وفي هذه السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة إمرّ «١»:
ويقال لها غزوة «غطفان» «٢» وغزوة «أنمار» . و«إمر» بكسر الهمزة وفتح الميم وتشديد الراء: اسم ماء. وذلك أنه ﷺ بلغه أن رجلا يقال له «دعثور» (بضم الدال وسكون العين ثم ثاء مضمومة) ابن الحارث الغطفانى (من بنى محارب) جمع جمعا من ثعلبة ومحارب بموضع من ديار غطفان، يسمى ب «ذى إمر» باسم الماء الذى فيه، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فخرج إليهم ﷺ في أربعمائة وخمسين رجلا من أصحابه، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، فى السنة الثالثة من الهجرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعوا بمسير رسول الله ﷺ هربوا في رؤوس الجبال. وفي هذا المحل أصاب رسول الله ﷺ المطر الكثير، فبل ثيابه وثياب أصحابه، فنزع ﷺ ثوبيه ونشرهما على الشجرة ليجفا، واضطجع بمرأى من المشركين، فبعث المشركون دعثورا الذى هو سيد القوم وأشجعهم المجمّع لهم، قالوا له: قد انفرد محمّد، فعليك به. فجاء ومعه سيفه حتّى قام على رأس رسول الله ﷺ، ثم قال: من يمنعك منى اليوم؟
فقال ﷺ: الله. ودفعه جبريل في صدره فوقع على ظهره، فوقع السيف من يده، فأخذ السيف رسول الله ﷺ، وقال: من يمنعك منى اليوم يا دعثور؟ قال:
لا أحد، كن خير اخذ. فتركه وعفا عنه، فقال: أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أجمّع الناس لحربك أبدا. فدفع له النبى ﷺ سيفه، فقال دعثور: والله إنك لخير مني، ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفعه في صدره، فوقع على ظهره، فقال: علمت أنه ملك، فأسلمت، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الاية [المائدة: ١١]، ثم أقبل رسول
_________________
(١) ذو إمر: موضع بئر، غزوة لرسول الله ﷺ قيل: هو من ناحية النخل بنجد، من ديار غطفان، والأمر: حجارة تجعل كالأعلام. كذا من المراصد بلفظه.
(٢) غطفان: اسم لقبيلة من قبائل العرب.
[ ٢٥١ ]
الله ﷺ إلى المدينة، ولم يلق حربا، وكانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة.
وفي هذه السنة (فى شهر رمضان) ولد الحسن بن علي ﵄، وكانوا قد سموه حربا، فسماه النبى ﷺ الحسن، وحنّكه «١» بتمر.
وفيها قتل محمد بن مسلمة الأنصارى كعب بن الأشرف اليهودي.
وفيها تزوج النبى ﷺ حفصة بنت عمررضي الله عنهما- وذلك أن عثمان ابن عفان خطب حفصة بنت عمر منه بعد وفاة رقية، فردّه عمر، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال: يا عمر؛ أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك؟ قال: نعم يا نبى الله، قال: «تزوّجنى ابنتك وأزوّج عثمان ابنتي» . فكان ذلك؛ حيث تزوج ﷺ بحفصة، وتزوج عثمان بأم كلثوم.
* وفي هذه السنة كانت غزوة بحران:
(بفتح الباء المواحدة، وقيل بضمها، ثم حاء مهملة ساكنة، وهو موضع بالحجاز بينه وبين المدينة ثلاثة برد) وتسمى هذه الغزوة بغزوة بنى سليم.
[سببها]: لما بلغه ﷺ أن بحران اجتمع فيه كثير من بنى سليم، خرج في ثلاثمائة من أصحابه، لستّ خلون من جمادى الأولى من السنة الثالثة من الهجرة، أحثّ السير حتّى بلغ بحران، وكان قبل أن يصل إلى ذلك بليلة لقي رجلا من بنى سليم، فأخبره أنّ القوم تفرّقوا، فحبسه إلى أن وصل، فوجدهم كذلك قد تفرقوا ورجعوا إلى مياههم، فأقام ﷺ ولم يلق حربا، وكانت غيبته عشر ليال، وكان قد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
* وفي هذه السنة كانت غزوة أحد:
وكانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة باتفاق الجمهور، وأحد (بضمتين ومهملتين) جبل من جبال المدينة، على نحو ميلين منها، يقصد لزيارة مشهد سيدنا حمزة ومن معه من الشهداء، ويقال: إنه أفضل الجبال.
لما أصاب قريشا «٢» يوم بدر ما أصابها، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن
_________________
(١) حنكة: دلّك حنكه. والحنك: باطن أعلى الفم من الداخل.
(٢) فى الأصل «قريش» .
[ ٢٥٢ ]
أبى جهل وصفوان بن أمية رضى الله تعالى عنهم (فإنهم أسلموا بعد ذلك) ورجال اخرون «١» من أشراف قريش إلى أبى سفيان- رضى الله تعالى عنه- (فإنه أسلم بعد ذلك أيضا) وإلى من كان له تجارة في تلك العير التى كان سببها وقعة بدر، وكانت تلك العير موقوفة في دار الندوة لم تعط لأربابها، فقالوا: إن محمدا قد وتركم (أى قتل رجالكم ولم تدركوا دماءهم) وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا عمن أصابه منا، وقالوا: نحن طيّبوا النفوس أن تجهزوا بأرباح تلك العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من يجيب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فجمع لأهل العير رؤس أموالهم، وكانت خمسين ألف دينار، وأخرجوا أرباحها، وكان الربح لكل دينار دينارا، وقيل نصف دينار، وأنزل الله في تلك الحادثة اية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦]، وتجهّزت قريش ومن والاهم من قبائل كنانة وتهامة، وكان عددهم ثلاثة الاف، فيهم سبعمائة دارع ومائتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وساروا من مكة حتى نزلوا بذى الحليفة «٢» مقابل المدينة، يوم الأربعاء لأربع مضين من شوال، وذو الحليفة هو ميقات أهل المدينة الذى يحرمون منه.
وقد أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: «رأيت كأنى في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأوّلت أن الدرع المدينة فإن شئتم أقمنا بالمدينة؛ فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها»، فقالوا: «والله ما دخلت علينا في الجاهلية، أفتدخل علينا في الإسلام!» قال: فشأنكم إذا. فذهبوا. فلبس رسول الله ﷺ لأمته، فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله ﷺ رأيه! فجاؤا فقالوا: شأنك يا رسول الله، قال: «الان!! ليس لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .
وأخرج أحمد والبزار والطبراني والبيهقى في دلائل النبوّة عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: لمّا جاء المشركون يوم أحد، كان رأي رسول الله ﷺ
_________________
(١) فى الأصل «أخر» .
(٢) بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، منها ميقات أهل المدينة، وهى مياه بنى جشم.
[ ٢٥٣ ]
أن يقيم بالمدينة، يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: «لتخرج بنا يا رسول الله نقاتلهم بأحد»، ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصابه أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﷺ حتّى لبس أداته، ثم ندموا، فقالوا: يا رسول الله: أقم، فالرأى رأيك. فقال: «فما ينبغى لنبى أن يضع أداته إذا لبسها حتّى يحكم الله بينه وبين عدوه» أ. هـ.
واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم.
وخرج ﷺ في ألف من الصحابة، وصار بين المدينة وأحد، ونزل الشّعب من أحد، وجعل ظهره إلى أحد، ثم كانت الوقعة يوم السبت لسبع مضين من شوال، ويقال عدّة أصحابه ﷺ تسعمائة، وفيهم مائة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين؛ فرس لرسول الله ﷺ وفرس لأبى بردة، ولواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير (من بنى عبد الدار)، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل، ولواؤهم مع بنى عبد الدار. وجعل ﷺ الرماة (وهم خمسون) وراءه. فالتقى الناس ودنا بعضهم من بعض، وقامت هند بنت عتبة زوج أبى سفيان رضى الله تعالى عنها (فإنها أسلمت بعد ذلك) وأمّ حكيم بنت طارق زوج عكرمة- رضى الله تعالى عنها- فى النسوة المصاحبات لجيش المشركين يضربن بالدفوف خلف الرجال، يحرّضن المشركين على القتال لحرب المسلمين، ويقلن:
نحن بنات طارق نمشى على النّمارق
إن تقتلوا نعانق أو تدبروا نفارق
فراق غير مالق
يردن: نحن بنات الكوكب، وإنه لا ينال. ويقال إن رملة بنت طارق، وأم حكيم بنت طارق قالتا ذلك، وقاله النساء معهن. وكان النبى ﷺ إذا سمع قولهن هذا قال: «اللهم إنى بك أجول وأصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل» .
واستمر القتل في أصحاب لواء المشركين، ورأى النساء برجالهن أمرا عظيما، حتى ولولن وتركن ما كنّ فيه، وانهزم المشركون، حتى انهزمت هند بنت عتبة وصواحبها متحيرات ما دونهن مانع ولا دافع، حتى لو شاء المسلمون لأخذوهن.
[ ٢٥٤ ]
ودخل المسلمون عسكر المشركين.
وقاتل حمزة عمّ النبى ﷺ يومئذ قتالا شديدا، وقتل أرطاة حامل لواء المشركين- إلى أن قتل؛ ضربه وحشي عبد جبير بن مطعم، وكان حبشيا، بحربة فقتله، وكان حمزة مشغولا عنه بقتال سباع بن عبد العزّي، وفي قتل وحشيّ حمزة، يقول حسان:
ما لشهيد بين أرماحكم شلّت يدا وحشيّ من قاتل
وقتل أيضا مصعب بن عمير حامل لوائه ﷺ، فظنّ قاتله أنه رسول الله ﷺ، فقال لقريش: إنى قتلت محمدا، وشاع ذلك، وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة، وقد دهشوا وقالوا: قتل رسول الله ﷺ، فقال: فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. فاجتهدوا في القتال، ثم إن كعب ابن مالك الشاعر عرف رسول الله ﷺ، فنادى بأعلى صوته يبشر الناس، ورسول الله ﷺ يقول له: أنصت؛ فاجتمع عليه المسلمون، ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم أبو بكر وعمر وعلى والزبير والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم، وأدركه أبيّ بن خلف في الشعب، فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمّة، وطعنه بها في عنقه، فكرّ أبيّ بن خلف منهزما، وقال له المشركون: ما بك من بأس؟ فقال: «والله لو بصق عليّ لقتلني» فمات بسرف «١» وهم قافلون، وقال المصطفى ﷺ «اشتدّ غضب الله على رجل قتل نبيا أو قتله نبي» «٢» فمات عدو الله في مرجعهم إلى مكة.
وكان أبو عزة الجمحيّ- أحد رؤساء حزب المشركين- وقع أسيرا في بدر، فمنّ عليه رسول الله ﷺ وأحلفه ألايكثر عليه جمعا، وأرسله بغير فدية، فلما كانت غزوة أحد طلبه رؤساء قريش ليتوجه معهم للحرب فامتنع من النفوذ لما وجّهوه إليه، وقال: إن بلاء محمد عندى حسن، أطلقنى يوم بدر. فلم يزالوا به
_________________
(١) بالفتح، ثم بالكسر واخره فاء: موضع على ستة أميال من مكة، من طريق «مرو» بنى به رسول الله ﷺ بميمونة بنت الحارث، وفيه ماتت رضى الله تعالى عنها وأرضاها.
(٢) وفي رواية: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، أو رجل أفتى الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل» رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود.
[ ٢٥٥ ]
حتى خرج معهم، فأسر يوم أحد فضرب عنقه. وكان معاوية بن المغيرة بن أبى العاص الذى جدع أنف حمزة، ومثّل به، فيمن مثّل، قد انهزم يوم أحد، فمضى على وجهه فبات قريبا من المدينة، فلما أصبح دخلها، فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبى العاص فضرب بابه، فقالت له امرأته أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ: ليس هو ههنا، فقال: ابعثى إليه؛ فإن له عندى ثمن بعير ابتعته منذ عام الأوّل، وقد جئته به. فأرسلت إليه وهو عند رسول الله ﷺ، فلما جاء قال لمعاوية: أهلكتنى ونفسك، ما جاء بك؟ قال: يا ابن عم لم يكن أحد أقرب إليّ ولا أمسّ رحما بى منك، فجئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره وصيّره في ناحية منها، ثم خرج إلى رسول الله ﷺ ليأخذ له منه أمانا، فسمع رسول الله ﷺ أن معاوية بالمدينة، وقد أصبح بها، وقال: اطلبوه، فقال بعضهم: «ما كان ليعدو منزل عثمان، فاطلبوه به» فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الذى صيّره عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت دارة لهم، فانطلقوا به إلى النبى ﷺ، فقال عثمان حين راه: والذى بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان، فهبه لي، فوهبه له، وأجّله ثلاثا، وأقسم لئن وجد بعدها بشئ من أرض المدينة وما حولها ليقتلن، وخرج عثمان فجهّزه واشترى له بعيرا، وقال: ارتحل. وسار رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبى ﷺ، ويأتى بها قريشا، فلما كان اليوم الرابع قال ﷺ: «إن معاوية قد أصبح قريبا لم ينفد، فاطلبوه واقتلوه» . وأصابوه على ثمانية أميال من المدينة، وقد أخطأ الطريق، فأدركوه، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمّار بن ياسر، فرمياه بالنبل حتّى مات. ومعاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان.
ولما قتل مصعب أعطى النبي ﷺ الراية لعلى بن أبى طالب، وانهزم المشركون، فطمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان الذى أمرهم النبى ﷺ بملازمته، فأتى خالد مع خيل المشركين من خلف، وصرخ ابن قميئة: إن محمدا قتل، وانكشف المسلمون وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء المسلمين، وصليّ رسول الله ﷺ الظهر يومئذ قاعدا، وكان عدة الشهداء منهم سبعين رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلا، ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ، وأصابته حجارتهم حتّى وقع، وأصيبت رباعيته وشجّ في وجهه وكلمات
[ ٢٥٦ ]
شفتاه. والذى كسر رباعيته عتبة بن أبى وقاص، والذى شجّ وجهه عبد الله بن شهاب الزهري في جبهته، وجعل الدم يسيل على وجهه الشريف وهو يقول:
«كيف تفلح أمة خضّبت وجه نبيها! اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» وإلى ذلك أشار من قال:
وأهلك قومه في الأرض نوح بدعوة «لا تذر ربّي» فأفني
ودعوة أحمد ربّ اهد قومي فهم لا يعلمون كما علمنا
فنزل في ذلك قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) [ال عمران: ١٢٨] وضرب بالسيف على شقه الأيمن فجرح وجنته، ودخلت حلقتان من المغفر «١» فى وجهه الشريف من الشّجّة، ونزع أبو عبيدة (عامر بن الجراح) إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنية»
أبى عبيدة الواحدة، ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الاخري. ومثّلت هند وصواحبها بالقتلى من الصحابة؛ فجدعن الاذان والأنوف، وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها «٣»، وصعد زوجها أبو سفيان فوق الجبل وصرخ بأعلى صوته «الحرب سجال يوم بيوم: يوم أحد بيوم بدر، اعل هبل» أى زد علوّا، فقال ﷺ: قم يا عمر فأجبه، فقال: «الله أعلى وأجل: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» .
وفي الصحيح: أن أبا سفيان قال: «لنا العزّى ولا عزّى لكم» فقال النبي: قولوا له: «الله مولانا ولا مولى لكم» .
ثم نادى أبو سفيان عند منصرفه. «إن موعدكم بدر العام المقبل» فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: نعم بيننا وبينكم موعد» ثم التمس رسول الله ﷺ عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه، وجدع أنفه وأذناه، فقال: لئن أظهرنى الله ﷿ على قريش لأمثّلن بثلاثين منهم «٤»، فلما رأى المسلمون حزنه وغيظه
_________________
(١) المغفر: زرد ينسج من الدروع علي قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة.
(٢) الثنيّة: إحدى الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت.
(٣) ولكنها لم تستطع ابتلاعها فلفظتها.
(٤) هذه رواية محمد بن إسحاق، وقد ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ اخر سورة النحل، وفي رواية البزار: «بسبعين» بدل «بثلاثين» .
[ ٢٥٧ ]
على ما فعل بعمه، قالوا: لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم مثلة ما يمثّل بها أحد، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]، فكفّر عن يمينه، ونهى عن المثلة.
وروى ابن شاذان عن ابن مسعود: «ما رأينا المصطفى باكيا قط أشد من بكائه على حمزة، وصعد في القبلة، ثم وقف على جنازته وبكى حتّى كاد يغشى عليه، يقول: «يا حمزة يا عم، يا أسد الله وأسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات» «١» . وليس هذا نوح ولا تعدّد* بشمائل، بل إخبار بفضائله وشمائله.
ثم أمر فسجّي ببرده، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه، وهذا دليل لأبى حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد، خلافا للشافعى وأحمد رحمهم الله تعالى.
ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل أناس من المسلمين إلى المدينة فدفنوا بها، ثم نهاهم ﷺ عن مثل ذلك، وقال: «ادفنوهم حيث صرعوا»، ويقال دفن معه «٢» فى قبره عبد الرحمن بن جحش.
وأصيبت عين قتادة فردّها رسول الله ﷺ بيده، فكانت بعد ذلك أحسن عينيه، وكانت إصابتها بسهم خرجت بحدقتها على وجنته، وهو يقى السهام بوجهه عن وجه رسول الله ﷺ. واستشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، وقد أبلى بلاء حسنا، وفيه نزلت: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[الأحزاب: ٢٣ وما بعدها] .
ونزل في شهداء أحد- كما رواه الحاكم- (وكانوا سبعين رجلا؛ أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شاس، وعبد الله ابن جحش، وسائرهم من الأنصار) قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
_________________
(١) لأنه طالما فرّج الكربات عن وجه رسول الله ﷺ، ولذلك ذكر رسول الله ﷺ ذلك، وهذا من باب ذكر الحسنات التى أسداها لرسول الله ﷺ كما قال الشيخ فيما بعد.
(٢) أى مع حمزةرضي الله عنه. * هكذا جاء.
[ ٢٥٨ ]
سَبِيلِ اللَّهِ أى لأجل دينه، والخطاب للنبى ﷺ، أو لكل أحد أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» أى من ثمار الجنة.
قال البيضاوي: وقيل نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين.
قال القاضى زكريا: وهو غلط، إنما نزل فيهم اية البقرة «٢» .
وعن عائشةرضي الله عنها- أنها قالت للنبى ﷺ: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشدّ ما لقيته يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب «٣» فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» . فقال النبى ﷺ: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله واحده لا يشرك به» متفق عليه «٤» .
_________________
(١) ال عمران: ١٦٩ وما بعدها.
(٢) أي الاية ١٥٤: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ.
(٣) قرن الثعالب: هو قرن المنازل، ميقات أهل نجد، تلقاء مكة، كذا في المراصد- وبينه وبين مكة يوم وليلة.
(٤) فى الصحيح عن عائشةرضي الله عنها- أنها قالت للنبى ﷺ: «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن كلال فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بالسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵊، فنادي، فقال: قد سمع الله قول قومك لك، وما ردوا عليك به، وقد بعثت إليك بملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم» . فناداه ﷺ ملك الجبال وسلّم عليه وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت؟ قال النبى ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» . وفي رواية «بل أستأنى بهم» بدل «أرجو» فقال له ملك الجبال: «أنت كما سمّاك ربك رؤف رحيم» أ. هـ. (من السيرة الحلبية ص ٣٩٥، ٣٩٦ ج ١) .
[ ٢٥٩ ]
فكان دأبه ﷺ الصفح الجميل، وكان يجعله شكرا للنصر والظفر، كما قال عند فتح مكة لأهلها، وكانوا قد أخرجوه منها، وهى أحب البقاع إليه: «أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» .
وكان ممن استشهد في أحد: سعد بن الربيع، وأخذ ميراثه أخوه، وكان لسعد بنتان، وكانت امرأته حاملا، وكانت المواريث على مواريث الجاهلية، ولم تكن الفروض نزلت، فنزلت على رسول الله ﷺ حينئذ، فدعا أخا سعد، فقال: أعط ابنتى أخيك ثلثي الميراث، وادفع إلى زوجته الثمن، والباقى لك» ولم يورّث الحمل يومئذ، ثم ورّث بعد ذلك.
قال النووى في «الروضة»: إن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد، وذكر أرباب السير أنه كان في حصار بنى النضير، فى ربيع الأوّل سنة أربع، ولم يباشر ﷺ القتال في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
ولم يقاتل معه ﷺ من الملائكة إلا في بدر، وإلا في حنين «١»، قيل: وأحد.
ولم يرم ﷺ بالحصباء في وجوه القوم في شئ من الغزوات، إلا في هذه الثلاث، على خلاف في الثالثة.
ولم يجرح: أي لم يصبه ﷺ جراحة في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
ولم ينصب ﷺ المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، وفيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، ولم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب «٢» .
_________________
(١) من المتفق عليه أن الملائكة لم تقاتل إلا في بدر، وأما في حنين فقد نزلت الملائكة ولكن لم تقاتل.
(٢) الواقع أن الله ﷾ أدّب الأمة كلها بهذا الدرس العملى المجيد، وعلمها أن مخالفة الرسول ﷺ فيه الخطر كل الخطر على المسلمين أنفسهم؛ إذ فيه ضياعهم. ومن المعروف أن الصحابة- رضوان الله عليهم- لم ولن ولا يقصدون مخالفة رسول الله ﷺ، ولكن لما حدث منهم ما حدث- عن طريق التأويل لا القصد- لقنهم الله هذا الدرس العملى تربية لهم وللأمة فيما بعد. أما من قصد المخالفة من المسلمين من قريب أو بعيد فليعدّ نفسه للدواهي، وها نحن نرى بأعيننا ما نرى من مغبة هذه المخالفة، نسأل الله الستر والعفو والعافية.
[ ٢٦٠ ]
وفي هذه السنة (الثالثة من الهجرة) كانت غزوة حمراء الأسد:
وهو جبل بناحية العقيق، بينه وبين المدينة ثمانية أميال، وذلك أنه لما كان صبيحة «١» يوم أحد، وهو سادس عشر شوال من هذه السنة، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج لطلب العدوّ، وألايخرج إلا من حضر معه بالأمس، فخرج، وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح- حتى كان بأسيد بن حضير تسع جراحات، يريد أن يداويها، فلما سمع النداء ترك المداواة سمعا وطاعة لله ورسوله- وسار ﵊ متجلدا مرهبا للعدو، وانتهى إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد صاروا إليها من أحد، ودفع لواءه وهو معقود لم يحلّ، إلى عليّ، أو إلى أبى بكر، إظهارا للقوة وإرهابا للعدو، وأقام بها ثلاثا، ومر برسول الله ﷺ بحمراء الأسد: سعيد بن أبى معبد الخزاعى سائرا إلى مكة، ولقي أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء، فأخبرهم بخروج رسول الله ﷺ في طلبهم، فقالوا: «لقد أجمعنا الكرّة على المسلمين لنستأصل بقيتهم»، فقال سعيد الخزاعي:
«إنى أنهاكم عن ذلك، فلا ترجعوا إلى المدينة» . فثبط عزم أبى سفيان عن الرجعة، وأكبر عليهم خروج رسول الله ﷺ، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا سراعا على ظفر منهم، حيث لم يأمنوا أن تكون الدّولة «٢» للمسلمين، حتى أتوا مكة، فلما بلغ النبيّ ﷺ ذلك قال- حسبنا الله ونعم الوكيل- فأنزل الله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ال عمران:
١٧٢: ١٧٤] الاية. وكان خليفته على المدينة ابن أم مكتوم.
_________________
(١) يقصد الصباح التالي لغزوة أحد.
(٢) الاستيلاء والغلبة.
[ ٢٦١ ]