خاص به وبمن ورد فيه النص، وهذا إكرام لمن وقع البرّ لأجله، وهو النبى ﷺ، فلا غرابة فى أنّ مولده الشريف على تداول الأيام صار متّبعا من جميع الناس، أكابر وأصاغر، وإن كان بدعة فهو من البدع المحمودة، وابتداعه مبنى على قاعدة الشكر للمولى في إيجاده، والواقع أن الأصل في حسن البدعة وقبحها أن تعرض على قواعد الشريعة: فما تدخل في قواعده من الأحكام الخمسة «١» تنسب إليه، وكم من سنن ابتدعت على طريق القرب إلى الله تعالى وصارت ملحقة بالسنّة الشريفة، والمولد النبوى منها، إذ لا ضرر ولا ضرار في فعله لمن أراد ذلك في ربيع الأوّل أو غيره، بل نصّ ابن الجوزى أنه مما جرّب أنّ فعله يورث الأمان التام في ذلك العام، كما سيأتي، وإن قال ما قال فيه تاج الدين الفاكهانى المالكى من الإنكار، وتعقّبه الجلال السيوطى وردّ عليه الردّ التام بسلوك طريق الاستدلال والاستظهار، وحكم بينهما «٢» العلّامة الشيخ عبد السلام اللقانى المالكي، وقضى بينهما بقول فصل وحكم عدل يشهد له بالفضل، أشبع في مقاله بالنصوص القاطعة والحجج الدّاحضة بما يقنع من الدليل ويشفى الغليل، ويكشف عن وجوه البدع قناع التأويل، فلنذكر كلامه في هذا المعنى برمّته مع بعض تصرف في العبارة، وإن كان فيه تكرار شيء مما سبق، حيث هو مؤكد له ومزيل الغطاء عن غمته.
ونصّ عبارة الشيخ عبد السلام اللقافي: المنقولة من مسودّة حاشية له على بعض السير النبوية:
«وقد أردت إيراد بعض فوائد تتعلق بالمولد الشريف مما ذكره النجم «٣» وغيره فأقول مستعينا به سبحانه:
اعلم أن الناس اختلفوا في عمل المولد واجتماع الناس له، والذى صرّح به العلّامة تاج الدّين الفاكهانى المالكى﵀- أنه بدعة مذمومة، وألّف فى ذلك كتابا صدّر ديباجته بقوله بعد البسملة والحمدلة وما يطلب له الإتيان به:
_________________
(١) أى الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهية، والتحريم.
(٢) أى بين الفاكهانى والسيوطي.
(٣) هو النجم الغيطى- كما سيأتي.
[ ٦٠ ]
«أما بعد: فقد تكرر سؤال جماعة عن الاجتماع الذى يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأوّل ويسمّونه المولد، هل له أصل في الشرع؟ أو هو بدعة حدثت في الدين؟ وقصته والجواب عن ذلك مبينا، والإيضاح عنه معينا:
«قلت، وبالله التوفيق: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدّين، المستمسكون باثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطّالون، وشهرة اعتنى بها الأكّالون، بدليل أنّا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرّما. وليس بواجب إجماعا، ولا مندوبا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة، ولا التابعون المتدينون فيما علمت، وهذا جوابى عنه بين يدى الله إن سئلت عنه، ولا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بين حالين، أحدهما أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الاثام، وهذا الذى وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمى أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سرج الأزمنة وزين الأمكنة، والثانى أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتّى يعطى أحدهم الشيء ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء: اخذ المال بالحياء كاخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك الغناء من البطون الملأى بالات الباطل كالدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الأحداث والنساء الفاتنات، والرقص بالتثنى والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهتّك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ١٤]، وهذا هو الذى لا يختلف في تحريمه إنسان، ولا يستحسنه ذوو المروءة والفتيان، وإنما يحلو ذلك بنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الاثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنّا لله وإنا إليه راجعون «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ»، ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء
[ ٦١ ]
حيث يقول: «لا يزال الناس بخير ما تعجّب من العجب»، هذا مع أن الشهر الذى ولد فيه ﷺ، وهو ربيع الأوّل هو بعينه الشهر الذى توفّى فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى حسن القبول» .
وتعقّبه العلّامة الجلال السيوطى مؤلّف هذا الكتاب في فتاويه، فقال: أما قوله: لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة؛ فيقال عليه: نفى العلم لا يلزم منه نفي الوجود، وقد استخرج له العلامة ابن حجر العسقلانى ﵀ أصلا من السنة، وهو ما ثبت في الصحيحين من «أن النبى ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم، فقالوا: هذا يوم أغرق الله فيه فرعون ونجّى موسي، فنحن نصومه شكرا لله تعالى، فقال: أنا أحق بموسى منكم» «١» فصامه وأمر بصيامه، قال: فيستفاد منه فعل الشكر لله تعالى على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله تعالى يحصل بأنواع العبادات، كالسجود والصيام والتلاوة، وأيّ نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبى نبيّ الرحمة ﷺ في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغى أن يتحرّى الوقت بعينه، فإن كان ولد ليلا فليقع الشكر بما يناسب الليل كالإطعام، وإن كان ولد نهارا (وهو الأصح) فبما يناسبه كالصيام والصدقة، ولا بد أن يكون ذلك اليوم بعينه من عدد أيام ذلك الشهر بعينه حتّى يطابق قصة موسى ﵊ في يوم عاشوراء. ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالى بعمل المولد في أى يوم من الشهر، بل توسّع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة، وفيه ما فيه، وينبغى أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما ذكروا، أما السماع واللهو وغيرهما، فما كان مباحا لعين السرور بذلك اليوم، فلا بأس به، وما كان حراما أو مكروها فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى. اهـ.
فيفهم من ذلك: أن أصل ابتداع عمل المولد الشريف مبنى على قاعدة الشكر، وعلي النعمة بإيجاد الذات المحمدية، الواسطة في خيرى الدنيا والآخرة، فلهذا خالفت هذه السنّة الحسنة اتخاذ يوم عاشوراء مأتما ومظهرا للحزن كما يفعله بعض الأعاجم، لأجل قتل الحسين بن الإمام على رضى الله تعالى عنهما،
_________________
(١) وفي رواية لأحمد وابن ماجه والبخارى ومسلم: «نحن أحق بموسى منكم» .
[ ٦٢ ]
فكانت هذه من البدع السيئة، ومن عمل الذين- ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا- إذ لم يأمر الله سبحانه ولا رسوله ﷺ باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم؟! والقاصّ الذى يذكر للناس قصة القتل يوم عاشوراء، ويخرق ثوبه ويكشف رأسه ويأمرهم بالقيام والتشنيع تأسّفا على المصيبة يجب أن يمنع، والمستمعون له لا يعذرون فى الاستماع.
قال الإمام الغزالى وغيره: «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين ﵁، وحكاية ما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيّج على بغض الصحابة والطعن فيهم، وهم أعلام الدين الذين تلقّى عنهم أئمة الدين، وتلقينا عنهم، والطاعن فيهم طاعن في نسبه ودينه» .
وقال الإمام الشافعى وجماعة من السلف: «تلك دماء طهّر الله منها أيدينا، فلنطهّر منها ألسنتنا» «١» . انتهي
فليس لاتخاذ يوم عاشوراء مأتما مستند يتخرّج عليه، بخلاف المولد الشريف، فقد فهمت مستنده، بل هو متعدّد، فقد قال الحافظ الجلال السيوطى ﵀:
«وقد ظهر لى تخريجه (يعنى عمل المولد) على أصل اخر (يعنى غير ما ذكره الحافظ ابن حجر) وهو ما أخرجه البيهقى عن أنس أن النبى ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن هذا الذى فعله النبى ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته، كما كان يصلى على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات» . انتهى.
قال شيخ مشايخنا النّجم الغيطى ﵀: «وما ذكره الحافظ ابن حجر من التخريج أنسب وأظهر مما ذكره الحافظ الجلال، كما هو الظاهر؛ لأن فعل صوم عاشوراء يتكرر كل عام، وهو في وقت معين، فكان عمل المولد المذكور مثله، بخلاف العقيقة فإنها لا تتكرر، وليست مختصه بوقت معين، ولا تتقدم عليه ولا
_________________
(١) وقال ذلك عمر بن عبد العزيز ﵀.
[ ٦٣ ]
تتأخر، ولأن ما فعله جده عبد المطلب من العقيقة لم يقع عنه؛ لأن ذلك كان قبل الشرع، فلا يتعلق به حكم، والعقيقة التى فعلها النبى ﷺ عنه بعد النبوة (على تقدير صحتها) كانت بعد الشّرع، فهى المشروعة والواقعة عنه؛ لأنه بعد ولادته لم يقع عنه عقيقة مشروعة، وقد قال أئمتنا: إن من بلغ ولم يعقّ عنه فحسن أن يعقّ عن نفسه، على أن ما ورد من أنه ﷺ عقّ عن نفسه بعد النبوة حديث منكر، كما قاله ابن حجر وغيره، بل قال النووى في شرحه المهذّب: إنه حديث باطل، فعليه يسقط التخريج المذكور أيضا بالأولى، والله ﷾ أعلم.
قلت: وما ذكره النجم من أن العقيقة لا تتكرر، إنما هو للمولود الواحد، أمّا إذا تعدد فإنها تتعدد أيضا كما هو مذهبنا، وما ذكره أيضا من أنها ليست مختصة بوقت معين، فليس مذهبنا، بل المذهب أنها مختصة به، فتكون في سابع الولادة لا قبله اتفاقا، ولا بعده، فإن فات فاتت علي المشهور، كما علمته انفا.
قال الجلال: وأما قول الفاكهانى «بل هو بدعة أحدثها البطّالون الخ» يقال عليه: إنه أحدث من غير نكير منهم، وارتضاه ابن دحية، وصنّف من أجله كتابا، فهؤلاء علماء متدينون رضوه وأقرّوه، ولم ينكروه.
وقوله «ولا مندوبا لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع» يقال عليه: إن الطلب فى المندوب تارة يكون بالنص، وتارة يكون بالقياس، وهذا وإن لم يرد فيه نص ففيه القياس علي الأصلين، يعنى السابقين في التخريج، وقد علمتهما، وقوله «ولا جائز أن يكون مباحا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين» كلام غير مستقيم؛ لأن البدعة لم تنحصر في الحرام والمكروه، بل قد تكون أيضا مباحة ومندوبة وواجبة أهـ.
وحاصل القول في البدعة أنها لغة: ما كان مخترعا على غير مثال سابق، وشرعا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاصّ أو العامّ، بل يكون الحامل عليه مجرد الشهوة والإرادة، أما ما أحدث مما له أصل في الشرع إما بحمل النظير على النظير، أو بغير ذلك، فإنه حسن؛ إذ هو سنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهتدين، ومن ثمّ قال عمررضي الله عنه- فى التراويح: «نعمت
[ ٦٤ ]
البدعة هي» «١» وليس ذلك مذموما بمجرد لفظ محدث أو بدعة؛ فإن القران باعتبار لفظه وإنزاله وصف بالمحدث أوّل سورة الأنبياء «٢»، وإنما منشأ الذم ما اقترن به من مخالفة السنّة ودعايته إلى الضلالة.