[الإذن بالقتال:] ولما مكث ﷺ بضع عشرة سنة يدعو إلي الله بغير قتال، صابرا على إيذاء العرب بمكة، واليهود بالمدينة له ولأصحابه؛ لأمر الله له بالصبر، ووعده له بالفتح، أذن له بالقتال لكن لمن قاتله بقوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: ٣٩] الاية ولما نزلت أخبر ﷺ بقوله «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلا الله» المراد مع «محمد رسول الله»، وقد يكتفى بالجزء الأوّل عن كلمتى الشهادة، أي عن التعبير بجميعهما؛ لأنه صار شعارا لجميعهما، فحيث قيل «كلمة الشهادة»، أو «كلمة الإخلاص» أو «قول لا إله إلا الله» فهو «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وفي لفظ: «حتى يشهدوا ألاإله إلا الله وأنى محمد رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم علي الله تعالى»، قيل. وما حقها؟ قال: «زنا بعد إحصان، وكفر بعد إسلام، أو قتل نفس» «١» .
وهي الكلمة العالية والشريعة الغالبة، من استمسك بها فقد سلم، ومن اعتصم بعصمتها فقد عصم، لقوله ﷺ: «فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها » هذا توقيع العصمة الدنيوية، وأما توقيع العصمة الاخروية ف «من قال لا إله إلا الله دخل حصني، ومن دخل حصنى أمن من عذابي» «٢» .
والأمر الذى أخبر عنه) هو قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج: ٣٩] .
قال بعضهم: وهي أوّل اية نزلت في شأن القتال.
وظاهر هذا السياق يقتضى أن الاية فيها الأمر له ﷺ بالقتال المذكور، وقد
_________________
(١) رواه البخارى، ومسلم، والنسائي، وأبو داود عن أبى هريرة، والبخارى ومسلم عن ابن عمر، والنسائى عن أبى بكرة، والحاكم وابن ماجه عن أبي هريرة. وللحديث ألفاظ مختلفة بمعنى واحد. وهو حديث متواتر.
(٢) الحديث القدسى عن الله ﷾: رواه ابن النجار.
[ ٢٠٥ ]
يتوقف في ذلك، ولعله أمر بذلك بغير الاية المذكورة؛ لأن الاية ظاهرها الإباحة، والمباح ليس مأمورا به، ثم أبيح الابتداء بالقتال حتّى لمن لم يقاتل، لكن في غير الأشهر الحرم التى هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٥] .
ثم أمر به وجوبا بعد فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة مطلقا من غير تقييد بشرط ولا زمان، بقوله تعالى: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] أي جميعا في أي زمن، فعلم أن القتال كان قبل الهجرة وبعدها إلي صفر من السنة الثانية محرّما؛ لأنه ﷺ كان في أثناء ذلك مأمورا بالتبليغ، وكان التبليغ إنذارا بلا قتال؛ لأنه نهى عنه، قيل في نيف وسبعين اية، ثم صار مأذونا في قتال من قاتل، ثم أبيح قتال من لم يبدأ بالقتال في غير الأشهر الحرم، ثم أمر بالقتال مطلقا لمن قاتل ومن لم يقاتل في أىّ زمن، سواء في الأشهر الحرم وغيرها، وقيل: إن القتال في الحالة الثانية كان مأمورا به، لا مباحا، كالحالة الأولي.
ثم استقر أمر الكفار مع ﷺ) بعد نزول «براءة» * علي ثلاثة أقسام:
الأوّل: محاربون له ﷺ، وهؤلاء المحاربون إذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم علي الكفاية في كل عام مرة، أي يكفى ذلك في إسقاط الحرج كإحياء الكعبة، واستدل لذلك بقوله تعالى: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ [التوبة: ١٢٢] أي فهّلا نفر، وقيل: فرض كفاية «١» فى حق الأنصار، وفرض عين «٢» في حق المهاجرين.
الثاني: أهل عهد، وهم المؤمّنون من غير عقد الجزية، أى الذين صالحهم ووادعهم على ألايحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوّه، وهم على كفرهم، امنون علي دمائهم وأموالهم وأنفسهم؛ لأنه ﷺ قال: «من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة» «٣» .
_________________
(١) * سورة التوبة.
(٢) فرض الكفاية: هو الذي إذا قام به البعض سقط عن الاخرين.
(٣) فرض العين: هو الفرض علي كل المسلمين لا يسقط بأداء البعض له.
(٤) وقال ﷺ: من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» رواه الإمام أحمد وكثيرون غيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٢٠٦ ]
الثالث: أهل ذمة، وهم من عقدت لهم الجزية.
وهناك قسم اخر، وهو: من دخل في الإسلام تقيّة من القتل، وهم المنافقون، وكان ﷺ يأمر أن تقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، فكان معرضا عنهم، إلا فيما يتعلق بشعائر الإسلام الظاهرة، كالصلاة؛ فلا يخالف ما رواه الشيخان: «لقد هممت أن امر بالصلاة فتقام، ثم امر رجلا فيصلّى بالناس، ثم أنطلق ومعي رجال معهم حزم من حطب إلي قوم لا يشهدون الصلاة فأحرّق عليهم بيوتهم بالنار» . فإن هذا الحديث ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة، ولا يصلّون أصلا، بدليل السياق؛ لأن صدر الحديث: «أثقل الصلاة علي المنافقين صلاة العشاء والفجر، (أي جماعتهما)، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت إلى اخره» «١» .
وكان الجهاد في عهده ﷺ فرض عين، وقيل فرض كفاية، وكان إذا غزا بنفسه يجب على كل أحد الخروج معه لقوله تعالى: ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة: ١٢٠]، ومن ثمّ وقع لمن تخلّف عنه في غزوة تبوك ما وقع. وقد غزا ﷺ بنفسه.
وأما بعده «٢» ﷺ فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه.
_________________
(١) ورواه أيضا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن أبي هريرة.
(٢) أى بعد وفاته ﷺ.
[ ٢٠٧ ]