* وفي هذه السنة قدم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فأسلموا.
* وفيها (فى جمادى الأولى) غزوة مؤتة «١» وهى قرية من قرى البلقاء بالشام قبل الكرك، وهى أولى الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت الروم والعرب المتنصرة في نحو مائة ألف.
وسبب هذه الغزوة أنه أرسل ﷺ الحارث بن عمير إلى ملك بصرى بكتابه، فعرض له بمؤتة عمرو بن شرحبيل الغسانى فقتله، ولم يقتل له ﷺ رسول غيره، فبعث ﷺ ثلاثة الاف، وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه، وقال: «إن أصيب فأميركم جعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة الأنصارى، فإن أصيب فسيفتح الله على يدى رجل من المسلمين» وأشار بيده إلى خالد بن الوليد «٢» . فلما التقوا مع الروم أخذ الراية زيد بن حارثة، حتى استشهد، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتّى قطعت يده اليمنى، فأخذها بشماله فقاتل حتّى قطعت شماله، فحضن الراية وقاتل حتّى قتل ﵁، وسمّى «ذا الجناحين» لأنه ﷺ قال: «إن له جناحين يطير بهما حيث شاء من الجنة» .
ويحكى أنه وجد في مقدّمه أربعة وخمسون ما بين طعنة رمح وضربة سيف، وقتل في السنة الثامنة من الهجرة، وهو ابن نحو من أربعين سنة، وكان أسنّ، من أخيه علي بن أبى طالب ﵁، ودخلت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تبكى وتقول: واعمّاه، فقال النبى ﷺ: «على مثل جعفر فلتبك البواكى» «٣»، ثم انصرف إلى أهله، وقال: «اتخذوا لال جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم» وضمّ عبد الله بن جعفر إليه ومسح رأسه وعيناه تدمعان، وقال: «اللهم اخلف جعفرا في
_________________
(١) فى حدود الشام.
(٢) ولذلك أمر المسلمون خالدا حين قتل من ذكرهم رسول الله ﷺ ائتمارا بأمر رسول الله ﷺ.
(٣) ورواه ابن عساكر بلفظ: «على مثل جعفر فلتبك الباكية» .
[ ٣٤٩ ]
ذريته بأحسن ما خلفت به أحدا من عبادك الصالحين» وكان لجعفر من الولد:
عبد الله الجواد، وعون، ومحمد، استشهدوا بصفين، وقيل: إنهم قتلوا بالطفّ مع الحسين ﵇، وحمل ابن زياد رؤوسهم مع رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية، ولم يكن لعون عقب.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأنصارى، فاستشهد، وفي أثناء استشهاد هؤلاء الصحابة الكرام كان ﷺ جالسا على المنبر وقد كشف الله له معتركهم، فكان يخبر باستشهاد كل واحد منهم ويصلى عليه، ويأمر أصحابه بالاستغفار له.
وفي «الصفوة» عن محمد بن جعفر قال: «فلما تجهّز الناس وتهيأوا للخروج إلى مؤتة، قال للمسلمين: «صحبكم الله ودفع عنكم السوء وردّكم مسالمين غانمين» فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم وتهيّئوا لحربهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع نحو مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه، ولما نزلوا «معان» «١» من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد نزل «ماب» من أرض «البلقاء» «٢» فى مائة ألف من الروم، وانضمت إليه المستعربة من: لخم، وجذام، والقين، وبلى، وبهراء، ووائل، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، إما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا فنمضى له. فشجعهم عبد الله بن رواحة فقال:
والله يا قوم إن الذى تكرهونه للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدة ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به؛ فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين؛ إما الظهور وإما الشهادة، قال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضوا لوجوههم.
وفي «الاكتفاء»: ثم مضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» «٣»، وانحاز المسلمون إلى «مؤتة» التى سميت الغزوة باسمها، فالتقى الناس عندها فتعبّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له: قطبة بن قتادة،
_________________
(١) معان: بالفتح: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحى البلقاء.
(٢) البلقاء: كورة من أعمال دمشق، بين الشام ووادى القرى، قصبتها عمان.
(٣) قرية قرب حوران تنسب إليها السيوف المشرفية.
[ ٣٥٠ ]
وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد براية رسول الله ﷺ حتّى شاط «١» فى رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل حتّى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عرقبها «٢»، ثم قاتل القوم حتّى قتل رضى الله تعالى عنه، وهو يقول:
يا حبّذا الجنة واقترابها طيّبة وبارد ضرابها
والروم روم، قد دنا عذابها علىّ إذ لاقيتها ضرابها
وقد سبق ذكر هذه الغزوة عند الكلام على قيصر هرقل- فى الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ.
* وفي هذه السنة- على ما في أسد الغابة- أو السابعة، أو التاسعة من الهجرة، اتخذ المنبر لرسول الله ﷺ من أثل الغابة، وفي رواية: من طرفاء الغابة، للخطبة، وهى الكلام المنثور المسجع، وهو أوّل منبر عمل في الإسلام.
* وفيها كان مولد إبراهيم ابن النبى ﷺ، وهو ثالث أولاده.
* وفيها وفاة زينب بنته ﷺ، وهى أكبر بناته ﷺ.
* وفي هذه السنة كان نقض الصلح، وغزوة فتح مكة الذى هو أعظم الفتوح الإسلامية؛ لأن الله أعز دينه ورسوله وجنده وحرمه وبلده وبيته، واستبشر به أهل السماء، وضرب أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الدهر ضياء وابتهاجا، وأزال الله به الشرور، وزاد به المصطفى السرور، وذلك أن بنى بكر بن عبد مناف اعتدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له «الوتير» «٣» وكان في صلح الحديبية أنه «٤» لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، ولا يتعرضون لمن دخل في عقده، يعنى اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف
_________________
(١) شاط بمعنى «قتل» ﵁.
(٢) أى قطع عرقوبها وهو ما يوازى الركبة. وفعل ذلك حتّى لا تفرّ.
(٣) وقيل: هو ما بين عرفة إلى أدام، كذا في مراصد الإطلاع.
(٤) أى الرسول ﷺ.
[ ٣٥١ ]
بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه، وكانت خزاعة ممن دخل في عهد النبى ﷺ وعقده، وبنو بكر ممن دخل في عهد قريش وعقدهم، وكانت بينهم حروب في الجاهلية، فكلمات بنى بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فواعدوهم ووافوهم متنكرين، فبيّتوا خزاعة، أى جاؤا ليلا بغتة فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريش على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض للعهد الذى بينهم وبين رسول الله ﷺ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعى في طائفة من قومه، حتى قدموا عليه ﷺ المدينة مستغيثين، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عمرو على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، وأنشده أبياتا، وهى:
لاهم إنّى ناشد محمّدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فوالدا كنّا وكنت الولدا وواحدا كنت وكنّا العددا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا وهم أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتلونا ركّعا وسجّدا
فانصر هداك الله نصرا أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فلما سأله بهذه الأبيات أن ينصره، قال له ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» ودمعت عيناه ﷺ، وقال «لا ينصرنى الله إن لم انصر بنى كعب مما أنصر به نفسى»، وبنو كعب هم خزاعة. ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من خزاعة عليه ﷺ فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال للناس: «كأنكم بأبى سفيان، وقد جاء ليشدّد في العقد ويزيد في المدة، وقد وهبوا الذى صنعوا» فلما لقى أبو سفيان بديلا، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ فظن أنه رسول الله، قال:
سرت إلى خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادى، قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل مكة، قال أبو سفيان: لئن كان بالمدينة لقد علف بها. فعمد إلى منزل ناقته، فأخذ من بعرها ففتّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتّى قدم المدينة ليجدّد العهد،
[ ٣٥٢ ]
فدخل على ابنته أم حبيبة (أم المؤمنين زوج النبى ﷺ) فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدرى، أرغبت بى عن هذا الفراش، أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس، وما أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ، قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شرّ. ثم خرج وأتى النبى ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبى بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى على رضوان الله عليهم على أن يكلموا رسول الله ﷺ في أمره، وتشفّع بهم، فلم يفعلوا، ثم قال لفاطمة أن تأمر ابنها الحسين (وهو غلام يدب بين يدى أبويه) حتى يجير له، فأبت، فقال لعلى كرم الله وجهه: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحنى، فقال: والله لا أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس (أى اطلب الأمان) ثم الحق بأرضك، قال له: أو ترى ذلك يغنى عنى شيئا؟ قال: لا والله، ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: يا أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فقص ما جرى له مع أبى بكر وعمر وعلى، وأنه قد أجار بين الناس، فقالوا: هل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا:
والله إن الرجل (يعنون عليا) أراد اللعب بك، فما يغنى عنّا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.
ثم أمر ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه، ولم يعلموا به أحدا، ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتهم فى بلادهم» (أى نأخذهم بغتة أى على حين غفلة من قبل أن يعلموا به)، فكتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى أهل مكة، وبعثه مع سارة مولاة بنى هاشم، يعلمهم بذلك، فأطلع الله رسوله على ذلك، وأرسل عليا والزبير، وأخذا منها الكتاب، فقال لحاطب: ما حملك على هذا؟ فقال: والله إنى مؤمن، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ صحبتك، ولكن لى بين أظهرهم أهل وولد، وليس لى عشيرة، فصانعتهم، فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه فإنه منافق، فقال ﷺ: «إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر، فأنزل الله ﷿ في حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
[ ٣٥٣ ]
أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] الاية، وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله من الأعراب فجلبهم، وهم: أسلم، وغفار ومزينة، وجهينة، وأشجع، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وقد أهدر ﷺ دم سارة حاملة كتاب حاطب بعد الفتح.
ثم خرج رسول الله ﷺ من المدينة لعشرة مضت من رمضان ومعه المهاجرون والأنصار، عامدا إلى مكة، فكان جيشه عشرة الاف، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان «بالكديد» «١» وهو الماء الذى بين قديد «٢» وعسفان «٣» أفطر، فلم يزل مضطرا حتّى انسلخ الشهر، وبلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان ابن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس ﵁ أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرا، فلقى رسول الله ﷺ بالحجة «٤» وقيل بذى الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبى ﷺ بعد أن استأمن له، فأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء.
وفي رواية عروة: لما دخل أبو سفيان مع العباس على رسول الله ﷺ صبيحة أسلم، قال أبو سفيان يا محمد إنى قد استنصرت إلهى واستنصرت أنت إلهك، فو الله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ فلو كان إلهى محقّا وإلهك مبطلا لظهرت عليك» . فشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وممن أسلم يومئذ معاوية بن أبى سفيان وأخوه يزيد، وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية، فكتم إسلامه عن أبيه وأمه، وقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه،
_________________
(١) الكديد: موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلا من مكة. بين عسفان وأمج. وفي هامش المراصد: «فى ياقوت: ويوم الكديد من أيام العرب» .
(٢) قديد: بضم القاف: قرب مكة.
(٣) عسفان: منهلة من مناهل الطريق، بين الجحفة ومكة.
(٤) كانت قرية كبيرة ذات منبر (أى مسجد جامع به منبر) على طريق مكة، على أربع مراحل، وهى ميقات أهل مصر والشام وسميت الجحفة لأن السيل جحفها، (أى أضر السيل بأهلها) وكان اسمها (مهيعة) بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين «غدير خمّ» ميلان.
[ ٣٥٤ ]
فقال ﷺ: «من دخل دار أبى سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق عليه بابه فهو امن» فلما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله ﷺ:
احبسه يا عباس بمضيق الوادى، حتى تمر به جنود الله تعالى فيراها، قال:
فخرجت به حتّى حبسته حيث أمرنى رسول الله ﷺ، ومرّت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة كبّرت ثلاثا عند محاذاته، قال: من هؤلاء يا عباس؟
فأقول: سليم، فيقول: ما لى ولسليم، ثم تمر مرت القبيلة فيقول: من هؤلاء فأقول:
مزينة، فيقول: ما لى ولمزينة، ثم مرت بنو غفار- بكسر الغين المعجمة- ثم أسلم، ثم بنو كعب، ثم جهينة، ثم كنانة، ثم أشجع، لا تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته، فيقول: ما لى ولبنى فلان؟ حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء. - وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، والعرب تطلق الخضرة على السواد، كما تطلق السواد على الخضرة «١» - المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، لأن فيها ألفى دارع «٢»، فلما رأى ذلك أبو سفيان قال: سبحان الله، من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، قلت: ويحك يا أبا سفيان إنها النبوّة. قال:
فنعم إذا، فقلت: الحق الان بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتّى إذا جاءهم، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.
قالوا: فمه؟ قال: فمن دخل دار أبى سفيان فهو امن، قالوا: ويحك وما تغنى دارك عنّا شيئا، قال: فمن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن ألقى السلاح فهو امن. فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، واستثنى ﷺ جماعة أمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وبهذا استدلّ على أن مكة فتحت صلحا لا عنوة، وبه قال الإمام الشافعى.
وفي بعض السير: لقى رسول الله ﷺ ببعض الطرق بالأيواء أبا سفيان بن عمه الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة- ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب- فأعرض عنهما ﷺ، فجاء إليه أبو سفيان وعبد الله بن أمية من
_________________
(١) فى مختار الصحاح: وربما سموا الأسود أخضر. وقوله تعالى: مُدْهامَّتانِ قالوا: خضراوان؛ لأنهما يضربان إلى السواد من شدة الرى.
(٢) أى حامل درع.
[ ٣٥٥ ]
قبل وجهه، فقال ﷺ: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه بأبيات، فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: «أنت طردتنى كلّ مطّرد» . وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه؛ فقيل: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه، وكان ﷺ يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة «١»، وقال ﷺ لأبى سفيان بن الحارث حين جاء مسلما بعد أن كان عدوا له كثير الهجاء:
«كلّ الصيد في جوف الفرا «٢»» (وهو بفتح الفاء حمار الوحش، والمعنى أن حمار الوحش من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى وأمسّهم رحما بى، ومن أكرم من يأتينى وكلّ دونك) وكان أبو سفيان يشبه رسول الله ﷺ من جملة من يشبهونه، وهم ستة، والباقى: جعفر بن أبى طالب، والحسن بن على، وقثم بن العباس، والسائب بن عبيد بن عبد الله بن نوفل بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف، وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
ثم أمر ﷺ أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون «٣» لما بلغه أنه قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الكعبة» فقال: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة»، فمن هنا يعلم أنه ﷺ كما سعى في العمار الحسى سابقا، سعى في العمار المعنوى لاحقا. ونعم ما قال سادة الأوّل: أوّل الفكر اخر العمل، فالساعى في التعمير يستحيل أن يكون سببا في التدمير، لا سيما البشير النذير، أو ليس أنه ﷺ كان في بناء قريش للكعبة يشتغل في بنائها بنفسه معهم،
_________________
(١) وكان ﵊ يقول فيه: «أبو سفيان بن الحارث خير أهلى» رواه الطبراني والحاكم عن أبى حبة البدرى. وروى الحاكم وابن سعد عن عروة مرسلا قوله ﷺ: «أبو سفيان ابن الحارث سيد فتيان أهل الجنة» .
(٢) رواه الرامهرمزى في الأمثال عن نصر بن عاصم الليثى قال: «أذن رسول الله ﷺ لقريش وأخّر أبا سفيان، ثم أذن له، فقال- أى أبو سفيان-: ما كدت تأذن لى حتّى كانت تأذن لحجارة الجلهمتين (بضم الجيم وسكون اللام وبضم الهاء: اسم مكان) قبلى؟ قال: وما أنت وذاك يا أبا سفيان، إنما أنت كما قال الأوّل: «كلّ الصيد في جوف الفرا» . ورواه العسكرى أيضا قريبا من هذا اللفظ، والله تعالى أعلم.
(٣) مكان بأعلى مكة عند مقبرتها. وقال الأصمعى: الحجون هو الجبل المشرف الذى بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين- قاله ياقوت الحموى-.
[ ٣٥٦ ]
وأنه لما اختير حكما حين اختصمت القبائل في رفع الحجر إلى موضعه، كان هو الاخذ بالثوب وواضعه بالركن، والامر للإصلاح بأخذ كل قبيلة طرفا من الثوب ورفعه إلى ما يحاذى موضعه، والمتناول للحجر من الثوب، والواضع له بيده الشريفة في محله، فحقّ على من يرفع بنيانها أن يرفع شأنها.
ثم أمر ﷺ أن يدخل الزبير ببعض الناس من كداء»
، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ببعض الناس من ثنية كدّى «٢» وأمر عليّا أن يأخذ الراية منه فيدخل بها لما بلغه من قول سعد: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء في بعض الناس، وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبى نهى عن القتل، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد وقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلا، فلما علم النبى ﷺ بذلك قال: ألم أنهكم عن القتال؟ فقالوا له:
إن خالدا قوتل فقاتل. وقتل من المسلمين رجلان، ودخل النبى ﷺ مكة من كداء وهو على ناقته يقرأ سورة الفتح ويرجّع «٣» .
وكان دخوله ﷺ مكة يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ونزلت عليه سورة المائدة يوم الاثنين.
وعن عائشة ﵂: كان لواؤه يوم فتح مكة أبيض، ورايته سوداء تسمّى العقاب، وهى التى كانت بخيبر.
وعنها رضى الله تعالى عنها أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح من كداء [بفتح الكاف والمدّ والتنوين: جبل بأعلى مكة] وهذا هو المعروف، خلافا لمن قال: إنه دخل من أسفل مكّة، وهى ثنية كدّى [بضم الكاف والقصر والتنوين] وعند الخروج خرج ﷺ من هذه، وبهذا استدل على أنه يستحب
_________________
(١) اسم مكان بأسفل مكة خرج منه النبى من مكة، وهى بضم الكاف.
(٢) اسم مكان ثنية بأعلى مكة، عند المحصب، وهو بفتح الكاف.
(٣) الترجيع: الترديد في القراء وإعادة الايات. أغلب العلماء على أن رجيعه إنما كان من أثر اهتزاز الناقة، ولكن الصحابة ﵃ كانوا يأخذون عنه كل شىء دون النظر إلى الأسباب. والله أعلم.
[ ٣٥٧ ]
دخول مكة من الأولى والخروج منها من الثانية، واغتسل ﷺ لدخول مكة، وبه استدل على استحباب الغسل لداخل مكة ولو حلالا، وكان شعار المهاجرين «يا بنى عبد الرحمن» وشعار الخزرج «يا بنى عبد الله» وشعار الأوس «يا بنى عبيد الله» أى شعارهم الذى يعرف به بعضهم بعضا في ظلمة الليل، عند اختلاط الحرب، لو وجد.
وبعث النبى ﷺ السرايا إلى الإصنام التى حول مكة فكسرها، ونادى مناديه بمكة: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره»، وكذلك إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكانت بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية عوفا أبا عبد الرحمن، وعم خالد- كانا أقبلا من اليمن- وأخذوا ما معهما، وكان من السرايا التى بعثها ﷺ تدعو إلى الإسلام سرية مع خالد بن الوليد، فنزل على ماء لبنى جذيمة فأقبلوا بالسلاح، فقال لهم خالد:
ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فوضعوه، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فأمر بهم خالد فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل «١» منهم، فلما بلغ النبى ﷺ ذلك رفع يديه إلى السماء حتّى بان بياض إبطيه، وقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» [مرتين] ثم أمر عليا ﵁ أن يؤدى لهم الدماء والأموال، ففعل «٢» ذلك، ثم سألهم: هل بقى لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، وكان قد فضل مع عليّ قليل مال، فدفعه إليهم زيادة تطيبا لقلوبهم، فأعجب النبى ﷺ ذلك.
وأنكر عبد الرحمن بن عوف على خالد فعله «٣»، فقال خالد: ثأرت أباك،
_________________
(١) ظن سيدنا خالد ﵁ أنهم خرجوا إلى دين الصابئة: جنس من أهل الكتاب، ومن القول الفاحش اتهام سيدنا خالد بأنه خالف أمر رسول الله ﷺ لضغينة في نفسه من هؤلاء الناس، ولا يعتقد هذا إلا جاهل أو مدخول في عقيدته. والله تعالى أعلم.
(٢) وهذا دليل اخر على براءة سيدنا خالد، فإن الدية لا تؤدى إلا في الخطأ، أما العمد ففيه القصاص؛ لأنهم مسلمون.
(٣) وإنما لامه سيدنا عبد الرحمن بن عوف لأنه كان يعرف أن القوم قد أسلموا وخالد يجهل ذلك منهم، ولو علم ما فعل هذا أبدا، وقول خالد: ثأرت أباك، إنما يريد أن يبرد قلب عبد الرحمن حتى يخفف عبد الرحمن عنه اللوم. وقول رسول الله ﷺ: «يا خالد دع عنك أصحابى» إنما أراد رسول الله ﷺ- والله تعالى أعلم أن يبين مكانة السابقين في الإسلام، فإن السابقين لهم فضلهم ومكانتهم فلا يجترئ- عليهم أحد مهما كان. وهذا الذى نقوله وندين به لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.
[ ٣٥٨ ]
فقال عبد الرحمن: بل ثأرت عمك الفاكه، وفعلت فعل الجاهلية في الإسلام.
وبلغ رسول الله ﷺ خصامهما، فقال: «يا خالد دع عنك أصحابى، فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله تعالى ما أدركت غدوة أحدهم ولا روحته» .
وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، ودخل النبى ﷺ مكة وملكها عنوة بالسيف، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه، وهو الصحيح من مذهب أحمد ﵁، وقال أبو حنيفة والشافعى رضى الله تعالى عنهما إنها فتحت صلحا «١» .
ولما دخل ﷺ مكة وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما مشدودة بالرصاص، لكل حى من أحياء العرب صنم، وكان هبل أعظمها، وهو على باب الكعبة، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها ويقول: - جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- فما أشار لصنم إلا وقع لوجهه، وفي ذلك قال تميم الخزاعى:
ففى الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا
ثم أمر ﷺ بهبل فكسر، وهو واقف عليه.
وروى أن الزبير بن العوام قال لأبى سفيان: إن هبل الذى كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر، قال: دعنى ولا توبّخنى، لو كان مع إله محمد إله اخر لكان الأمر غير ذلك.
ويقال: إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح كان بها من الأصنام ثلاثمائة وستون صنما حول الكعبة، منها إساف ونائلة، فكسّرا مع الأصنام.
وفي ذلك يقول فضالة الليثى:
لو رأيت محمدا وجنوده بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت نور الله أصبح بيّنا والشّرك يغشى وجهه الإظلام
وكان عليه ﷺ لما دخل مكة عمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة، وقال:
لا إله إلا الله واحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده»، ثم ذكر ﷺ خطبة بيّن فيها جملة من الأحكام، منها: ألايقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على
_________________
(١) انظر ص ٣٥٥ في القول بأن مكة فتحت صلحا لا عنوة.
[ ٣٥٩ ]
خالتها، والبينّة على المدعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة ليال إلا مع ذى محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، (أى من النوافل)، ولا يصام يوم الأضحى ولا يوم الفطر.
ثم قال: يا معشر قريش إنّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالاباء، الناس من ادم، وادم من تراب ثم تلا هذه الاية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا الاية، ثم قال: يا معشر قريش، فاجتمع به المشركون في المسجد الحرام ايسين من أرزاقهم، فجاء رسول الله ﷺ حتّى دخل المسجد الحرام، وأحاط جيشه بالمسجد، ودخل معه خواصه، وفتح له باب الكعبة حتّى دخل وصلّى بها، وأقام الخواص حول رسول الله ﷺ وأيديهم على مقابض سيوفهم، وهم ينتظرون أمره بوضع السيف في أعدائهم، فخرج رسول الله ﷺ، وقام على عتبة الباب، وأقبلت قريش وهم منكسو رؤسهم خوفا وحزنا، فقال: «يا أهل مكة بئس العشير كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، والان قد أظهرنى الله عليكم كما ترون، فما ترونى فاعلا بكم؟ فقام سهيل بن عمرو- وهو كان من رؤساء قريش- وقال: يا محمد أنت أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت؛ إن عذّبتنا فبجرم عظيم، وإن عفوت عنا فبحلم قديم.
فتبسم رسول الله ﷺ في وجوههم، وقال: «بل أقول مثل ما قال أخي يوسف ﵇: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم» اذهبوا فأنتم الطلقاء» «١» فأعتقهم ﷺ جميعا ولم يسب ذراريهم، وكان الله قد أمكنه منهم، فكانوا له فيئا، فبذلك سمى أهل مكة الطلقاء، أى الذين أطلقوا فلم يسترقوا، ولم يؤسروا، والطليق هو الأسير إذا أطلق.
وروى أن عائشة ﵂ نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله ﷺ تصلّى في البيت ركعتين، فلما فتحت مكة وحجّ رسول الله ﷺ حجة الوداع سألت النبى ﷺ أن يفتح لها باب الكعبة ليلا لتوفى
_________________
(١) لما كان فتح مكة ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية، وإلى أبى سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام، قال عمر بن الخطاب: فقلت: «قد أمكن الله منهم لأعرفهم بما صنعوا» حتى قال رسول الله ﷺ: «مثلى ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال عمر: فانفضحت حياء من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون بدر منى، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال» . (والحديث أخرجه ابن عساكر) .
[ ٣٦٠ ]
نذرها، فجاء عثمان بن طلحة ﵁ بالمفتاح إلى رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله، إنها لم تفتح ليلا قط، قال: فلا تفتحها. ثم أخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحجر، وقال: «صلّى هاهنا؛ فإن الحطيم (أى الحجر) من البيت، إلا أن قومك قصرت بهم النفقة (أى الحلال) فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل، وأدخلت الحطيم في البيت، وألصقت العتبة على الأرض، ولئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك» ولم يعش ﷺ، ولم تتفرغ الخلفاء لذلك «١» .
ولما اطمأن الناس خرج رسول الله ﷺ إلى الطواف؛ فطاف بالبيت سبعا على راحلته، واستلم الركن، ودخل الكعبة ورأى فيه الشخوص على صور الملائكة، وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام يستقسم بها، فقال ﷺ: «قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام؟! ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» ثم أمر بتلك الصور فطمست، وصلّى في البيت، ثم جلس على الصفا فاجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء «٢» .
روى أن النبى ﷺ عهد إلى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألايقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أحد عشر رجلا وست نسوة، فإنه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحل والحرم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة.
أما الرجال الأحد عشر: فأحدهم عبد الله بن خطل (رجل من بنى تميم بن غالب بن فهر، وقد كان قدم بالمدينة قبل فتح مكة وأسلم، وكان اسمه عبد
_________________
(١) بل إنهم قد نهوا عن ذلك، لئلا يتخذه الملوك لعبة لهم، كلما جاء ملك جدد، فهدم وبني، وبيت الله ينزه عن ذلك، كما قال عبد الله بن عباس لابن الزبير ﵄- حينما كان محصورا بمكة من قبل الحجاج بن يوسف، وأصاب الكعبة المنجنيق- فقال عبد الله بن عباس: دعها على ما أقرّها رسول الله ﷺ، فإني أخشى أن يأتى بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبني، فيتهاون الناس بحرمتها، ولكن ارفعها. (انظر الجامع اللطيف في فضل مكة والبيت الشريف ص ٨٦) .
(٢) كانت مبايعته للنساء كلاما باللسان فقط.
[ ٣٦١ ]
العزّي، فغيّر النبى ﷺ اسمه وسمّاه عبد الله) .
والثانى عبد الله بن سعد بن أبى سرح، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، فبالغ عثمان في شفاعته، ثم قال بعد ما أعرض عنه النبى ﷺ مرارا: يا رسول الله أمّنته ﷺ فصمت طويلا، ثم أمّنه، فأسلم، وقال ﷺ: إنما صمتّ ليقوم أحدكم فيقتله، فقالوا: هلّا أو مأت إلينا؟ فقال: إن الأنبياء لا تكون لهم خائنة الأعين ﷺ وكان أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فكان يبدّل القران، ثم ارتدّ وهرب إلى مكة، ثم أسلم يوم الفتح وعاش إلى خلافة عثمان، وولّاه مصر «١» ﷺ والثالث: عكرمة بن أبى جهل، استأمنت له زوجته أمّ حكيم، وجاء عكرمة حتى وقف بحذاء رسول الله ﷺ، وقال: يا محمد إن هذه أخبرتنى أنّك أمّنتني، فقال رسول الله ﷺ: «صدقت فإنك امن»، فقال عكرمة: أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله ﷺ
والرابع الحويرث بن نفيل، كان يؤذى رسول الله ﷺ ويهجوه، فقتله عليّ ﵁ ﷺ
والخامس: المقيس- بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية واخره سين مهملة- هو ابن صبابة الكندى- بالصاد المهملة المضمومة وبالمواحدتين- وجرمه أن أخاه هشام بن صبابة، قدم المدينة وأسلم، وكان مع النبى ﷺ في غزوة المريسيع، فظن أنصارى من بنى عمرو بن عوف أنه مشرك فقتله خطأ؛ فقدم مقيس المدينة يطلب دم أخيه ﷺ فأمر النبى ﷺ الأنصارى بالدية، فعقل ديته، فأسلم مقيس، وبعد ما أخذ الدية قتل الأنصارى وارتد ورجع إلى مكة مشركا ﷺ
والسادس: هبّار بن الأسود، وكان كثيرا ما يؤذى رسول الله ﷺ يوم بدر،
_________________
(١) وكان إسلامه في المرة الثانية عن عقيدة صحيحة والحمد لله رب العالمين. ذكر الذهبى في تاريخ الإسلام ص ١٣٨ ج ٣ (خلافة الصديق- خلافة علي) أنه لما احتضر قال: اللهم اجعل اخر عملى صلاة الصبح، فلما طلع الفجر توضأ وصلّي، فلما ذهب يسلّم عن يساره فاضت نفسه ﵁.
[ ٣٦٢ ]
فعرض هبار مع جماعة لطريق زينب ومنعها، وضرب زينب «١» بالرمح فسقطت عن ناقتها، وكانت حاملا، فألقت حملها ومرضت وماتت بهذا المرض، فغضب عليه النبى ﷺ غضبا شديدا، وأهدر دمه؛ ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته؛ وقال: «يا محمد أنا جئت مقرّا بالإسلام، وقد كنت قبل هذا مخذولا ضالا؛ والان قد هدانى الله للإسلام، وأنا أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» واعتذر إليه معترفا بذنبه، مظهرا لخجالته، فقبل النبى ﷺ إسلامه، وقال: «يا هبار عفوت عنك، والإسلام يجبّ ما كان قبله» .
والسابع صفوان بن أمية، ولما علم أن النبى ﷺ أهدر دمه يوم فتح مكة هرب مع عبد له اسمه يسار إلى جدة يريد أن يركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبيّ الله إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمّنه عليك، فقال: هو امن، قال: يا رسول الله: أعطنى شيئا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التى دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتّى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان فداك أبى وأمّي، واذكر الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله ﷺ فرجع معه حتى وقف به على رسول الله ﷺ، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمّنتني؟ قال:
صدق، قال: فاجعلنى في أمرى بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر ﷺ فلما خرج النبى ﷺ إلى حنين وهوازن، واستعار منه النبى ﷺ مائة درع، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال النبى ﷺ: «بل عارية مضمونة» ﷺ وحين قفل النبى ﷺ من الطائف إلى الجعرّانة مرّ مع صفوان على شعب مملوء من الإبل والغنم وسائر أنعام الغنيمة، وكان صفوان يحدّ النظر إلى تلك الأموال، ولم يرفع بصره منها، وكان النبى يلاحظه، فقال: يا أبا وهب، أتعجبك هذه؟
قال: نعم، قال: وهبتها لك كلها، فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا، إلا نفس نبى ﷺ فأسلم هناك.
والثامن: حارث بن طلاطلة- وهو من جملة مؤذى النبى ﷺ- وفي يوم فتح مكة قتله علي بن أبى طالب.
والتاسع: كعب بن زهير بن أبى سلمى المزنى الشاعر، صاحب- بانت سعاد-
_________________
(١) زينب ابنة رسول اللهﷺ.
[ ٣٦٣ ]
القصيدة المشهورة، وكان يهجو النبىّ ﷺ، فجاء وهو جالس في المسجد فدخل وأسلم، وأنشأ قصيدته التي أوّلها:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول [فلما بلغ إلي قوله:]
إن الرسول لنور يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول
أنبئت أنّ رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
قال النبي ﷺ: «اسمعوا ما يقول»، وقيل: فرح النبي «١» ﷺ وكساه بردته جائزة له: فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب: أن بعنا بردة النبى ﷺ، فقال: ما كنت لأوثر ثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم ونقل الملك المؤيد أبو الفدا إسماعيل صاحب حماة في تاريخه أنه اشتراها بأربعين ألف درهم، ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون، حتى أخذها «التتر» انتهى.
والصحيح أن هناك بردتين: بردة كعب بن زهير، وهى التى اشتراها معاوية، وفقدت بزوال بنى أمية، والثانية هى التى أهداها ﷺ لأهل أيلة في غزوة تبوك، وكتب لهم أمانا، واشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، ولعلها هى التى أخذها التتر، وإلا فقد كانت عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوّثت بالدم.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير ﵁ أن ثوب رسول الله ﷺ الذى كان يخرج فيه للوفد، رداء حضرمي، طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر ﷺ انتهى.
ولعل هذا هو الموجود في الخزينة الخديوية المصرية «٢» .
وكان إسلام كعب في السنة التاسعة.
_________________
(١) فرح النبى ﷺ بإسلامه، لا بشعره، وكساه النبى ﷺ البردة تأمينا له حتّى يطمئن، وأما شعره فدليل على حسن إسلامه ﵁.
(٢) الان بمسجد مولانا الحسين ﵁ في حجرة المخلفات الشريفة.
[ ٣٦٤ ]
والعاشر: وحشىّ بن حرب، قاتل حمزة، وكان كثير من المسلمين حريصا على قتله، ويوم فتح مكة هرب إلى الطائف وأقام هناك إلى زمان قدوم وفد الطائف إلى النبى ﷺ، فجاء معهم ودخل عليه، وقال: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال النبى ﷺ: أنت وحشي؟ قال: نعم، قال: أأنت قتلت حمزة؟ قال: قد كان من الأمر ما بلغك يا رسول الله، قال: اجلس واحك لى كيف قتلته، ولمّا قصّ عليه قصة قتله، قال: أما تستطيع أن تغيّب وجهك عني!
وكان وحشى بعد ذلك إذا رأى النبى ﷺ يفرّ منه ويختفى.
والحادى عشر: عبد الله بن الزبعري، وكان من شعراء العرب، وكان يهجو أصحاب النبى ﷺ ويحرّض المشركين على قتالهم، ويوم الفتح لما سمع أن النبى ﷺ أهدر دمه هرب إلى نجران وسكنها، وبعد مدة وقع الإسلام في قلبه، فأتى النبيّ ﷺ، فلما راه من بعيد قال: هذا ابن الزبعري، ولما دنا منه قال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.